|
أداب وثقافة |
|
|
|
|
|
|
|
|
أدب وثقافة
لا توجــــد وظيـفة شــــــاغرة!
محمــد عوض محمد◙ رســــوم: ســــعـاد الصـــانبي
جلس الطيب قمر الدين على الكرسي الوحيد في غرفته المهملة المبعثرة.. فرد رجليه وأخذ يتأمل قدميه.. يقلبهما ويتحسس باطنهما.. كانت أقدامه متورمة.. عام كامل وهو يلهث ركضاً في شوارع العاصمة المثلثة بحثاً عن وظيفة.. عام بتمامه وكماله وهو يعيش على وجبة واحدة خاصمها الدسم.. جذب من هواء غرفته الملوث نفساً عميقاً ونفخ زفيره في حزن قانط.. مد رجليه على آخرهما.. وغاص بجسده الناحل في باطن الكرسي الوحيد.. حرك أصابع قدميه ليطمئن فؤاده المشوش بالوسوسة من أنها لا تزال في مكانها تؤدي وظيفتها.. شرد بذهنه يحصى الأمكنة التي ذرعها مشياً.. والأبواب التي طرقها بلا نتيجة.. سحب من جيبه الفارغ إلا من هواء الغرفة الملوث قصاصة عليها أكثر من بقعة زيت.. كان قد دون فيها خط السير اللاهث في مشوار الغد.. بالرغم من علمه المسبق بالجواب المأثور: (لا توجد وظيفة شاغرة)...! مبكراً بعد صلاة الفجر ودعاءٍ بالتوفيق.. غادر الطيب قمر الدين غرفته الخاوية.. واصل البحث من شارع إلى شارع ونظره يمسح اللافتات.. كانت كلها متفقة: (لا توجد وظيفة شاغرة).. أحس بصداع يكاد يشطر رأسه.. ضرب يده السمراء المعروقة في جيوبه يتحسسها.. عسى ولعل.. مصمص شفتيه الجافتين وهو يحاول "منطقة الموقف": لا بأس فقد كرعت كوب شاي تعلوه الرغوة قبل أسابيع قريبة.. ابتسم للخاطر المنطقي الباعث على الأمل وهو يردد: حقاً إذا لم يجد الإنسان ما يحب أحب ماوجد.. فلسفة باطنية في كيمياء اليقين.. يكمن فيها السر الباعث على الاستمرار الحركي.. لولا هذا "الوقود السنتمنتالي" لتوقفت الحركة الإنسانية وانحبست في دائرة اليأس.. واصل الطيب قمر الدين خطواته في مشوار البحث المضني عن وظيفة.. كانت الجملة المأثورة يتردد صداها داوياً في الكيان المتعب: لا توجد وظيـــفة شـــاغرة.. لا توجد وظيفة شاغرة.. لا. لا!! لكن الطيب قمر الدين لم يعرف يوماً في حياته شيئاً اسمه القنوط.. كان يشعر من فرط التعب كأنه رائد فضاء يحمله الهواء بعد أن فقد توازنه.. و... فجأة تسمر في مكانه.. تعلق بصره بعد أن كان شاخصاً في اللافتات.. بالأرض.. في ركن قصي لمح حقيبة لامعة تتلألأ ملقاة بجوار الحائط.. تلفت كاللص في هلع.. كان الشارع خالياً من المارة وصامتاً.. ومع ذلك شعر بدقات قلبه تتسارع.. انحنى بجسده وطأطأ رأسه قريباً من الأرض حتى كاد أن يلامس.. الحذاء القديم المتسخ.. و.. خطف الحقيبة اللامعة.. تلفت من جديد في كل الاتجاهات.. وعاد مسرعاً إلى غرفته يتصبب عرقه.. ارتمى منهكاً على الكرسي الوحيد.. وبلهفة فتح الحقيبة العجيبة.. فغر فمه على اتساعه ولم يستطع إعادته إلى حالته الأولى من فرط الدهشة.. بحذر من يخشى لدغة حية.. سحب ورقة مالية كانت بارزة.. تتابعت الأوراق من الفئة الكبيرة منبهلة.. كسد مائي طال انحباسه وحن إلى الجريان.. اختلط هواء الغرفة برائحة الأوراق المالية.. رفع ذراعه وبكم قميصه مسح العرق المنهمر من فوق جبينه.. كانت أنفاسه تتلاحق وهو يحاول عبثاً أن يحصي.. توقف عاجزاً ولم يستطع مواصلة العد.. احتضن رأسه بين كفيه حتى لا يفارقه من هول الدهشة.. عاود النظر إلى الحقيبة.. لمح اسم صاحبها وعنوانه.. هز رأسه وسرح بخواطره.. واطلق