تاريخ وحضارة

 

من المسلم به أنه (حيثما وجد العلم وجد الكتاب)، وحسب هذه المقولة مصداقية أن انتشار صناعة الكتاب، و وجود سوق خاص به باعثه عادة الحرص على اقتنائه للإفادة منه في مكتبات عامة، أو خاصة، هو في حد ذاته مظهر حضاري، ودليل انتشار العلم والمعرفة.  هذا ما عهدته مكة المكرمة منذ أن نزل فيها الوحي، وتأسست بها علوم الإسلام و معارفه، وقامت عليها حضارته، شعارها الإقراء و علم الكتاب والحكمة، أودع اللّه فيه من أصول العلوم، و المعارف، والحكم، والهداية، و الرشد ما يكفل سعادة البشر في الدنيا و الآخرة. لا جرم أن يهتم المسلمون بالكتاب الكريم و علومه و معارفه تأليفاً في إبداع، و صناعة ذات رواج، في تسويق يعبر الآفاق، كانت مكة العالمة حائزة قصب السبق في هذه المجالات.

 

 إن مكة العالمة في القرن الرابع عشر الهجري هي امتداد لما سبقها من قرون الازدهار العلمي والحضاري، وهي لم تزل عاصمة الكتاب الإسلامي من خلال وثائق ووقائع متناثرة هنا وهناك وسيكون حديثنا هنا عن روافد توافر الكتب في مكة العالمة في القرن الرابع عشر الهجري:

 

أولاً: شعيرة الحج

 

هذه الشعيرة العظيمة التي أودع المولى جل وعلا فيها من الأسرار التشريعية، الزمانية، والمكانية، ومن الأسباب الإلهية التي تعود نفعاً على الأمة الإسلامية مادياً، ومعنوياً، وروحياً، وعلمـــــياً و غير ذلك ممــــا لا يحصى ما بلي الجديدان، وتناوب الليل والنهار.

 

فمكة المكرمة نقطة تجمع إسلامي كبير يعقد سنوياً، وبانتظام فمن الطبيعي أن يحضر إلى أسواقها منتجات العالم الإسلامي أجمع على صعيدها الطاهر، وما يصدق على أنواع البضائع والتجارات يصدق تماماً على الكتب وتجارها، وما معهم من نتاج فكر علماء بلادهم المخطوط، أوالمطبوع، من أسرار هذه الشعيرة فيما نحن بصدده أنها في الماضي أدت إلى تسريع وصول الكتاب الإسلامي إلى مكة المكرمة أينما ألف، ومنها إلى جميع الرقعة الإسلامية في أقصى أركانها.

 

انتشار الكتاب الإسلامي في الماضى كان أسرع منه في الوقت الحاضر برغم التقدم في وسائل النقل، ووسائل المعارف، وذلك بفضل هذه الشعيرة.

 

لم يكن علماء الإسلام وطلابهم في رحلتهم إلى الحج يحملون معهم نقوداً، وإنما كانت وسيلة رزقهم، ومتكسب معاشهم إلى الحج هو الكتاب، ذلك أن علماء كل بلد يحملون مؤلفات بلادهم، وفي أثناء سيرهم يتخذون منها مادة درسهم، حتى إذا بلغ بهم السفر عاصمة من العواصم الإسلامية استبدلوا بها كتباً أخرى وباعوا من نسخ كتبهم ما يفيض عن حاجتهم، ثم يشترون من قيمتها مؤلفات علماء البلاد التى حلوا بها، وهكذا دواليك حتى يصلوا إلى مكة المكرمة وقد جلبوا لها من مؤلفات علماء تلك المراكز العلمية التي مروا بها ما يشيعها وينشرها بين علماء العالم الإسلامي في أقصى بقاعه، ولنقدم لهذا بمثال من الواقع: لو كانت بداية ركب الحج انطلقت من بلاد الأندلس من العاصمة قرطبة مروراً بفاس (القرويين)، فتونس (الزيتونة)، فالقاهرة (الأزهرالشريف).

 

يبيع العلماء بعض ما لديهم في تلك المراكز، ويقتنون في المقابل مؤلفات علماء تلك البلاد، فيدرسونها في طريقهم، وهكذا حتى يصلوا بها إلى مكة المكرمة، فيهدون ما يهدون منها العلماء، ويبيعون منها ما يحتاجون له لشراء كتب المكيين ومؤلفاتهم ومؤلفات غيرهم من علماء أقطار الإسلام الأخرى، ومايقال عن دأب علماء الأندلس والتعامل مع الكتاب الإسلامي درساً وبيعاً في الطريق إلى مكة المكرمة يصدق تماماً على وفود العلماء للحج من علماء المغرب وتونس ومصر واليمن ودمشق وبغداد، والهند وغيرها - أفادني بهذا العلامة المؤرخ عثمان الكعاك التونسي في أحد ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر- يتجمع هذا الكم الهائل من مؤلفات علماء الأقطار الإســلامية في مكة المكرمة لتأخذ طريقها إما إهداءً إلى العلماء، وإما بيــــعاً في ســـــوق الكتب (الوراقين ). - باب السلام من الحرم المكي الشريف.  

