مدن ومعالم

 

 

وتظل ذكريات الأندلس حلماً يداعب عيون العرب المحبين، ويظل الشوق إلى تنفس عَبَق تلك الديار ما دام في القلب دم يجرى، ونَفَس يتردد، وإذا ما خُيّر المرء زيارةً حبيبة اختار الديار الأندلسية برهة يعيش فيها أريج الماضي وعبق الذكريات.

 

 

ولست مستغرباً من شبابنا الذين يدرسون الأدب العربي كيف يتفاعلون مع الأدب الأندلسي، وكيف يعشقون دروس التاريخ الأندلسي، وكيف يصيخون إلى كل صغيرة وكبيرة لهذا التاريخ وهذا الأدب، وكأنهم في حلم سحري وعالم من الأساطير.

 

وشاء الله أن تبعثني وزارة المعارف في الثلاثينيات من العمر أستاذاً لمادة اللغة العربية في المغرب الأقصى، وقررت الوزارة المغربية بعـــد الإطلاع على شهاداتي أن أُدرس في جامعة القرويين بفاس.

كانت الجامعة بزخرفتها وجمالها كأنها أسطورة من الأساطير، بل كانت مدينة فاس بأجمعها حلماً من الأحلام، وعبقاً له أول وليس له آخر.

 

ومرت السنة الأولى، وكأني في حلم رائع، وعشـــــقت فاس، وأهلها، وأرضها، وسماءها، وكل حبة رمل فيها.

كنت في كل يوم أكتشف لوناً جديداً من ألوان الجمــال، وكنت أرى في كل طالب من طلاب جامعة القرويين ميزة من الميزات، وأخــــلاقاً، وسلوكاً، وفضلاً، وكرماً، يدفعـــني إلى ود أكبــر، ومحبة أعمق.

كان أهل فاس جميعاً فيهم اللطف، والأدب، واللثغة المميزة بحرف الراء، وأسألهم عن أصلها فيقولون: إنها من بقايا لثغة الأندلس، وأدعى إلى السهرات والأعراس والأفراح، وأسمع  الموشحات، فيقولون: إنها موشحات الأندلـــس، ونحن ورثناها بالسماع، والرواية، والتلقين، كما حُفِظ القرآن الكريم بالسماع والروايـــة والتلقين، وموشــحاتنا هي الأصـــلية، وموشحات الشرق هي الدخيلة.

 

المفتاح الأندلسي

 

سمعت عن قصة المفتاح الأندلسي المتوارث، ورحت أبحث عن هذا المفتاح، وأصله،  وفصله، وبقيت زماناً أفتش عنه دون جدوى، وأخيراً وقعــــت على مفــتاح أندلسي موروث.

قصة هذا المفتاح هو مفتاح دار أنـدلســـية، كانت تســـــكنها أســــرة هادئة مطمئنة، ويوم أن سلم أبو عبـدالله الصغير لفرديناند، وإيـــزابيلا مفاتيح الأندلــس كلها، وغــادر البــــلاد وهو يبكي، وأمه تقول له:

 

ابكِ مثلَ النساء مُلْكاً مُضاعاً

لم تحافِظ عليه مثلَ الرجالِ

 

حمل كثير من المهاجرين مفاتيح دورهم، وكان أحدهم يجمع أولاده حين يشعر بدنو أجله، فيسلمهم مفتاح الدار التي غادروها في الأندلس، ويستحلفهم بالله أن يعملوا بجد وإخلاص على استعادة الدار، ويسلم الأولاد للأحفاد هذا الميراث، جيلاً بعد جيل، وما يزال هذا المفتاح على حاله، ونسي الكثيرون هذا المفتاح، ورمزه، والأندلس وأرض الآباء والأجداد، حتى إني بقيت أكثر من عام أفتش عن مفتاح أندلسي، فلم يعرفه الكثيرون، ولم يعرفوا القصة من أولها إلى آخرها ، ولما كان المغرب ملاصقاً أرض الأندلس، ولا يفصله عنها سوى مضيق جبل طارق.. رحت أزور الأندلس كلما سنحت لي الفرصة، وكلما منحنا إجازة فصلية أو صيفيــــة، وقيــض الله لي أن أزور الأندلس عشر مرات أو يزيد، واحتفظت لنفسي بكثير من ذكريــــاتها، وها أنا ذا أعرض بعضاً منها.