لخياله العنان وأرخى له الرسن: (أخيراً بعد لأي وعناد وصدود.. فتحت ليّ الدنيا قلبها وكشفت سرها.. هذه الدنيا "الدنيا" التي لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة.. كانت في نظري مثل الأسد المرعب.. في الصباح سوف أشير برفق إلى عربة أجرة وأندس في المقعد الخلفي واتظاهر بالنوم.. وسوف اشتري حذاءً لامعاً مثل حقيبتي! و"فيلا" في حي العمارات.. لا.. حي الملازمين يحمل رائحة الماضي).. هكذا كان الطيب قمر الدين يجري "مونولوجاً" مع ذاته الجديدة.. وهو يدور في غرفته.. بعد أن بعثت النقود في نفسه معنى جديداً للحياة.. وقلصت الدنيا في عينيه ليراها على حقيقتها "جناح بعوضة"! أعد لنفسه كوباً من الشاي.. وعلى كرسيه الفريد وبتمهل ومذاق جديد لطعم الأشياء.. راح يرشف ويمط شفتيه.. نظر إلى حذائه القديم المتسخ وهو يخاطب قدميه: منذ اليوم كُتبت عليك راحة أبدية سرمدية.. وضع ساقاً على أختها وأنزلها.. مرر يده على رأسه.. مسح شاربه الخفيف بالسبابة والإبهام.. تنسم عبير الغرفة المعبق برائحة الأوراق المالية.. تحرك يذرع الغرفة جيئة وذهاباً.. لم يفكر في النوم.. ظل على كرسيه الوحيد حتى الصباح يقلب الأمور على كل جنب.. وعندما عاد من صلاة الفجر كان قد استقر على رأي... حمل الطيب قمر الدين الحقيبة وعندما هم بالخروج.. عاد من جديد.. ووضعها داخل كيس: (لو حملت حقيبة مثل هذه مع حذائي القديم المتسخ.. لركض الناس من خلفي يتصايحون: "أمسك.. حرامي")! وأمام "فيلا" مهيبة.. وقف يتأمل.. من جديد تضاعف حجم الدنيا في عينيه "أسد مرعب"..! سارع إليه الحارس مسربلاً بالكثافة والجلافة.. وطلب منه في لهجة حازمة أن يتحرك بعيداً عن المكان. وأردف: ممنوع الوقوف!.. حاول أن يشرح للحارس أنه إنسان لا سيارة.. لكن الحارس كان وتداً تعمق في الأرض.. ومع ارتفاع الأصوات أطل من الشرفة رجل مثل النسمة.. يشرق وجهه بنور إيماني لا تخطئه العين المتفرسة وأشار للحارس أن يفسح له.. تلقاه خادم آخر أكثر رقة وقاده إلى بهو فسيح.. دار الطيب قمر الدين حول نفسه يتأمل المكان المبهر.. لكنه كف عن التأمل بعد أن تعثرت أقدامه في البساط الفارسي.. أفاق على صوت الرجل الهادئ مرحباً.. أجلسه الرجل إلى جواره في بساطة.. تزحزح الطيب قمر الدين جاعلاً بينه وبين الرجل.. مسافة توقير.. نظر إلى أسفل وبحركة لا إرادية خاطفة.. دس حذاءه القديم المتسخ.. يخبئ قدميه تحت المقعد الوثير.. رمقه الرجل بنظرة جانبية تحمل سؤالاً عن سبب الزيارة الملحة.. لكن الطيب قمر الدين بدا واجماً كأنه القم حجراً.. ومن جديد بدأت حبات العرق تفصد جبينه.. تمالك نفسه وهب واقفاً.. ومن داخل كيس يحمل رائحة غرفته.. أخرج الحقيبة اللامعة.. خطفها الرجل في لهفة.. فتحها ونظر.. و.. وقف مهللاً تتضاعف أنوار محياه.. افتر فمه المزموم عن ابتسامة لا يماثلها صفاء وكانت أنواره تتضاعف.. فتح ذراعيه.. وضم الطيب قمر الدين إلى صدره وهو يردد: إذن أنت الأمين!.. لم يفهم الطيب قمر الدين فحوى العبارة.. أجلسه الرجل في حنان إلى جواره.. كان ملتصقاً به في هذه المرة.. أخرج من جيب جلبابه الفضفاض ورقة منسوخة.. وطلب من الطيب قمر الدين أن يطالع سطورها.. بيد مرتجفة أمسكها وقرأها.. كان الرجل الثري قد أعد قراراً: (إن من يعيد الحقيبة هو "الأمين" الذي سيصبح مديراً لشركاته ومؤسساته)!..