    

ثانياً: رحلة العلماء المكيين إلى البلاد الإسلامية:

 

يعرف عن بعض العلماء المكيين أنهم كانوا يرحلون إلى بعض البلاد الإسلامية لمقابلة علمائها، والرواية عنهم بأسانيدهم العالية، ولدى أوبتهم إلى مكة المكرمة يصحبون معهم مؤلفات علماء تلك البلاد، وما أنتجته مطابعهم، ومن هؤلاء العلماء:

 

العلامة المحدث مسند الشرق الشـيخ أبو الخير أحمد بن عثمان العطار (1277-1335هـ) فقد جاء في ترجمته أنه:

 

"كان يتجر بكتب الحديث فيجلب من الهند غريبها إلى الحجاز، ويحمل إلى الهند الغريب منها حوالي خمسة عشر عاماً حتى كوّن له مكتبة عامرة بصنوف كتب الحديث، فأكب على التأليف".

 

يسجل العلامة السيد عبد الحي الكتاني - رحمه اللّه تعالى - إعجابه للشيخ أحمد أبو الخير العطار حين قدم حاجاً عام 1333 هـ فيقول:

 

"وخدمني التوفيق والسعد في ذلك أكبر الخدمات، وأنالني الحظ بوافر القسمات، حتى إني لما لقيت مسند الشـــرق ورحالته، ولا ثاني، الشــيخ أبو الخير أحمد بن عثمان العطار المكي الهندي في مكة المكرمة سنة 1333هـ جـثا بين يدي منصــــفاً، وقال لي: شاركتني في تراجم المشارقة أهل بلادي و أسانيدهم، ومعرفة خطوطهم وأخبارهم، ولم أشاركك في أخبار أهل بلادك، ولا لي اطلاع على تراجمهم، وآثارهم.

 

وكان الرجــــل المذكور (يعني الشـــيخ أبو الخير أحمد المكي) واللّه بحراً متلاطم الأمواج في علم الرجال، واسع الدراية، عزيز النظير، لم أر له نظيراً فيمن رأيت، أو سمعت به في عصرنا مشرقاً ومغرباً، والذي أراه كان يقرب منه في العناية وضبط الكثير من أدوات الرواية صديقنا الأستاذ الكبير الشيخ محمد المكي بن مصطفى بن عزوز التونسـي دفـــين الآســـتانة، فقـــد اعتنى أيضـــاً، وجمع وقيد، وكاتب وكتب وأشبع..."

  

ثالثاً: رحلات باعة الكتب:

 

اعتاد باعة الكتب في مكة المكرمة القيام برحلات إلى البلاد التي تولت مطابعها نشر الكتب الإسلامية مثل: مصر، وبلاد الشام، والهند، وتركيا، والشيشان، وغيرها من البلاد الإسلامية، فقد جرت عادة بعضهم السفر إلى تلك البلاد بعد الحج مبـــاشرة يشترون ما جدّت طباعته من الكتب، من هؤلاء:

 

 المقرئ الشيخ عبد الصمد فدا - رحمه اللّه -: فقد كانت له رحلات متعددة إلى مصر، والهنـــد، وإســـــتامبول لاســـــــتيراد الكتـب، أو طباعتها، كان يبـــعث أبنـــاءه إليـها لإحضار الجديد المفيد.

 

 الشيخ مصطفى ميرو - رحمه اللّه -: رحل لبعض الأقطار الإسلامية، وكان حريصاً على إحضار المصادر والمراجع القديمة والحديثة، المطبوع منها، والمخطوط .

 

 الشــيخ أحمد محمد حلوني - رحمه اللّه -: كان كثيراً ما يتردد على مصر فيحضر لأدباء وناشئة الأدب، وطلاب العلم مطبوعات مصر في الأدب الحديث والقديم، وكذلك ما تصدره المطابع اللبنانية، وكان رحمه اللّّه مشهوراًعنه ذلك.

 

 الشيخ صالح محمد جمال صاحب مكتبة الثقافة: كانت له رحلات متكررة في العام إلى مصر ولبنان لإحضار الجديد من الكتب مما أنتجته المطابع المصرية، واللبنانية.

 

 ومن النماذج الرفيعة في هذا المجال الشيخ عبد الشكور فدا - رحمه اللّه

 

فقــد أفنى زهرة شبابه في السفر إلى العديد من البلاد الإسلامية التي يتوافر فيها الكتاب المطبوع، والمخطوط، وكانت له خبرة واسعة بالكتب، ولهذا فإنه يبحث بصفة خاصة عن النوادر من الكتب المطبوعة، والمخطوطة، يجلبها إلى مكــــة المكرمة وفيها الكثير النادر الذي يشبع نهم العلماء والباحثين، يعد - رحمه اللّه - ذا معرفة وأفــــق واســــع بالكتب، وغيــر هؤلاء كثيـــــرون ممن احترف تجارة الكتب.

