|
خلق الإنسان لعبادة
خالقه، ومادام الأمر كذلك فإنه لا ينعم بالراحة والطمأنينة إلا إذا
كان هواه تبعاً لما جاء به رسول اللّّه صلى اللّه عليه وسلم، وكان
سيره وسلوكه على هذا الطريق، فمثلاً إذا قلنا إن هذه (القطعة من
الحديد) صُنعت لتكون على آلة معينة، فإذا جُعلت في مكانها الذي
صُنعت له سكنت ودارت مع تروس الآلة في رفق، ولكن إذا وضعت في مكان
خلاف ذلك تلفت وتحطمت.. كذلك النفس البشرية، وتأمل قول الخالق:
{قد أفلح من زكاها}
تعلم أن الفلاح لا يتحقق للإنسان إلا بتزكية النفس، ولن يكون ذلك
إلا إذا استسلمنا لخالقنا جل وعلا، وسلكنا الطريق على هدي القرآن
الكريم والسنة النبوية.
إنه طريق مستقيم من
انحرف عنه انكفأ وتحطم.. مثل القطار عندما يحيد عن القضبان، وعلى
الإنسان أن يكون مراقباً للّه تعالى ووقافاً عند حدود سيده ومولاه،
ولا يحرك لسانه إلا بما يرضي الخالق العظيم، وضُرب في ذلك مثل-
وللّه المثل الأعلى-، قيل: إن أحد الأمراء كان له فرس أثير لديه،
وذات يوم مرض الفرس، فقال الأمير: إذا مات الفرس وأخبرني أحد بموته
سأفعل فيه كذا وكذا (من الوعيد)، فلما مات الفرس لزموا جميعاً
الصمت وابتعدوا عن طريق سيدهم، ولكن واحداً من الغلمان، كان قريباً
من سيده ومراقباً له، ووقافاً عند حدوده، جاء إلى الأمير يخبره
بقوله: إن الفرس هوى وارتمى ومد قوائمه إلى الهواء.. فقال الأمير:
مات؟
قال الغلام: من فم
سيدي سمعناها.
في هذه العجالة
إشارات إلى عبادة الذكر، وهي جليلة القدر، فالذكر يسري في النفس
ويحييها باللّه، ويشرق على الوجوه نوراً مشعاً يراه الصالحون أصحاب
الفراسة، يجلب إلى القلوب السكينة والطمأنينة، وهي عبادة سهلة
ميسرة على من وفقه اللّه واجتباه، والذكر الكثير الدائم دليل على
حب اللّه للعبد وحب العبد للّه، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره، وجاء
في وصف المنافقين أنهم لا يذكرون اللّه إلا قليلاً، وقال اللّه
تعالى: {واذكروا اللّه كثيراً لعلكم تفلحون} "سورة الجمعة:10"،
و..{ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء
واللّه ذو الفضل العظيم}.
أحب الكلام
عن أبي هريرة رضي
اللّه عنه. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان
على اللسان ثقيلتان في الميزان.. حبيبتان إلى الرحمن عز وجل: سبحان
اللّه وبحمده. سبحان اللّه العظيم" (أخرجه البخاري ومسلم).. وفي
مسلم عن أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان
إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد للّه الذي أطعمنا وسقانا وكفانا
وآوانا. فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي".. وفي الصحيح عن أبي ذر رضي
اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ألا أخبرك
بأحب الكلام إلى اللّه عز وجل؟ قلت: يا رسول اللّه. أخبرني بأحب
الكلام إلى اللّه عز وجل. فقال: إن أحب الكلام إلى اللّه عز وجل:
سبحان اللّه وبحمده".
وفي ساحة الاطمئنان
بذكر اللّه يطيب الجلوس ومناجاة ذي الجلال والإكرام: اللهم أنت أحق
من ذُكر وأحق من عُبد وأرأف من ملك وأجود من سئل وأوسع من أعطى..
أنت الملك لا شــريك لك والفرد الذي لاند لك.. كل شـيء هالك إلا
وجهك.. لم تطع إلا بإذنك.. ولن تعصى إلا بعلمك.. تطاع فتشكر وتُعصى
فتغفر.. القلوب لك مفضية.. والسر عندك علانية.. والحلال ما أحللت
والحرام ما حرمت.. والدين ما شرعت.. أسألك بنور وجهك أن تقبلني
عبداً محضاً.. وأن تملأ قلبي بحبك وحب عبدك الذي إذا قيل عبدك كان
هو.. لأعبدك بإخلاص.. فيطمئن بذكرك قلبي.. اللهم اجعلني لك ذكاراً
شكاراً مطواعاً مخبتاً أواهاً منيباً.. رب تقبل توبتي واغسل حوبتي
وأجب دعوتي وثبت حجتي وأهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدري..
اللهم حببني إليك وإلى أنبيائك وملائكتك وجميع خلقك .. اللهم لا
تكلني إلى نفسي فأعجز ولا إلى الناس فأضيع.. اللهم اجعلني من
الشاكرين لآلائك، الصابرين على بلائك.. الناصرين لأوليائك.. اللهم
لا تحرمني خير ما عندك بسوء ما عندي.. اللهم أعني على الموت وكربته
والقبر وضمته والصراط وزلته ويوم القيامة وروعته.. اللهم خذ بيدي
في المضايق واكشف لي وجوه الحقائق ووفقني لما تحب واعصمني من الزلل
ولا تسلب عني ستر إحسانك وقني مصارع السوء.. والطف بي في سائر
متصرفاتي واكفني من جميع جهاتي يا أرحم الراحمين.. اللهم إنك تسمع
كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري..