أعاد الورقة "القرار" إلى الرجل في ارتباك.. دس قدميه تحت المقعد..
ولم يكن ممكناً أن يتماسك أكثر: هطلت دموعه تبلل وجهه المستحيي كان الرجل
في تلك اللحظة المؤثرة يواصل اتصالاته الهاتفية "بالموبايل".. وفي البهو
الفسيح كان الزحام شديداً.. بعد أن تقاطر الأهل والأصدقاء إلى المكان...
ووسط زحام الفرح.. كان الرجل لا يزال يردد: إذن أنت الأمين.. وكان الطيب
قمر الدين.. لا يزال يدس حذاءه تحت المقعد!!
◙ كاتب وصحفي سوداني
|
|
|
|
|
أدب وثقافة
من رواد العلم والثقافة في المملكة:
عبدالله عبدالجبار..
رجل من عصر الأحلام الكبرى
واعترافاً منها بدور الرجل فى خدمة الفكر والتعليم والثقافة، قامت وزارة التربية والتعليم فى المملكة بإصدار كتاب يقع فى نحو 200 صفحة من القطع المتوسط حول "عبد الله عبد الجبار المربي والمفكر والأديب والناقد" وضم الكتاب مقالات لكبار المثقفين السعوديين وعدد من المثقفين العرب بالإضافة إلى بعض المعلومات الخاصة بهذا الأديب والكاتب الكبير ونماذج من آرائه النقدية ومقالاته التربوية فضلاً عن بعض ما كتب فيه من قصائد مدح.
يبدأ الكتاب بعدد من المقدمات، للتعريف بالمكرم، منها مقدمة هي أقرب للسيرة الذاتية المختصرة، ثم كلمة للإدارة العامة للتربية والتعليم بمكة المكرمة، ثم ثلاث مقدمات متتالية لكل من الأساتذة: أحمد زكي يماني، وعبد الوهاب عبد الواسع، وحمزة إبراهيم فودة، وطبقاً للتبويب الداخلي للكتاب فيبدو لنا أنه كان من الأفضل إدخال المقدمات الثلاث المشار إليها فى أي من الفصول الخاصة بشهادات المثقفين حول دور الرجل.
بعد فصل المقدمات تأتى ثمانية فصول، أولها: إطلالة على سيرته ودوره الريادي ثم: "ملامح من المنهج الثقافي لشيخ النقاد"، ثم: "شهادات وقراءات بأقلام زملائه وأصدقائه وعارفيه"، ثم "شهادات وقرارات بأقلام تلاميذه ومريديه ومحبيه"، ثم "قالوا عن عبدالله عبدالجبار" وهذا الفصل يشمل شهادات لمثقفين سعوديين وعرب من غير الفئتين السابقتين فى الفصلين السابقين، ثم: "نافذة الشعر" وهو فصل خاص بالقصائد المهداة إلى الأستاذ عبد الله عبد الجبار، ثم: "أوراق من تجليات صوته وقلمه "وهو فصل خاص يتضمن حوارات وندوات ومقالات للأديب الكبير، ثم يأتي الفصل الأخير، وهو عبارة عن سجل لبعض الصور التاريخية الخاصة بالأستاذ عبد الجبار مع أصحاب السمو والمعالي وآراء وصور تذكارية أخرى.
