|
رحلة ورحالة |
|
|
|
بقــــــلم : أحمد محمّد محمود * ولد الرحالة الإيطالي (مارشيللو موكي) في سينا بمقاطعة (تسكاني) عام 1910م، وحصل على الدكتوراه في الطب من جامعة روما عام 1933م، وهو في سن 23 عاماً، ثم حصل على دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة فلورنسا، واختار السلك السياسي فدخل وزارة الخارجية عام 1939م، وفي نوفمبر من نفس العام وصل إلى جدة مبعوثاً لبلاده لدى الملك عبد العزيز يرحمه الله، فكانت هذه أولى مهامه الدبلوماسية، وكانت وفاته عام 1970م.
قام برحلة الى المملكة العربية السعودية عام 1491، تمخضت عن تقرير مفصل شمل وصفاً دقيقاً، ومسحاً شاملاً لكل الطريق الذي مر به من البصرة إلى الرياض، ومن الرياض إلى جدة، ووضع هذا التقرير بالإيطالية تحت عنوان (وصف رحلة تفصيلية من البصرة إلى الرياض وجدة)..
ويقول (انجيلو بيشيه وبيير جيوفاني دونيني) في تقديمهما لترجمة الرحلة إلى الإنجليزية: إن (مارشيللو موكي) لم يذكر دوافع رحلته هذه إلى المملكة كما يتوقع من موظف حكومي، لا سيما في زمن الحرب " لكننا نستنتج أن ذلك له علاقة بحادث قصف طائرات إيطالية منطلقة من جزيرة رودس التي كانت تحتلها إيطاليا، لمصفاة في البحرين، في أجواء الحرب العالمية الأخيرة، وقد اعتذرت الحكومة الإيطالية للمملكة عن هذا القصف باعتباره (خطأ) وقبلت المملكة اعتذار الحكومة الإيطالية، ونعتقد أن مهمة ( موكي ) كانت متعلقة بهذا الموضوع، إذ إن العلاقات الودية بين إيطاليا والمملكة العربية السعودية ظلت مستقرة، واستمرت المملكة العربية السعودية متمسكة وبصرامة بالحياد طوال الفترة الباقية من الحرب العالمية الثانية."
يبدأ الدبلوماسي التمهيد لرحلته من البصرة إلى الرياض بملاحظات عامة عن "علاقة الجزيرة العربية (شبه المجهولة عند الأوروبيين والعالم)، لكن دخول السيارات (حقق معرفة أكبر لدى الأوروبيين وزاد من معرفتهم بالمنطقة) ويرجع الفضل في ذلك إلى سياسة الملك عبد العزيز الحكيمة وبعد نظره."
اعترافات من الواقع
ويولي الدبلوماسي الإيطالي في رحلته أهمية كبرى، هي كل كتابه، لوصف وسائل المواصلات في المملكة، والطرق ومسافاتها وعلاماتها في الجزيرة العربية ملاحظاً: (لم يصمم أي من الطرق في المملكة العربية السعودية منذ البداية لاستخدام السيارات، ومع وجود طرق ثابتة نتيجة للتجربة والخطأ وقيام السائقين بتحسينات للطرق في المناطق الوعرة ظهر للوجود عدد من الطرق المعروفة والمقبولة، وأقامت الحكومة السعودية محطات وقود على طول الطرق الرئيسية، وأجرت عليها بعض التحسينات مما أعطاها صفة الثبات والاستمرار ).
(لايوجد طريق حقيقي في المملكة، باستثناء الطريق من جدة إلى مكة، وهناك طريق شاحنات بين جدة ومهد الذهب، وتوجد مسافات قصيرة قليلة من الطرق المعبدة في منطقة إنتاج البترول على طول الخليج بين الظهران ورأس تنورة، وتخطط الحكومة السعودية لإنشاء طريق في عسير، يربط جازان بالعاصمة الرياض).
وقد نفذت الحكومة السعودية طريقاً يربط الرياض برماح، وقد تم ذلك لتخفيف الانحدار الشديد من الهضبة (ممر البويب)، وفيما عدا هذا لا يسجل (موكي) أي طرق معبدة أو ممهدة في المملكة، مشيراً إلى وعورة وصعوبة الطرق في المناطق الصحراوية والجبلية، وهذا ما أكسب السائق السعودي مهارة أدهشت المؤلف: (يتمتع السائقون السعوديون الذين هم غالباً في خدمة الحكومة بمواهب كبيرة بصفتهم ميكانيكيين، فمقدرتهم على الخروج من المواقف الصعبة بوسائل أولية تصل إلى حد لايصدق، قطع فضية من أمواس الحلاقة تحل محل الفحمات، ومعجون التمر لإقفال التسرب من خزان الماء (الراديتير) بفعالية مثل الإسمنت، وشريط من حصير جريد النخل يعمل كسير للمروحة، وهكذا، إذا لم نذكر مجموعة الأربطة والحبال والخيوط التي تثبت أكثر قطع السيارات تفاوتاً، وفي الحقيقة نادراً ما تحدث أعطال وانقطاعات على الرغم من أن كل مسافر أوروبي يخطط ويتحسب لذلك."
