المـكــيّة.. دار تجســـد فنون العمارة الإسلامية
التراث يمتزج بخطوط العمارة الحديثة.. ويواكب متطلبات الحياة
المعاصرة

بقلم: الشريفة
دانية آل غالب
ليس
هناك شكّ في أنّ الشعور والإحساس سبقا الفكر والعقلـ فقد بدأ
الإنسان يحسّ ويشعر قبل أن يفهم ويفكّر ويحلّل. إذ بدأ حياته على
الأرض صانعاً ومبتكراً ومبدعاً.. حملت يده قطعة الطين وشكّلتها
فنتجت عنها إبداعات من الفنـ وخطّ بإصبعه على الرمال ونقش بمسنون
الحجر على الصخور فكان بذلك قد سبق حسُّه عقلَه. وانشغل وجدانه
بالفنّ قبل أن ينشغل عقله بالفكر.
والفـــن بكل صوره
وأشـــكاله كان ولا يزال شاغل الإنسان في كلّ العصور والفن
المعماري أحد أقدم الفنون الجميلة التي عرفتها البشرية.. وواكبت
الحضارات وعبّرت عنها أصدق تعبير على مرّ العصور.


وتأتي فنون العمارة
الإسلامية لتحتلّ مكانة مرموقة بارزة في التاريخ البشري المعماري
ولتترك بصمات فريدة تعبر عن المميزات الجمالية الخاصةـ والبنية
الفنّية المتكاملةـ والمتانة الإنشائية التي تتوافق وظروف البيئةـ
وتلبي المتطلّبات المعيشيّة للإنسان.
والمتجول في الأحياء
القديمة لمدن المملكة وقراها يرى أنّ طابع العمارة فيها امتداد
للعمارة الإسلاميّة شكلاً ومضموناً. بيد أن سنوات التوسع العمراني
الكبير الذي شهدته البلاد بمدنها وقراها أظهر أنماطاً معمارية
مختلفة وغير متجانسة مما أفقد المدينة العربيّة شكلها المعماري
المميّز. خاصة ذلك الشكل الذي عُرفت به المدينة الحجازية. لكن في
السنوات الأخيرة ظهرت موجة التوجه إلى طابع معماري يظهر فنون
العمارة الإسلامية ممتزجة بخطوط العمارة الحديثة مما بشّر بعودة
الطابع الإسلامي والحجازي في فن العمارة وعودة التراث بروحه لينبض
من جديد في خطوط العمارة الحجازية.
استلهام الماضي:
الحديث
عن عودة فكرة الحفاظ على التراث في خطوط العمارةـ وإحيائه من جديد
وتطويره ليواكب متطلبات الحياة العصرية يبرز أمامنا اسماً أصبح
مرادفاً للتصاميم المبدعة في هذا المجال.. هواسم الدكتور المعماري
(سامي محسن عنقاوي). هذا الاسم الذي سلك دروب التاريخ واحتضن
التراث ممسكاً بجميع أدواته الأصلية ليرسم عالماً نابضاً بالأحاسيس
الشرقية والملامح الحجازية بأسلوب متقن وتنفــيذ ممــيّز جعـــلاه
قــادراً على التوغل في فـــن العمارة الحجازية ليصبح عنواناً
للأصالة.
فالمتتبع للخطوط
الهندسية التي تنجزها أنامل (سامي عنقاوي) يلمس ذلك الشغف العظيم
الذي يحمله للتراث الحجازي والإسلامي. حتى غدا هذا الشغف رسالة
يسعى إلى نشرها وغرس بذورها في نفوس الأجيال الجديدة من المعماريين
والحرفيين من خلال مركز (عمار للتراث العمراني) الذي أنشأه ليحيي
عن طريقه العمارة التقليدية المستلهمة ملامحها وروحها من التراث
الإسلامي والحجازيـ مسخراً كل الطاقات والجهود من أجل البحث في
أصولها ومكوناتها وعناصرها الأساسيةـ واضعاً نصب عينيه جميع
التحديات مصمماً على اجتيازهاـ هادفاً إلى الربط بين أصالة الماضي
ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل..