ويشتمل الكتـــاب فى نهــايته على فهرس توثيق لمصادر الكتاب من اتصالات ومقابلات وكتب ومطبوعات وملفات صحفية خاصة ومقالات وموضوعات بعدد من الصحف السعودية.
المولد والدراسة
ولد الأستاذ عبدالله بن أحمد بن عبدالجبار فى منـــزل أســـرته "آل عبدالجبار" المكية المعروفة بحي "سوق الليل" المجاور للمسجد الحرام و"شعب علي: شعب بنى هاشم" عام 1336هـ الموافق عام 1918م، وتلقى مبادئ القراءة والكتابة وحفظ بعض سور القرآن الكريم وبعض مبادئ الحساب قبل سن المدرسة فى كتاب الفقيهة: "جواهر بنت عبدالهادى الفقيه".
وفى المدرسة الفخرية بدأ الأستاذ عبدالجبار تلقي أول دروسه المدرسية التحضيرية، ثم التحق بمدرسة الفلاح المكية الشهيرة والتي كانت قـــد تأســـست فى العام 1330هــ، أى قبل ميــلاد أديبنـــا بنحــو 6 ســنوات هجرية، وفيها أتم تعليــمه الابتــدائي والثــــــانوي، ثم انضــم إلى عقد طــلاب البعثـــة السعـــودية الثانية بمصـــر دارسـاً فى كلية دار العلـــوم "جامعــة فـــؤاد الأول "القاهرة" حالياً" عام 1355هــ، وحصل منـــها على شــــهادة الليســــانس في اللغــة العربية والدراســـات الإســـلامية عام 1359هــ الموافـــق عام 1940م. وكان من بين زملاء دفعته الأساتذة: إبراهيم السويل وزير الخارجية الأسبق رحـمه الله، والســفير حسين فطاني، والأدباء عبد الله عريف وأحمد عبدالغفــــور العطار، وحــمد الجــاسر، وعبدالله الخيال، وعبدالله الملحوق.
بعد التخرج
فى أعقاب تخرج الأستاذ عبد الله عبد الجبار من كلية دار العلوم بالقاهرة، وعودته إلى مكة المكرمة، عمل مدرساً بالمعهد العلمي السعودي ومدرسة تحضير البعثات بمكة، ثم صار مديراً للمعهد عام 1366هــ، فمديراً للبعثات السعودية بمصر عام 1369هــ، كما عمل أستاذاً بمعهد الدراسات العربية العالية في جامعة الدول العربية بالقاهرة. ترك عبدالله عبدالجبار العمل الوظيفي بعد ذلك لمدة طويلة واشتغل بالأدب والنقد والبحث والتأليف والكتابة للصحف حتى توجه إلى بريطانيا عام 1389هــ وتولى تأسيس وإدارة أول مدرسة عربية تابعة للسفارة السعودية بلندن، ثم بعد ذلك بفترة (عام 1398هـ) تم تعيينه مستشاراً بجامعة الملك عبد العزيز فمستشاراً ثقافياً لتهامة، ثم آثر التفرغ للفكر والأدب، وأقام فترة فى القاهرة وكان منزله مقصداً للمثقفين والأدباء السعوديين والمصريين والعرب.
شيخ النقاد
اشتهر الأستاذ عبدالله عبدالجبار بين المثقفين والأدباء السعوديين بشيخ النقاد، وله مؤلفات مهمة تعد من قبيل المراجع الكبرى فى النقد والأدب داخل السعودية، منها "قصة الأدب فى الحجاز فى العصر الجاهلى" وهو مؤلف مشترك مع الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، وصدر فى القاهرة عام 1958م. وفى العام التالي مباشرة 1959م أصدر الأستاذ عبدالجبار أهم كتبه النقدية "التيارات الأدبية الحديثة فى قلب الجزيرة العربية" وهو عبارة عن محاضرات ألقاها على طلاب قسم الدراسات الأدبية واللغــوية بمعهـــد الدراســـات العربية العالية بجامعة الدول العربيـــة.