وإذا كان أمن الطريق هو الهاجس الذي يؤرق كل أجنبي ينوي التجول في الجزيرة العربية، فإن موكي يسجل تطمينات أكيدة: (يمكن للمسافرين أن يعتمدوا على الأمانة المطلقة للسكان، حتى عندما يكونون بعيداً عن المناطق المأهولة، إن الجزيرة العربية التي كانت تعج بالفوضى، تحولت بإرادة الملك عبدالعزيز المرنة، وبحكم القانون الصارم إلى بلد شرقي تحترم فيه الحياة والممتلكات بشكل كبير، وتنفذ العقوبات التي حددتها الشريعة، بحيث أصبحت الجريمة الخطيرة نادرة، ويستطيع الأجانب السفر بأمان تام، ومن دون سلاح).
رحلة ومشاهدات
ويمتلئ الكتاب بالتفصيلات الدقيقة لوصف الأرض التي مر عليها (موكي) وتضاريسها وتلالها، وأخاديدها، ووديانها، ورمالها، وصخورها، وسباخها، وهضابها، وجبالها، وانحناءاتها، وارتفاعاتها، وانحداراتها، وتعرجاتها، وسهولها، وتسجيل المسافات بدقة بين كل نقطة وأخرى، ومدينة وأخرى، وما على الطريق وأراضيه من أعشاب وأشجار وحيوانـــــات، وتشكيلات وتجــــويفــات في الصخور، وممرات الطرق والقمم المخروطية، وصدوعها، ومتدرجاتها، والتشكيلات الكلسية في التجاويف تحت الأرض التي تعرف بالدحول، وكثبانها الرملية، والسلاسل المسننة، والترسبات الرملية والطينية، وقيعان المياه المغطاة بالحصى، وغير ذلك مما يثير الإعجاب في دقة ملاحظة الرحالة.
"وعند الكيلومتر 306 تقع "الحفر" التي تظهر للقادم اليها في حوض واسع تحده التلال الصغيرة، يرى بوضوح بفعل جدرانه ذات اللون الأصفر، الذي يتباين مع التضاريس المحيطة ذات العشب الأخضر الغزير، وبعد اجتياز بعض الطرق الفرعية في بطن الوادي الرملي نصل إلى القصر، وتبرز الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع باعتباره أول مصدر لمياه الشرب على بعد 300 كم من الزبير في العراق، وتشكل محطة إجبارية لكل القوافل والقطعان التي تتحرك من الصحاري العراقية الجنوبية إلى سهل نجد الذي تكثر فيه المراعي في أكثر شهور السنة جفافاً."
"واستبدل الملك عبدالعزيز التحصينات القديمة التي تحيط بالآبار في الحفر، والتي وصفها (فيلبي) سنة 1918م بأنه يصعب رؤيتها بقصر ضخم مزود بمحطة راديو ومستودعات طعام وذخيرة ومركز جمارك ومسجد، إضافة إلى حامية دائمة فيها جنود نظاميون للمحافظة على حدود الدولة، ولمراقبة القبائل المتحركة في منطقة الحدود الصحراوية."
"ويبلغ سكان - الحفر- المستقرين ما بين 100 -150، وتجذب الآبار في الحفر وعددها "10" عدداً ضخماً من البدو أغلبهم من العراق والمملكة العربية الســـعودية، ومن المعــــتاد أن تحتشـــد مجموعات من 3000 -5000 من البدو قرب القصر مع آلاف الحيوانات، وتظهر في مثل هذه المناسبات مدن حقيقية من الخيام، ويتحول السهل الواسع الذي يخفي تحته عصب الحياة الصحراوية - الماء - إلى خلية نحل من النشاط النابض."