رؤية وفلسفة:
وتتلخّص رؤية الدكتور
(سامي عنقاوي) المعمارية في الحفاظ على التراث والهوية الحضارية
المتميزة التي يهددها ذلك اللهاث الناتج عن اللحاق بالتطور العالمي
السريع الذي لا يرتبط بأساسيات حضارتناـ ولا ينبع من أصالة تراثناـ
والذي كثيراً ما يطغى على سمتنا الحضارية لذا جعل الدكتور (سامي
عنقاوي) مركز عمار للتراث العمراني منبراً يدعو من فوقه إلى كــل
ما يؤمن به. مرتكزاً على التراث أربعة عشر قرناً من الزمان كمصدر
للأصالةـ ومستنداً على خبرته الشخصية التي تتجاوز ربع قرن من
الزمان والتي تعتمد على فلسفة واعية متفهمة للتقدم الإنسانيـ هذه
الفلسفة التي تعتنق مبدأ الاهتمام بالتراث مع عدم نبذ التطور
البشري. إذ إنها لا تدعو إلى أن ندير ظهورنا للوسائل التقنية
المعاصرة وما تفتحه من آفاق رحبة أمام التقدم البشري. بل تدعو إلى
البحث في الماضي واستلهام التراث لنستقي منه الأسسـ ولنربط الأجيال
الجديدة بهـ كي لا تضيع هويتنا في زحام الانفتاح العالمي والعولمة.
ويرتكز (العنقاوي) في
فكره على مبــدأ (الميزان) بين الثــوابت والمتغــيرات فالثوابــت
تعطينا الاستمرارية والأصالةـ والمتغيرّات تعطـــينا التنوع
والإبــداع. فالثوابت على ســبيل المثال تعني البيـــئة التي ينشأ
فيها المبنى. وهـي تختلف بطبيعة الحـال من مــكان لآخر.
أما المتغيرات (Functions
of the building)
فتعني أن يكون المبنى للسكن أو للعبادة أو للاستشفاء (Institution)
،
وكان الدكتور العنقاوي قد تعامل مع هذه القاعدة والرؤية المعمارية
في مشاريعه المتنوعةـ مثل تطوير مبنى أثري في مكة وترميمهـ إذ حافظ
على غلبة الثوابت على المتغيرات بينما غلبت المتغيرات على الثوابت
في تصميمه لمركز إسلامي في بوسطن (Boston)
بالولايات المتحدة الأمريكية.
بينما نجد أن الملامح
العلمية والتقنية برزت أكثر في تصميمه لمستشفى (المركز الطبي
الدولي في جدة) وكلية (دار الحكمة).
(المكيّة)..
دليل الأصالة
يتجسّد الفن ولمساته
الإبداعية في دار (المكيّة) التي لم تقف عند حدود التخطيط بل تنطلق
نحو آفاق واسعة في عالم الفن لتكشف كيف أنّ للإبداع أصولاً لابد من
التشبث بهاـ وللنجاح أربابه في تحقيق الإنجازات الفنية وترسيخ
التراث بآثاره الإبداعية.
فدار (المكية) التي
عكف (عنقاوي) سنوات لتشييدها تُجسد استلهام التراث الحجازي بكل
ملامحهـ وتروي الكثير عن ثراء الأفكار في الحفاظ على الأصالة
المتقنة إلى أبعد الحدود.
والتجول في (المكية)
يأخذنا إلى أبعد حدود الخيال التي سافر عبرها (عنقاوي) ليجعل من
ذكريات الماضي واقعاً يروي الملاحم التي خاضها التراث الحجازي
المعماري بكل بسالة ليعيد في ذاكرتنا المتخمة بالتصاميم المعمارية
العصرية نبوغ هذا الفن بخطوطه الفريدة وبصمته المميزة.
