|
ثقافة طيران |
|
|
|
مسيرة سلام تقنية غرس بذرتها الملك عبدالعزيز:
متحف صقر الجزيرة للطيران.. تاريخ خالد للتأسيس والبناء
الرياض : عبداللّه الحرازي ◙
يعد متحف صقر الجزيرة للطيران الذي دشنه صاحب السمو الملكي الأمير عبداللّه بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس الحرس الوطني في السابع من شوال عام 1419هـ، ضمن احتفالات المملكة بالذكرى المئوية الأولى لفتح الملك عبدالعزيز آل سعود -يرحمه اللّه- الرياض، والذي فتحت أبوابه للزائرين في السابع عشر من رمضان عام 1424هـ معلماً حضارياً بارزاً في العاصمة الرياض، التي تضم العديد من المعالم الحضارية والتاريخية لدولة فتية، استطاعت بفضل اللّه تعالى، ثم بالجهود المخلصة لحكامها ومواطنيها أن تواكب ركب العالم المتطور في شتى المجالات، حيث مضى الركب وفق الرؤية الثاقبة للملك المؤسس والموحد، الذي بذر البذرة الأولى لتأسيس الدولة الحديثة، وفي متحف صقر الجزيرة للطيران بالرياض.. صور ومشاهد من تاريخ الطيران.. وكلها تدعو للتأمل، وتؤكد أن الإنسان بالتوكل على اللّه ثم بالإرادة والعزيمة قادر على أن يحول الأحلام إلى حقائق.
من الأرض إلى القمر
لم يتوقف طموح الإنسان على اختراع الطائرة كوسيلة نقل قربت البعيد وذللت الصعاب وزاوجت بين الحضارات لتتواصل الشعوب مع بعضها، فقد واصل أبحاثه وتجاربه لاختراق الغلاف الجوي للأرض وانتقل إلى سطح القمر في مطلع الستينيات من القرن الماضي، حيث حفظ التاريخ للأمريكي نل آرمسترونج كونه أول إنسان يهبط على سطح القمر بواسطة الصواريخ الدافعة للمركبات الفضائية، وهذا التاريخ يحفظ للإنسان السعودي قيام صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان برحلة علمية إلى الفضاء في عام 1405هـ كأول رائد فضاء عربي مسلم ،وقد وفرت تلك الرحلة معلومات علمية اعتمد عليها واضعو خطط التنمية في الوصول إلى الثروات الطبيعية في جوف الأرض.
الطيران السعودي
ومتحف صقر الجزيرة الذي يقع على الطريق الدائري الشرقي لمدينة الرياض وتقدر مساحته التقريبية بـ25 ألف متر مربع يجسد تاريخ الطيران في المملكة عبر مراحله المختلفة تبدأ بما قبل التأسيس وهي الواقعة بين عامي 1333-1344هـ، حيث قامت إحدى الطائرات الإنجليزية المائية بالتحليق فوق مدينة جدة وكانت تلك المرة الأولى التي يشاهد فيها سكان عروس البحر الأحمر الطائرات في سماء مدينتهم، وفي عام 1344 واجهت قوات الملك عبدالعزيز الطائرات لأول مرة في رحلة كفاحها لتوحيد أرجاء الوطن، وذلك في معركة الطائف حينما قامت هذه الطائرات بطلعات استكشافية فوق مواقع الجيش السعودي، وبعد عام من ذلك التاريخ دخلت الطائرات المعركة أثناء حصار الملك عبدالعزيز لجدة، حيث اسقط جيش المؤسس أول طائرة كانت تقوم بعملية استطلاعية فيما انفجرت الثانية في السماء، وغنمت قواته ست طائرات وهي من نوع DH-9، واحدة منها كانت قابلة للإصلاح، ولذلك أمر الملك عبدالعزيز ببيعها وشراء طائرات بديلة عنها خصص البعض منها لتعليم الطيارين السعوديين علوم الطيران، ويذكر لنا التاريخ أن عبدالسلام سرحان من أهالى مكة المكرمة كان أول طيار عربي مسلم يحلق بطائرته فوق سماء جدة مدة عشرين دقيقة في يوم الأربعاء 25 شعبان 1341هـ، وبعد ما يزيد على عام وبالتحديد يوم 3 محرم 1343 حلق الطيار حسن ناظر وهو من أهالى المدينة المنورة بطائرته فوق سماء جدة، أما الملك عبدالعزيز -رحمه اللّه- فقد استخدم طائرتين من الطائرات التي غنمها ووضعهما أمام القشلة ليعلن للناس امتلاكه الطائرات الحربية مضاعفاً بذلك هيبة قواته في نظر أعدائه.