أنا الذليل لك الفقير والمستغيث المستجير والوجل المشفق المقر
المعترف إليك بذنبي.. أسألك مسألة المسكين وأدعوك دعاء الذاكرين
المخبتين.
|
 |
من فوائد الذكر
فوائد ذكر اللّه..
فوق طاقة العبارة.. فليس بعد (أنا جليس من ذكرني) تنفع الإشارة..
ونقف على جانب مما ذكره العلماء فيما يلي:
●● الذكر: يطرد
الشيطان ويقمعه ويكسره.
●● الذكر: يرضي
الرحمن.
●● الذكر: يزيل الهم
والغم عن القلب.
●● الذكر: يقوي القلب
والبدن ويجلب الرزق.
●● الذكر: يكسو
الذاكر المهابة والحلاوة والنضارة.
●● الذكر: يورث محبة
اللّه.. وهي روح الإسلام وقطب رحى الدين.
●● الذكر: يورث
المراقبة وينقل إلى "الإحسان".
●● الذكر: يورث القرب
من اللّه فعلى قدر ذكره للّه عز وجل يكون قربه منه تعالى وعلى قدر
غفلته يكون بعده عنه.
●● الذكر: يورث ذكر
العبد.. كما قال تعالى: {فاذكروني أذكركم}.. ولو لم يكن إلا هذه
وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً.
●● الذكر: يحط
الخطايا.. ويزيل الوحشة ويرفع البلاء.
●● الذكر: يورث حياة
القلب.. قال الإمام ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك.. فكيف
يكون حال السمك إذا فارق الماء.!
●● الذكر: ينجي من
عذاب اللّه.. قال معاذ بن جبل رضي اللّه عنه: ما عمل آدمي عملاً
أنجى من عذاب اللّه عز وجل من ذكر اللّه.
●● الذكر.. سبب تنزيل
الملائكة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر (كما ورد في الحديث
الشريف).
●● الذكر.. يُسعد
الذاكر ويسعد جليسه.
●● يؤمن من الحسرة
يوم القيامة.. فإن كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه كان عليه حسرة
وندامة يوم القيامة.
●● يعطي اللّه تعالى
الذاكر أفضل ما يعطي السائلين.. والذكر من أيسر العبادات.. ومع ذلك
فهو من أجلها وأفضلها.. فحركات اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها.
●● الذكر.. من غراس
الجنة.. فقد روى الترمذي من حديث عبداللّه بن مسعود. قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل
عليه السلام فقال: يا محمد اقرئ أمتك السلام واخبرهم أن الجنة طيبة
التربة. عذبة الماء وإنها قيعان وإن غراسها: سبحان اللّه والحمد
للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر".
●● إن العطاء والفضل
الذي رتب على الذكر لم يرتب على غيره من الأعمال.. ففي الصحيحين عن
أبي هريرة رضي اللّه عنه: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:
"من قال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له.. له الملك وله الحمد
وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب.. وكتبت
له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة.. وكانت له حرزاً من الشيطان
يومه ذلك حتى يمسي.. ولم يأت أحد بأفضـــــل مما جاء به إلا رجل
عمل أكـــــثر منه.. ومن قــــال سبحان اللّه وبحمده في اليـــوم
مائة مرة حطت عنه خطــــاياه ولو كانت مثل زبد البحر".
●● دوام الذكر للرب
تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في
معاشه ومعاده.. قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم
أنفسهم أولئك هم الفاسقون}.
●● الذكر منشور
الولاية.. فمن فُتح له فيه فقد فُتح له باب الدخول على اللّه
تعالى.. فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد.. فإن
وجد ربه عز وجل وجد كل شيء وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شيء.
●● الذاكر قريب من
اللّه كما في الحديث القدسي: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي
شفتاه".
●● وفي القلب قسوة لا
يذيبها إلا ذكر اللّه تعالى.. ذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد:
أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد.. أشكو إليك قسوة قلبي. قال: أذبه
بالذكر.
●● الذكر شفاء القلب
ودواؤه.. قال مكحول: ذكر اللّه تعالى شفاء وذكر الناس داء.. وذكر
البيهقي عن مكحول مرفوعاً ومرسلاً: ذكر اللّه شفاء النفس وعافيتها
فإذا غفلت عنه انتكست، كما قيل:
إذا مرضنا تداوينا
بذكركم.. فنترك الذكر أحياناً فننتكس
والذكر.. جلاب النعم
ودافع النقم.. ومجالس الذكر مجالس الملائكة.. وإن للّه ملائكة
يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر.. وكل الأمل والرجاء أن تجدنا
الملائكة جالسين في هذه الرياض مرطبين ألسنتنا بذكره تعالى..
ومستظلين بالآية الكريمة: {الذين آمنـــو وتطمئن قلوبهــم بذكر
اللّه ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب}
.
*
كاتب وصحفي سوداني
|