لكنه قبل أن يكون ناقداً ومفكراً ، فهو أديب شامل كتب الشعر والقصة والرواية والمسرحية وقد نشر في العام 3591 بمصر أول عمل أدبي له، وهو رواية "أمي" تلاها نشر تمثيلية إذاعية في العام 1954م عنوانها "العم سحتوت" وقد نشرت بالقـــاهرة ، ثم مسرحيـــة "الشيـاطين الخرس" التي أصدرتها رابطة الأدب الحـديث بمصـــر أيضاً.
ويعد كتابه "الغزو الفكري في العالم العربي" آخر الكتب التي أصدرها، وأوفرها حظاً من حيث التداول، حيث طبع ثلاث طبعات أولها كان في العام 1394هـ 1974م.
ولأديبنا الكبير مقالات نقدية مهمة في عدد كبير من الصحف والمجلات، منها مجلات المنهل، والحج ، والرسالة، والمصور "المصرية" وصحف: الرياض وعكاظ، والندوة، واليمامة، وغيرها.
رائد تربوي
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الأستاذ عبدالله عبدالجبار يعد أهم الرواد التربويين المرموقين في المملكة العربية السعودية، وكان واحداً من العشرة الأوائل من حملة الشهادات الجامعية في المملكة، وهو من أبرز التربويين الذين شاركوا في التعليم المدرسي الثانوي الحديث منذ نشأته في المملكة، فنهض بتدريس اللغة العربية وآدابها، والتربية وعلم النفس، كما درس مــادة التفسيـر في المعهدين: "المعهد العلمي السعودي" ومدرسة تحضير البعثات، كما تولى إدارة مدرسة المعلمـين الليليـــة بمكـــة المكرمة ، وكان ذلك في العام 1368هـ. وقد نجح في تأسيس بعض الأساليب التربوية في التعليم السعودي، ومن ذلك مثلاً أنه أدخل - لأول مرة - طريقة تدريس المحفوظـــات بأسلوب "المحـــو والإثبـــات"، كما سلك أحـدث أساليب التحليــــل الأدبي وتذوق النصوص الأدبية في تدريسه لمادة الأدب بالمعهدين سالفي الذكر، وأشرف على إقامة ندوة المسامرات الأدبية الشهيرة التي كانت واجهة طيبة للنشاط الثقافي والأدبي لطلاب المعهدين، وكانت هذه الندوة منصة انطلاق لعدد كبير من الأصوات الأدبية والثقافية في المملكة.
رائد تنويري
يتضمن كتاب التكريم مقالة تعتبر من أهم المقالات التي تضمنها الكتاب وأكثرها عمقاً وشمولاً، تحت عنوان "قراءة في تجليات سيرة رائد تنويري" للأستاذ فاروق صالح بنجــر، يتحدث فيها عن التطور الفكري التاريخي لأديبنا الكبير منذ اللحظات الأولى لدخوله مجال العلم والتعلم حتى الآن. ويعتبر الأستاذ فاروق صالح بنجر أن مرحلة "دار العلوم" تعتبر البداية الأولى لتشكيل الوجدان الأدبي والفكري لأديبنا، حيث "تسنى للفتى المكي أن يستجيب لهاجس الأدب المستتر في تكوينه، المتوهج في وجدانه" بعد أن نال حظاً من بواكير التأسيس العلمي في المدرسة الفخرية ومدرسة الفلاح التي سبق ذكرها. ويقول الأستاذ بنجر: "إن الدراسة في دار العلوم قد صقلت شخصيته العلمية والفكرية المتحفزة إلى العمق والدقة ، والإحاطة والاستيعاب وأتاحت له مساحة من دروب المعرفة الحديثة التي يهيئها البحث والاطلاع والاتصال بأهل العلم والفكر والأدب والفنون على امتداد قنوات الثقافة في مركز الإشعاع الثقافي آنذاك. فالقاهرة كانت مسرحاً متموجاً للحركة الثقافية في مرحلة الانفتاح الحضاري الحديث. وفي دار العلوم اتصلت أواصر التلمذة بالأساتذة المتخصصين الموسوعيين ذوي الأفـكـــار، وكان التنظيم الجــامعي المصــري يعول على العمـــق وتنوع المشارب في سياق مناهج التدريس... وقد تعمــــق التخصص العلمي للأستاذ عبدالله عبدالجبار بتأهيل أكاديمي في البحث العلمي ومناهجه على أيدي صفوة من الأساتـذة العلماء والأدباء والمفكـرين والباحثـيــن من أعلام "دار العلـوم" أمثــال: محمد خلف الله أحمد ، علي العناني، أحمــد زكي صفوت، محمد عطية الأبراشي، عبدالحليم خطاب، علي عبـدالواحد وافي.. وغيرهم من كبـار الأساتذة في دار العلوم في ذلك الوقت.