 

الصورة الأولى: قصر الحمراء

 

في إحدى زياراتي لغرناطة كنت مع مجموعة فرنسية نطوف بقصر الحمراء وراء الدليل الإسباني الذي كان يشرح للمجموعة باللغة الفرنسية معالم القصر، وكلما جاء إلى رائعة من روائعه ردها إلى ألبرتـــو أو روبرتو من حكام إسبانيا، وبين الحين والحين يقول: هذه من بقايا المورو، ويقصد بها المغاربـة أو العرب، ويختصر الشرح، ويطمس الحقـائق، ويدلس على السياح.

 

وحين دخلنا قاعة العرش الجمـــيلة، وكانت مؤطرة بشعر عربي جميل محـــفـور على الرخـــام، وفيها زينــــات تأخذ بالألباب، لم يزد الدليل حين سئل عن هـــــذه الكتابة على أن قـــال: كتابة مورو.

 

واشـــتد بي الغضـــب، وثارت بي الكـــرامة، فقـــلت للدليل: أتسمح لي أن أقرأ هذه الكتابة، فأنا أعرفها، وهـــل تسمح لي أن أترجمها للســــادة الحاضـــرين؟ فقال: لا مانع فتفضلْ.

 

ورحت أقـرأ الأشعار، وأسبكها بكل ما أوتيت من براعة وجمال ترجــمة إلى الفرنسية، وضــجَّ الجميع بالإعجاب حتى الدليـــل الإسباني.

 

قلت له: أتسمح لي أن أنقل الجماعة إلى غرفة الأسرار العربية، فهي تستحق الزيارة؟ فقال بوجه باش: احسِبْ نفسك أنت الدليل، وافعـل ما تشاء، فأنا مسرور منك ومن حديثك.

 

أخذتهم إلى غرفة الأسرار،  وشرحت لهم كيف كان الملك العربي يجلس في زاوية، ووزراؤه يجلسون في الزاوية المقابلة، ويجلس الملك الضيف في الزاوية الأخرى، ويجلس وزراؤه ومستشاروه في الزاوية المقابلة له، وتبدأ المحادثات، حتى إذا احتاج أحد الملوك إلى الوزراء أو المستشارين همس في الجدار الذي وراءه بما يريد، فيصيخ وزراؤه ويتكلم همساً فيسمعون بوضوح كل ما يقول، ويجيبــونه بنفس الطريقة من الجدار، والملك الآخر لا يسمع شيئاً، وكذلك يـفعل هـــو مـع وزرائه حــــين يريد.

 

واغتنمت المناسبة لأتحدث عن الحضارة العربية في الأندلس، والروائع التي خلفوها، وأفضت في الحديث، وأخذت الجميع إلى حَمَّام القصر، وحدثتهم عن البَرّاني والوسطاني والجُوَّاني، وبِرْكة الماء الساخن، وحنفيات الماء الساخن والبارد، وعن الحنفية الثالثة المخصصة للعطر حيث تسبح به الأميرة بعد انتهائها من حمامها العادي.

 

الطريف في هذه الزيارة أن معظم الموجودين أرادوا أن يدفعـــوا لي إكــرامية كما يفعلون مع الأدلة، فاعتذرت منهم وقلت: ما أنا إلا ســـائح مثلكم، ولكني من نســــل هــــؤلاء الذين شــــيدوا هذا القصـر، وعمـروا الأنـدلس، وأفاضوا النور في كل العالم، أنا عربي صميم.