القوات الجوية في خمس حقب زمنية
في هذا الجناح يتوقف الزائر أمام الحقائق التاريخية لمسيرة القوات الجوية السعودية والتي قسمت إلى خمس حقب تاريخية، الأولى وتعرف بمرحلة ما قبل التأسيس على يد الملك عبدالعزيز وفيها كونت أول قاعدة جوية في جزيرة دارين في المنطقة الشرقية، وعرفت بقوة الحماية بعدد يسير جداً من الطائرات لا يتجاوز الأربع، وتم ابتعاث دفعتين من الشباب السعودي على فترتين الأولى إلى إيطاليا عام 1353هـ والثانية إلى بريطانيا عام 1368هـ وشكل هؤلاء الشباب نواة الطيارين والفنيين في القوات الجوية السعودية والتي كانت تعرف بقوة الطيران الحجازية النجدية ثم الطيران العربي السعودي، وفي مرحلة التأسيس أنشئت وزارة الدفاع والطيران عام 1371 ومعها مطار جدة أما مطار الظهران فقد شيد عام 1368، وقد سعى الملك عبدالعزيز إلى دعم السلاح الجديد بأحدث الطائرات، كما أسس على يديه الطيران المدني بتسع طائرات من DC3، كانت الأولى هدية من الرئيس الأمريكي روزفلت إلى الملك عبدالعزيز الذي أعجب بها وأمر بشراء ثمان منها بعد أن قام بأول رحلة على متنها إلى عفيف في وسط المملكة، وتوجد هذه الطائرة ضمن مقتنيات المتحف وتعد أبرز معالمه، وقد وضعت في مكانها بعد أن قامت بآخر تحليق لها في سماء الرياض بمناسبة افتتاح المتحف يوم الاحتفال بالمئوية، ويمكن للزائر التجوال في مقصورتها التي تتسع لـ24 راكباً، أما مرحلة التنمية فقد تمت عامي 1373-1382 في عهد الملك سعود وشهدت دخول الطائرات النفاثة من نوع الفامباير وكان عددها 20 طائرة شكلت السرب الخامس من أسراب الطيران بأنواعها المختلفة وتحديث المدارس الفنية في جدة والظهران، وزودت أمريكا المملكة آنذاك بطائرات تي 33 وإف 86، أعقبتها مرحلة التطوير في عهد الملك فيصل - يرحمه الله - والتي عين فيها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزيراً للدفاع والطيران والمفتش العام وانتقال سلاح الطيران من جدة إلى الرياض، حيث تحول بعد ذلك إلى القوات الجوية الملكية السعودية وفصلها عن الطيران المدني وفيها تم الاعتماد على الرادارات وشراء الطائرات الاعتراضية اللايتنج وطائرات الهوكرهنتر وطائرات النقل سي 130 وإنشاء كلية الملك فيصل الجوية لإعداد صقور الجو السعودي وفق أحدث قواعد التدريب والتسليح وقد تخرجت أول دفعة منها عام 1392هـ، وفي هذه الحقبة نفذ أول مشروع مشترك بين الحكومتين السعودية والأمريكية لتطوير القوات الجوية السعودية فيما يعرف بمشروع صقر السلام، حيث زودت القوات الجوية بطائرات إف-5 وتدخل في هذه المرحلة حقبة حكم الملك خالد للبلاد تلتها مرحلة التحديث والاستمرارية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز بامتلاك القوات الجوية لطائرات إف-15 المقاتلة الاعتراضية ضمن مشروع شمس السلام ودخلت الخدمة آنذاك طائرات الويت- 3 واوجاستابل- 212 وجيت ستار وستراك ماستر وسيسنا- 172 التي بدأت بمشروع درع السلام الذي أمن للقوات الجوية تجهيز رادارات وشبكة اتصالات أرضية ومراكز عمليات فيما يعرف بنظام القيادة والسيطرة وامتلاكها لطائرات الإنذار المبكر الأواكس لتكون القوات الملكية السعودية واحدة من أحدث القوى الجوية في العالم لا سيما بعد تزويدها بطائرات التورنيدو وال إف 15 والهوكر هنتر وال بي سي 9.