ريادة نقدية
ويشير الأستاذ فاروق صالح بنجر إلى مرحلة مهمة في مراحل النمو الفكري والنقدي للأستاذ عبدالجبار ، وهي المراحل التي كتب فيها مقالاته النقدية المهمة بمجلة "المنهل" في النصف الثاني من أربعينيات القرن الميلادي الماضي، والتي بدأت بمقالته "حول تصدير أدبنا" عام 1946م، ثم أبحاثه النقدية التحليلية التي استخدم فيها المنهج النفسي، وهي: "مركب النقص وأثره في الحياة" عام 1947م ومركب النقص وأثره في بشار " عام 1947 أيضاً ثم "الحُطيئة والشعور بالنقص" 1949م وقد سبقت هذه الدراسات كتاب "التيارات الأدبية الحديـــــثة في قلب الجزيرة العربية"، حيث يقول الأستاذ بنجر: "لقد دلت هذه الدراسات التحليلية النقدية على المنهج النفسي - بحق - تجربة نقدية طليعية فريدة مبكرة في تاريخ النقد المنهجي في بيئتنا الأدبية منذ نصف قرن، ذلك أن الدراسة الأدبية النفسية لم تكن قد عرفت في المشهد الأدبي عندنا آنذاك. باثنتي عشرة سنة. وقد كانت هذه المقالات النقدية في طليعة التجارب النقدية المنهجية التي تسلك في الريادة العربية بين تجارب الرواد الكبار أمثال العقاد، المازني، طه حسين، أمين الخولي، أحمد أمين، محمد خلف الله أحمد، محمد النويهي، مصطفى سويف، ويبقى أن كتاب التيارات كان رائداً في منهجه التاريخي الوصفي التحليلي في قسمه الأول، وفى منهجه النقدي التحليلي التطبيقي النصي في قسمه الثاني، حيث كان على مستوى النقد الفني والتذوق الجمالي وتقويم النص واستخدام وابتكار المصطلحات النقدية على قدر كبير من وعي المناهج والمقاييس النقدية، وهكذا فإن النقد المنهجي قد ابتكره عبدالله عبد الجبار في منظومة دقيقة واضحة لم تكن للرؤية الواقعية والواقعية الاشتراكية والنزعات المذهبية والأيديولوجية هيمنة على الرؤية الموضوعية المدعمة بدراسة النص ومعالجته وتفسيره، واستجلاء دلالاته وإشاراته وظواهره وقيمه الجمالية والمعنوية والشعورية. عــــلى أن أظهر ما طرحه منهج "التيارات" هو ذلك التحـــول أو التطوير من منظور : دراسة الأدب في ظلال التاريخ الأدبي، إلى: الدراسة النصية الداخلية، أو ما طرحه "ويليل" و"أوستن" في كتابهما الشهير "نظرية الأدب" وهو المتمثل في الاتجاه الداخلي لدراسة الأدب من وعي بنظرية النقد الجديد .