  

رابعاً: استيراد الكتب:

 

كان بعض الكتبية في مكة المكرمة يعتمد على استيراد الكتب وذلك بالاتصال المباشر مع الناشرين في: مصر، ولبنان، وسوريا، والهند، وتركيا، أو تعميد زملائهم الذين تمكنهم ظـــروفهم الاجتـماعية والمالية من الســفر إلى تلك البلاد من دون أخذ عوض مادي مقابل تلك الخدمات.

  

 خامساً: المطوفون:

 

كان لبعض المطوفين علاقات قرابة، وصلة رحم ببعـض أصحاب المكتبات، فيوصونهم بإحضار بعض طلباتهم من الكتب، وغالباً ما تكون من الكتب النـادرة، مثلاً: من مطوفي المغاربة المشهورين فضيلة الشيخ إســـماعيل جمال حريري -رحمه اللّه تعالى -كانت تربطه علاقة قوية مع العلماء، وطلاب العلم، وأصحاب المكتبات، فكلما عزم السفر إلى المغرب عرض خدماته على أولئك، وكثيراً ما كان يتوفق في إحضار ما يريدون من الكتب المهمة.

 

هذه جملة من الروافد التى تزود المكتبات التجارية بالكتب، وما توفره منها للعلماء، وطلاب العلم المواطنين، والمقيمين في مكة المكرمة، والوافدين إليها من الحجاج، والمعتمرين.

 

كل تلك الروافــــد تلتقي، وتصـــب في سوق الوراقين (مكتبات باب السلام في المسجد الحرام).

  

مكتبات باب السلام

 

أحدث هذا النشاط الذي تعدى الحدود الإقليمية، ثراءً متنوعاً في الكتب الموجودة بمكتبات باب السلام، يحصل عليها الحاج بأسهل طريق، دون أن يكلفه هذا شيئاً من المشقة والبحث، فالمكتبات في طريق غدوهم ورواحهم للعبادة في المسجد الحرام، فمن ثم يجد الحجاج العلماء، وطلاب العلم، وغيرهم من الكتب المخطوطة، والمطبوعة في البلاد الإسلامية البعيدة في مكان واحد، ممـا لا يتوافر في بلد إسلامي واحد.

 

وثمة سبب آخر: ذلك أن العلاقة بين مكة المكرمة والبلاد الإسلامية، تتمثل في التبادل العلمي، وتتمثل أيضاً في التبادل التجاري، ولما كانت مكة المكرمة شرفها اللّّه المركز العلمي المرموق في جميع العصور فهي مصدر ثري للكتب الإسلامية، وليس من شك أن مكتبات باب السلام بعد أن أصبح السوق المركزي للكتاب في العصر المتأخر هي المصدر والمورد، والشاهد على هذا ما ذكره الأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر -رحمه اللّّه تعالى- في إشارة إلى ما بين الحجاز والهند من صلات في عالم الكتب والمكتبات، والطباعة:

 

" فقد كانت الهند تستورد أحياناً كتبها من الحجاز ودليلنا على ذلك ما جاء في (فهرست المكتبة العلمية الإسلامية) 1325هـ/1902م لصاحبها السيد عبد الحق أفندي الأعظمي البغــدادي الأزهري وشركاه:

 

 حيدر آباد دكن في أبواب مطبوعات مكة المشرفة: ص9.

 

 العقــايد والكلام: كتـــاب المقتــــدى علي الهـدهدي على السنوســــية للسحيمي ص11.

 

 كتب الفقه الشافعي : فتاوي الكـــردي بالهامــــش فتـــاوي الريــس ص51.

 

 كتب الأذكار والأدعية: فتح الرسول، والمولد الشريف، وغيره للمرغني ص25.

 

 كتب النحو : تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك محشى مع شرحيه بجلد كاغد.

 

 تسهيل المعاني في شرح عوامل الجرجاني للشيخ أحمد بن محمد زين الفطاني.

 

وعدّد في قائمة طـــويلة كــتب العلماء المكيــين بهذه المكتــــبة بالهنــــد إلى أن قال:

 

"وقد يكون لمكتبة الأعظمي نظائر، ويكون للأعظمي وغيره فهارس غير الذي وقفــنا مصـــادفة عليه، وأحدث منه كذلك.."

 

وشاهد آخر على هذه العلاقة فقد عثر على كتاب (نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في تراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر) من تأليف العالم المكي الشيخ أحمد بن محمد الحضراوي الهاشمي في المكتبة الآصفية بحيدر آباد رقم تراجم 16، يقول محقق الكتاب الأستاذ محمد المصري: وهي نسخة فريدة لم نعثر على أخت لها"

  

* عضو هيئة كبار العلماء

 

 
  © سبتمبر 2005 مجلة " أهلا وسهلا ".