ومن " الحفر" انطلق (موكي) يصف مساره وتضاريس المناطق التي عبرها إلى الصفاة على بعد 128 كم، "وتبدأ هضبة نجد بعد - الحفر - مباشرة، ويتم الوصول إليها من خلال الطريق المنحدر قليلاً، وهي تمثل كل السمات الرتيبة للسهل الصحراوي ذي السطح الذي ذرته الرياح، والمغطى بقليل من العشب والشجيرات القصيرة، وتجد بين الفينة والأخرى القطعان المتنقلة بين الطرق ووسط الجزيرة العربية."
ويستمر الدبلوماسي الإيطالي في رحلته من الصفاة قاطعاً 146 كم حتى يصل منها إلى - أم عقلة - "وبعد حوالي 14 كم من انطلاقه تبدأ الصمَّان فعلاً، ويتألف في هذه المنطقة من سهل مرتفع يصل إلى أبعد مايمكن أن تراه العين، تقطعه من كل الاتجاهات شقوق على شكل حوض - أو ممر - عريض جداً، لكنه ضحل ومغلق.
"وعند الوصول إلى - أم عقلة - نرى في السهل الممتد برج الحفر مرتفعاً، وهي تقع في واحدة من أكثر المناطق الصحراوية جدباً في الجزيرة العربية، على رصيف صخري متصل مملوء بالثقوب بفعل الرياح والماء، خال من العشب أو الشجيرات، واختير هذا المكان الذي يبعد 120 كم عن رماح (أول محطة في الطريق إلى الرياض) لوجود الماء وهي نقطة توقف لتزويد سيارات التنقيب عن البترول بالماء والوقود.
ومن أم عقله - إلى المحطة التالية في مسار رحلة (موكي) يصل بعد 118 كم إلى منطقة رماح، "ويعبر الطريق سهلاً منبسطاً -الدهناء - بشجيرات غزيرة، ويتكون من رمال سميكة ثابتة تشكل الكثبان اتجاهها العام، وهذا الحزام الرملي يشكل عائقاً كبيراً لمرور السيارات، ويواجه الحافة الشرقية لسهل نجد، ويندمج جنوباً مع صحراء الربع الخالي الشاسعة."
"وتكتسب - رماح - أهميتها من أنها "نقطة" انطلاق السيارات المتجهة من الرياض شمالاً إلى العراق، أو شرقاً إلى الأحساء" ومن رماح يصل (موكي) إلى الرياض قاطعاً منها 141 كم، "وأصبحت هذه المرحلة مثيرة للاهتمام بفضل المنظر الرائع من قمة ممر البويب عبر السهل الصحراوي الواسع في اتجاه الرياض، من خلال منحدرات منها شعيب الجريدي وسحتات البويب، وعند المنحدر الأخير في اتجاه الرياض يظهر أمامنا منظر جميل لسهل واسع من الصحارى محاط بسلسلة جبال العارض من الغرب، وإلى الجنوب تقع الرياض على بعد 70 كم من خلال "ممر البويب."
"وعلى مشارف - الرياض - نرى المباني المهيبة لقصر الملك عبد العزيز الجديد - المربّع - في منطقة قاحلة تماماً، إن الانطباع الذي يتركه مجمع مباني القصر الضخم الذي يتكون من مدينة حقيقية تنهض معزولة في وسط الصحراء على بعد عدة كيلومترات من العاصمة، هو انطباع لاينسى، فالمواقع المحصنة، والسور ذو الفتحات، والنمط المعماري البسيط المتقشف والزخرفات المرسومة بالملاط الأبيض على الجدران الصفراء، يجمع كل ذلك ليجعل هذه الأعجوبة التي صنعها الإنسان تخلب الألباب بالنسبة إلى شخص قطع 840 كم من الصحراء الجرداء التي تبعث على الاكتئاب، وأصبح يميل إلى اليأس من قدرة الإنسان على السيطرة على بيئة طبيعية قاسية مثل بيئة وسط الجزيرة العربية."
وبعد وصول الدبلوماسي (موكي) إلى العاصمة السعودية تدفق عليه الإعجاب بكل ما رآه في هذه العاصمة الفتيّة، التي تموج بأحداث عظام، ساهمت في تحويلات مثيرة وبنّاءة في تاريخ المنطقة والعالم، وما يزال صدى هذه التحولات إلى يومنا هذا.
"هناك أكثر من سبب يجعل الرياض مدينة غامضة، والوصول إليها أمراً في غاية الصعوبة، وينطبق هذا أيضاً على باقي وسط الجزيرة العربية المعزول بفعل الصحراء التي لم يكن من الممكن اختراقها حتى سنوات قليلة، لكن الشخصية الأسطورية للملك عبد العزيز القائد الكبير الذي نجح من خلال جهده الشخصي في أن يصنع في أقل من 30 سنة مفاجأة جديدة، انطلقت من أرض الجزيرة نفسها، وبهرت العالم، عندما أوصل بلاده إلى الأضواء، وقرّب إلى العالم -الرياض - موطن أسلافه، ومسرح أعماله البطولية، هذه المدينة هي من سنة 1932م عاصمة مملكة موحدة يسود فيها النظام، وتغطي نحو ثلاثة أرباع شبه الجزيرة العربية."