منهج التنوير الثقافي
تحت عنوان : منهج التنوير الثقافي عند المفكر التربوي عبدالله عبدالجبار كتب الناقد المصري المعروف د.نبيل راغب قائلاً :"يشكل منهج التنوير الثقافي الأصل الثاني من أصول التنوير الفكري عند عبدالله عبدالجبار الذي يرى أن مجال الثقافة محدد بالوسائل التي من شأنها أن تساعد الإنسان على تكوين وجهة نظر ذات طابع خاص. أي إن جوهر العمل الثقافي ليس تحصيل المعرفة لذاتها ولا هو تحصيل معرفة تعين صاحبها على أداء فعل معين وإنما الثقافة فى جوهرها هي ما يؤدي بصاحبها إلى تكوين رؤية خاصة لحياته ومجتمعه، بل والإنسانية جمعاء.
وعلى الرغم من العلاقة العضوية الحميمة بين الثقافة والتعليم فى منهج التنوير الثقافي عند عبدالله عبدالجبار، إلا أنه ينطوي على تصور واضح للفرق بين ما هو "ثقافة"، وما هو "تعليم" فالثقــــافة موقف ذوقي خاص يحدد لصاحبه ما يتــــفق معه وما لا يتفق، ليسلك فى حياته على هذا الأساس فى حين أن التعليم تحصيل منهجى منظم للمعلومات ومع ذلك يظــل هذا الموقف الذوقي الخـاص رهناً بهـــذا التحصيل المنهجي المنــــظم للمعلومات لأنه لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة لقطات مختارة من مجلات العلوم الطبيعية والاجتماعية بالإضافة إلى ميادين الدين والفن والأدب.
وتلي مقالة الدكتور نبيل راغب فى كتاب التكريم مقالة أخرى للأستاذ حسين عاتق الغريبي، تحت عنوان "إضاءات تنويرية حول المقدمات الأدبية لشيخ النقاد عبدالله عبدالجبار، يستعرض فـيها ما كتبه ناقدنا الكبير من مقدمات لكتب وأعمال أدبية منشورة، مؤكداً أن هذه المقدمات تتجاوز ما اعتدنا قراءته فى الكثير من مقدمات الكتب التى لا تعلن بوضوح ورصانة عن القيمة الأدبـــية أو العلمية للكتاب، حيث تنطوي مقدمات الأستاذ عبدالجبار على رؤى فكرية ونقدية تنويرية منهجية.
يتضمن حديث "الغريبي"استعراض ما كتبه عبد الله عبد الجبار من مقدمات كتب: "كيف كان" للأديب عبد الله خطيب، و"طيور الأبابيل" للشاعر إبراهيم هاشم الفلالي، و"الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث" للأديب الناقد مصطفى عبد اللطيف السحرتي. كما تعرض لإحدى طبعات كتاب "حمار حمزة شحاتة" والتي ورد بها مقدمة للأستاذ عبدالله عبدالجبار، واتضح أنها ليست سوى مقتبس مما كتبه ناقدنا فى كتابه "التيارات الأدبية" قســـم النثر حــــول مقال للأديب حمزة شــحاتة بنفس عنوان الكتاب المشار إليه "حمار حمزة شحاتة".
زمــــلاء وأصدقـــاء
وفى فصل خاص بشهادات وقراءات زملاء وأصدقاء الأستاذ عبدالله عبدالجبار، تأتي شهادات وكلمات وجدانية مفعمة بالحب من الكتاب والأدباء: حسين عرب، حمد الجاسر، عبدالكريم الجهيمان، إبراهيم هاشــــم الفلالى، د. محمد عبدالمنعــم خفـاجى، ثم يأتى الفصل الخاص بشهــــادات تلاميــــذه ومريديه ومحبيــه: د. عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر، د. محمد عبده يمانى، د. عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان، د. إبراهيم بن محمد العـــواجــــى، عبدالله حبابي، عبدالله بوقس، عبدالرزاق محمد حمزة، محسن أحمد باروم، عبدالله عبدالمجيد بغدادى، بكر عبدالرحمن بابصيل، عباس صالح طاشكندى، د. أحمد عبدالإله عبدالجـبار، محمد أحمد العربي، وفيما بعد يأتي فصل آخر بعنوان قالوا عن عبدالله عبدالجبار، يتضمن شهادات لكل من: محمد سعيد طيب، عبدالله الجفري، عابد خزندار، محمد صلاح الدين الدندراوي، د. عاصم حمدان، د. أسامة عبدالرحمن، عبدالله عمـر خياط، عبد الله فراج الشريف، أحمد عبدالوهاب آشي، أجواد عبدالله الفاسى، د. هتون أجواد الفاسي، د. أسامة إبراهيم فلالي، عثمان مليباري، ريمة خميس، د. أحلام مستغانمي.