إن المتجول في دار
(المكيّة) يلمس في كل زاوية من زواياها وفي كل حجراتها وتفاصيلها
أنها تخطت حدود ما يعرف بالعمل التنفيذيـ كما يلمس أيضا أهمية الفن
في ترجمة التصاميم والأفكار إلى واقع ملموس.
ففي (المكية) نجد
الشكل المميز والمسحة الجمالية التي تحمل نفحة الطبيعة في كل أرجاء
الدارـ فقد تمركزت الدار حول فناء داخلي به الزرع والماء الجاري
والضوء الطبيعي والهواء المتجدد ليوفر المتنفس المريح والمنعش
لجميع الحجرات والفراغات الداخليةـ وقد أدى هذا بالإضافة إلى حوض
السباحة والفسقية والحوائط الخارجية العازلة واستخدام الألوان
الباردة المكونة من درجات الأخضر والأزرق- إلى التحكم في درجة
الحرارة ونسبة الرطوبة - التي تعاني منها المساكن في عروس البحر
الأحمر- جدة - وجعلهما في معدّل مناسب ومريح للإنسان.


كما صُممت النوافذ
بشكل لا يسمح إلاّ بدخول القدر المناسب من الضوء إلى غرف الدار حتى
لا تزعج شمس جدة الحارقة عيون من بالداخل.
وقد قامت (المكيّة)
على مبدأ حفظ الطاقة وإعادة التدوير إذ نجد أن تكييف الهواء
المركزي يبدأ في العمل إذا لم توفر كل تلك التدابير الطبيعية
السابق ذكرها الجوّ الداخلي المريح للإنسان.
كما نجد أنّ ريّ كل
ذلك الكم الكبير من النباتات الموزعة في جميع أرجاء الدار يتم
بطريقة (أوتوماتيكية مبرمجة) عن طريق استغلال المياه الفائضة من
تكثيف الماء في أجهزة تكييف الهواء.
إن
الجمال والذوق الرفيع اللذين يزينان ( المكية) من الداخل والخارج
ويســكنان تفاصـيلها ليـــسا تجمـيلاً ولا تكلفاًـ وإنما نتيجة
طبيعية لإتقان عاش مراحل تحويل الحلم إلى واقع يروي فصوله الحجر
المنقبي (الجداوي) وحجر القاحوط والشبيكي (المكاوي) اللذان استخدما
في تشييد هذه الدارـ واللذان تعانقا مع أنواع أخرى من الأحجار
لتتشكل لدينا ألوان واجهة الدار.
ومن أهم الملاحظات
التي يلتقطهاالمتجول في (المكيّة) ارتباط الفراغات الموجودة في
الدار ببعضها بحيث يتمكن الساكن من رؤية أي جزء من الدار أينما كان
دون أن تعوق الجدران بصره.
كما نجد فكرة تعدد
الاستخدامات للفراغ الداخلي الواحد لافتة للنظر.. ففي المكان نفسه
من الدار يمكن للمرء أن يجلس أو يأكلـ مما قضى على ظاهرة تكدس
الأثاث بسبب تنوع استخدامه.
أما حجرة الطعام..
فتحتوي على طاولة من الخشب يجلس حولها أفراد الأسرة على الأرائكـ
منخفضة مريحةـ وبعد الانتهاء من تناول الطعام تعود الطاولة -
المرتفعة نسبياً عن أرضية الحجرة- بطريقة (ميكانيكية) حتى تتساوى
مع سطح الأرض. وعليه يمكن استخدام الحجرة في أي غرض آخر.
إن (المكيّة) أشبه
بلوحة فنية اجتمعت فيها كل عناصر الفـن وتنوّعت فيها الأفكار
بتنـاغم يعـطى هذا العمل هـــويّة خاصة تجعله مســـكوناً
بالابتـــكار والإدهاش.