 

 

الصورة الثانية: طليطلة

 

وهي قرية صغيرة تقع جنوب مدريد بثمانين كيلو متراً، وتمتاز طليطلة بكاتدرائيتها العجيبة، الكاتدرائية كنيسة كبيرة، فيها آلاف التماثيل المرمرية المنحوتة، كما تمتاز بتاج ملكة بريطانيا الذي أهدته للكاتدرائية، وهو متربع في إحدى زواياها، وفي الزاوية المقابلة تجد مجمــوع الذهب الذي جلبه كريستوف كولومبوس من أمريكا يوم اكتشفها.

 

وأزهى من كل هــــذا تلك القاعة البللوريــــة التي علقت في خزائنــــها الشفافة ملابس الملوك العرب المســــلمين الذين حكموا الأندلس.

 

فهذه ثياب عبدالرحمن الناصر، وهذه ثياب المنصور بن أبي عامر، وهذه ثياب الحَكَم بن هشام، وهذه ثياب أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس، مطرزة جميعها بالذهب، وبعبارة (لا غالب إلا الله) على أردانها وحواشيها. وحين تتأمل هذه الملابس، وتقرأ تلك الأسماء اللامعة لا تملك إلا أن تذرف دمعة، وهيهات أن تحبسها.

 

الصورة الثالثة : قصر الأسكوريال

 

القصر هذا يقع جنوب مدريد، ويبعد عنها نحو ثمانين كيلو متراً، أصله قصر ملكي أندلسي، له أربــعة أدوار، وفي كل طابق حوالي خمســـين غرفـــة، وكلها مفتوحة إلى بعضــــها، حتى ليمكن للزائر أن يدخل من الأولى ويخرج من الأخيرة، ويمر خلال هذه الغرفة على أجنحة الملوك السابقين، وأجنحة الملكات، وولاة العهد مع توالي الأزمـــان، ومن جملتها غرفـــة الملك العربي، وأجنحــة نسائه وخدمـه وحَشمِه.

 

في الأســــكوريال مكتبة عربية ضخمة وفخمة، تحوي مجلدات مخطـوطة، ولها فهـــرس بمجلدين ضخمين، ومن عجب أن كثيراً من هذه المخطوطات لم نسمع بها، ولم نعرفها، ولم تحقق، أو تنشــــر، وقليل من هذه المخطوطات من تأليـــف المشـارقة، ولا سيما الأعلام، في جمــيع العلوم والفنون.

 

أروع ما في الأسكوريال تلك اللوحة المرسومة في سقف الصالة الكبرى، وهي بيضاوية الشكل، وتمثل أبا عبدالله الصغير، آخر ملك عربي من بني الأحمر حَكَم الأندلس، ووراءه جيش كله معمم أو على رأسه عقال، وأبو عبدالله مترجل من على فرسه، وفرسه الأحمر مطرق الرأس، كذلك الجيش العربي وفي يد أبي عبدالله مفتاح كبير، هو رمز الأندلس، يقدمه إلى فرديناند، الراكب عل فرس، وزوجته إيزابيلا على فرس آخر، وفرساهما يشمخان برأسيهما، ويمد فرديناند يده ليتسلم المفتاح.

 

وفي طرف اللوحة صورة لإسباني يرفع رجله فوق رأس جندي عربي، ويركله برجله، فيسقط العربي على ظهره، وينزلق رأسه إلى جهنم المرسومة خلفه، وعيناه جاحظتان، ويداه مرفوعتان إلى أعلى من الرعب.

وتحدق في الصورة أكثر وأكثر، وتعيش معها فترة، فتنسى نفسك أنك أمام صورة، وترى أنك تراجعت إلى وراء، خشية أن يقع الفارس عليك، وحين تعود إلى نفسك تجد دموعك غسلت وجهك، وتقول في نفسك: ترى أهذه آخر لوحة ترسم في تاريخنا، أم أن لوحات كثيرة سوف ترسم وترسم؟

 

أستاذ بجامعة حلب سابقاً

 

 
  © أغسطس 2005 مجلة " أهلا وسهلا ".