الأوائل والتاريخ
وكجزء مكمل لمرحلة التاريخ يلفت نظر الزائر لهذا المتحف مجموعة من الصور للرواد والأوائل الذين عملوا في خدمة القوات الجوية السعودية، منهم صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن عبدالعزيز أول وزير للدفاع وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان أول رائد فضاء عربي وسعودي مسلم، وسعيد بخش أول طيار سعودي والعميد حمزة حجي أول مدير لاستخبارات القوات الجوية والعقيد سامي أبو السعود أول قائد لكلية الملك فيصل الجوية، وهناك صور خاصة بالوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الدفاع والطيران وهم، أصحاب السمو الملكي الأمراء: منصور بن عبدالعزيز ومشعل بن عبدالعزيز وفهد بن سعود بن عبدالعزيز ومحمد بن سعود بن عبدالعزيز وسلطان بن عبدالعزيز، ونوابهــم الأمراء: متعب بن عبدالعزيز وتركي بن عبدالعزيز وعبدالرحمن بن عبدالعزيز ومساعدي الوزير الأمراء: فهد بن عبداللّه وخالد بن سلطان، ووكلاء الوزارة: عبداللّه الحمدان ومحمد بن صالح، وجناح خاص لرؤساء أركان القوات المسلحة وهم: محمد بن طارق ثم القائد جعفر الطيار ثم العقيد محسن الحارثي ثم الزعيم سعيد الكردي ثم الفريق إبراهيم الطاسان ثم الفريق أول عبداللّه المطلق، الفريق أول حمد الشميمري، الفريق أول عثمان الحميد، الفريق أول محمد الحماد، والفريق أول ركن صالح المحيا، وكذلك قادة القوات الجوية: النقيب عبداللّه المنديلي، الرائد فني رشيد الصالح، الزعيم إبراهيم الطاسان، اللواء الطيار الركن هاشم سعيد هاشم، الفريق الركن أسعد الزهير، الفريق الركن محمد صبري سليمان، الفريق ركن عبداللّه الحمدان، الفريق ركن أحمد بحيري، الفريق عبدالعزيز محمد هنيدي وسمو الفريق الركن عبدالرحمن بن فهد الفيصل.
الوطن قبل وبعد عبدالعزيز
وأثناء التجول في أقسام المتحف شاهد الزوار فيلماً وثائقياً بعنوان عودة الصقر يصور كيفية تبدل الأحوال في شبه جزيرة العرب بداية بالأسباب التي دفعت الإمام عبدالرحمن الفيصل لمغادرة الوطن الغالي إلى الكويت مصحوباً بأبنائه والمكوث هناك بضع سنين استغلها الملك عبدالعزيز في الإعداد للقيام بمهمته التاريخية التي انطلقت بدخول الرياض مع نفر من رجاله بعد أن ساروا أياماً وليالي من شهر رمضان المبارك تلفح وجوههم السموم وتحرق أقدامهم حرارة الرمضاء وهم يسيرون باتجاه نجد التي تحول فيها الخوف إلى أمن والشدة إلى رخاء والترحال إلى استقرار لتنعم بذلك كل أجزاء جزيرة العرب بعد أن جعل من كتاب اللّه دستوراً ومن سنة نبيه الكريم منهاجاً لتتوالى مشاهد الفيلم في عرض جميل وسرد سلس لمراحل التطور ليقف الزائر مدهوشاً مذهولاً أمام عظمة الإنجازات التي شهدتها البلاد منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا الحاضر.