"إن السلام والاستقرار اللذين وفرهما الملك عبد العزيز لبلاده، بعد توحيدها، بعد قرون من الصراع الدامي وغياب القانون أحدثا صعوداً سريعاً وغير متوقع في عدد الحجاج القادمين إلى مكة والمدينة."
لقد صرف (موكي) جهداً كبيراً في وصف معالم الرياض، وأعطى مساحة لتسجيل إعجابه بأسلوب البناء، خاصة قصر المربع، والبديعة "فقد اعتمد الملك عبدالعزيز المتمسك بأصالته على العمال المحليين لبناء قصره، ورفض محاكاة النظم المعمارية الأجنبية، ولذلك فقد احتفظت الرياض بشخصيتها العربية الأصيلة في أقرب مبانيها عهداً وأكثرها حداثة."
"عندما يصل القادم من جهة الشمال الشرقي فإن أول ما يراه هو أبراج المراقبة الشمالية التي تواجه السهل الصحراوي العاري، وهو منظر مؤثر، ويطل الجانب الشرقي على ميدان كبير حيث توجد مجموعات من المواطنين يحملون عرائض وينتظرون بصبر للدخول على مليكهم. وقد بنى لهم الملك عبدالعزيز ولمطاياهم حوضاً طويلاً مبطناً بالإسمنت يملأ بالماء باستخدام مضخة تعمل على الطاقة الكهربائية لتوفير الماء بسهولة."
فنون معمارية
ولا يفوت (موكي) أن يسجل ما رآه من داخل القصر الملكي وعلى نحو تفصيل إعجابه بالبناء وزخارفه، جاء إعجابه بديكور القصر، وأثاثه." وتم إدخال بندين فقط من بنود التقنية الحديثة إلى القصر هما الإضاءة الكهربائية والتليفون."
ويؤكد (موكي) "أن الشخصية غير العادية للملك عبد العزيز، وقوة الإيمان النقي هما المسؤولتان عن حفظ الحياة والحضارة في أحد أقسى المناخات على وجه الأرض."
ويغادر (موكي) الرياض، وقد ملأت صفحات رحلته فيوضات الإعجاب، بالمنطقة وأهلها، وعاهلها مؤسس المملكة العربية السعودية وموحد الجزيرة العربية، ويقطع ما بين الرياض ومرات 161 كم "عبر امتدادات صحراوية على أرض وعرة تتبعها أجزاء متعبة جداً على طول وادي حنيفة، عبر أرض مزروعة ومروية، ويمر الطريق إليها بجانب قرى الجبيلية، العينية.. سالكاً الشريان الرئيسي لحركة السيارات في المملكة والذي يربط الرياض بمكة."
ويواصل (موكي) رحلته من الدوادمي إلى عفيف، والمسافة بينهما 172 كم، ومن عفيف إلى الدمينة يقطع الرحالة 119 كم على أرض صلبة جداً، ومنها إلى الموية في مسافة 81 كم وإلى عشيرة مسافة 159 كم، ويعبر أرضاً خضراء مليئة بقطعان الغزلان، وقد نفذ الملك عبد العزيز في عام 1934م تحسينات في بئرها وأحواض سقيا الماشية.
ويمـر الرحالة قبل وصوله إلى جدة، بالبــــركة (العقــــيق) ومدركة حتى يصل إلى جدة..
("وجدة" مدينة مسورة
بداخلها عدد من المباني الرائعة المتشابهة المكونة من خمسة طوابق إلى
ســـتة، وأبنيتـها مزيج من الطراز المحلي والأساليب الغربية، وهي مدينة
معروفة)
* كاتب سعودي ---------------------- المرجع: رحلة عبر المملكة العربية الســعودية ( سنة 1359 -1941) تأليف مارشيللو موكي - ترجمة أنجيلو بيشيه وبيير جيوفاني دونيتي، ترجمه الى العربية د. أحمد عبد الرحمن، وراجـــعـــه: د. عوض البادي- أ. عبد الله المنيف. الناشر مؤسسة التراث - الرياض عام 1424- 2003 |
| © سبتمبر 2005 مجلة " أهلا وسهلا ." |