ولعله كان من المهم وضع تعريف وجيز بكل كاتب من هؤلاء الكتاب، خاصة وأن بعضهم قد لا يكون معروفاً للقارئ السعودي، كما أن بعضهم قد لا يكون معروفاً لكثير من القراء العرب.
نافذة الشعر
وإذا كان الرجل قد أفنى عمره فى تعبيد الدروب أمام الأجيال التالية له سواء فى ذلك دروب التعليم أم دروب الثقافة والفكر والنقد والأدب، وكتب الكثير من الدراسات النقدية عن الأدباء، سواء فى الصحف أو الكتب، فإن عدداً من أصدقائه وتلاميذه ومحبيه قد نظموا شعراً عرفاناً واعترافاً بقدره.
وفى فصل خاص بالقصائد المهداة إلى عبدالله عبدالجبار تأتي قصيدة "تحية إلى المفكر والأديب" للدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي، الذى زامله فى تأليف كتابه الأول "قصة الأدب فى الحجاز فى العصر الجاهلى عام 1958م ثم قصيدة "وتلك الأيام" شعر مصطفى زقزوق، ثم قصيدة "عش كما أنت أبياً وندياً" شعر: حسين عاتق الغريبي، ثم قصيدة "مقاطع من ترنيمة الأوقات" شعر فاروق بنجر، ثم قصيدة "تحية الشعر" للشاعر الشريف: محمد أحمد العربي. وكل القصائد السابقة منظومة على النسق العمودي، باستثناء قصيدة حسين عاتق الغريبي التي تجري على النسق التفعيلي.
كما يقدم الكتاب بعض ما قاله الأستاذ عبدالله عبدالجبار فى الندوات والأمسيات الثقافية والأدبية وبعض ما نشره من مقالات.
والحقيقة أن الكتاب يقدم صورة طيبة حول رائد كبير من رواد العلم
والتنوير والثقافة فى المملكة العربية السعودية، وهو جهد مشكور للإدارة
العامة للتربية والتعليم بالعاصمة المقدسة - مكة المكرمة - وللإعلام
التربوي فيها
◙ أستاذ جامعي وأديب معروف |
|
|
|
أدب وثقافة
شعر: محمد عبدالقادر فقيه ◙
يا بـــــدر.. !! يا بدرُ إنْ زُرتَنا والـعمرُ مُعْتَكِـرٌ صُنَّا هَوَاكَ فــما أزرتْ بِكَ الغِيَرُ يا طَالما كنتَ فـي آفاقِنا قمــــراً تُعطي وتَمنعُ لا خوفٌ ولا حَـــذرُ ونحنُ يا بدرُ من أهلِ الوَفَاءِ لنا شَلاّلُ دَمعٍ على الــوافينَ يَنحْدرُ
لمســـــــة..!! يا لـــــــــــمسةً مـــن حنانْ لا قــــــــــــيتُها مـــن زمانْ أودَعـــــــــتُها طَـــياتِ قلبيْ وشــــكرتُها والشُّــكرُ دَأبي وأعـــــــــــودُ أحـــياناّ إليها وأسِــــــحُّ من دَمعي عليها يــــا أنتَ يـــــا ذاكَ الغريبْ كـم كنتَ من قلبي "قَريب" كــــم كنتَ "غالٍِ" وحبيـب
أهـــدت إلي..!! أهــــــدتْ إلــــــيَّ عَبيرَها مـــا بينَ وَمضِ سُطورها أهـــــــدتْ فأيقظَتِ الحنينَ إلى الجِــــــــنانِ وحورِها وإلـــــــــى رُبى و جّ وما قــــــــد فاح بينَ زُهورِها رمــــــزتْ إلى معنىً ولمْ تفــــــــصحْ بكلِّ شُعورِها
◙ شاعر سعودي |
|
|