شواهد الحضارة
أسلحة وأنواط وصواريخ ذكية
ومن ثم ينتقل الزائر إلى الجزء العلوي من المتحف، حيث يقع نظره للوهلة الأولى على ملابس الطيارين داخل الطائرات، ونماذج لعدد من الصواريخ العادية والذكية والقنابل والرصاص في فترينات للعرض، تقدم المجموعة الثانية منها الرتب والأزياء العسكرية القديمة والحديثة للضباط والأفراد، والشعارات التي توضع على ملابس العسكريين والأوسمة والأنواط الممنوحة للسعوديين من الدول العربية والإسلامية والصديقة والهدايا المقدمة للمتحف من الوفود الزائرة له منذ افتتاحه، ونماذج من الأسلحة الخفيفة القديمة سابقاً في القوات الجوية ومنها السيف والبندقية والمسدس، وقبل أن تنهي الجولة ستقف عند أجهزة الرادار والاتصالات والكشافات المستخدمة سابقاً في المطارات لتوجيه الطائرات وصور نادرة بالزي العسكري لكل من الملك سعود -يرحمه اللّه- وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير عبداللّه بن عبدالعزيز وسمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض.
ترايستار تتحول إلى مطعم جوي
وفي ساحة المتحف الخارجية يجد الزائر أمامه عدداً من الطائرات
العسكرية التي استخدمت في الماضي من قبل القوات مثل: استراك ماستر
التدريبية وتكسان وطائرة الركاب الصغيرة من نوع سيسنا أو اللايتنج
بمحركاتها النفاثة طائرة إف-15 القتالية ولوكهيد تي 33 وطائرة النقل من
نوع هير كوليز سي 130 والتي دخلت الخدمة عام 1965 ولازالت تعمل وجهازها
التشبيهي وبي 26 والهوك ورادارات حديثة وبرج مراقبة متنقل يعمل
بالمولدات الكهربائية، حيث سيتحول جزء من هذه الساحة إلى صالة جديدة للعرض
تمثل المرحلة الثانية من المتحف كما يشير إلى ذلك العقيد طيار/ محمد بن
سفير الشمراني مدير المتحف وتشتمل هذه المرحلة على تشييد مجسم جمالي يجمع
بين الطائرات التقليدية والنفاثة ومركبات الفضاء يربط قاعتي العرض، وقد تم
شراء طائرة ترايستار من الخطوط السعودية لتحويلها إلى مطعم جوي يقدم
خدماته للزائرين، كما لو كانوا في الجو وأكد مدير المتحف أنه بالإمكان وضع
جناح خاص للخطوط السعودية في المتحف بعد التنسيق بين الجهتين لاسيما وأن
طائرة الداكوتا المدنية المهداة إلى الملك عبدالعزيز قد اتخذت موقعها في
ساحة العرض، وخلال عام من فتح المتحف أبوابه أمام الجمهور والزوار والذين
يقدر تعدادهم بالآلاف يفدون إلى المتحف يومياً على فترتين من 9 صباحاً حتى
12 ظهراً ومن 5-9 مساءً، استقبل المتحف العديد من الشخصيات الوطنية من
أصحاب السمو الأمراء والمعالي الوزراء، وكما هو الحال في المتاحف العالمية
فقد أعدت إدارة المتحف عشرة مرشدين ومرشدات يتحدثون اللغتين العربية
والإنجليزية لمرافقة الزائرين في تجوالهم على أجنحة العرض المختلفة ومن
بينها قسم فريق صقور الجو السعودي المكون من سرب كامل يقوده عشرة طيارين
محترفين ويقدم عروضه الجوية الفنية في أنحاء مختلفة من العالم، حيث نال
العديد من جوائز التفوق
◙ كاتب سعودي
|
| © يوليو 2005 مجلة " أهلا وسهلا ". |