علوم وتقنية

 

 

لذا في خضمّ التوجسات حول انخفاض معدّلات الإمدادات النفطية، ونموّ المحاولات لتطوير (بدائل الطاقة)، وإقرار حملات التوعية وتوصيات الخبراء على طريق (ترشيد الطاقة)، فإن الحقيقة المهيمنة هي أن الطلب على الطاقة في نمو متسارع، وذلك لعدة أسباب من أبرزها: الزيادة المطّردة في عدد سكان الكرة الأرضية من ناحية، والتقدّم الصناعي والنموّ الاقتصادي اللذان تسعى إليهما كلّ دول العالم من ناحية أخرى.

 

كلّ ذلك وغيره يجعل الطاقة، بأشكالها المختلفة ومصادرها المتعدّدة، مركز اهتمام الدول ومحور سياساتها، بمختلف تركيباتها الاجتمــــاعية وأوضاعها الاقتصادية وملامحها السياسية وتوجّهاتها الأيديــولوجية، فالحــياة المعاصرة بكلّ مظاهــــرها وأنماطها ومقوّماتها في نهم متزايد للطاقة، وجميعها ـ دون استثناء - ستنهار لو تضاءلت، أو انعدمت، فرص الحصول على الطاقة.

 

قــصّــة الـطـاقــة

 

عندما عرف الإنسان النار، عرف أول طريقة لاستغلال الطاقة واستخدامها لمختلف أغراضه الحياتية مثل طهي الطعام وتدفئة الكهف وإنارة الظلام، وهكذا كان الخشب بذلك أول مصدر خارجي للطاقة؛ فراح الإنسان يقطع جذوع الشجر ليوقد بها ناره واضعاً بذلك قدميه على بداية رحلة طويلة ومذهلة في (دنيا الطاقة).

 

 

أما المصدر الداخلي للطاقة فقد كان دائماً ملازماً للإنسان في تركيبته البيولوجية حيث استخدم قدراته العضلية، وعضلات الحيوانات في بيئته، في الحرث والتنقل، وهذه (طاقة كيمائية) يختزنها الجسم الحي من غذائه ليحولها فيما بعد إلى (طاقة حركية)، ولكن ضآلة تلك الطاقة العضلية، البشرية والحيوانية، جعلت الإنجازات المادية عبر التاريخ محدودة حتى تفجرت ينابيع الطاقة بواسطة (العلوم الحديثة)، وأمسك الإنسان بمصباح (علاء الدين الأسطوري) عندما أعمل عقله عبر (المنهج العلمي ـ التجريبي) ليستكشف رحاب المعرفة العلمية، ويجوب آفاق تطبيقاتها.

 

لقد استشعر الإنسان منذ البدايات حاجته إلى الطاقة، ولم تكن ظاهرة الرقيق عبر التاريخ إلا شكلاً من أشكال استغلال الطاقة وتوظيفها حيث يتم استخدام الطاقة العضلية للعبيد في خدمة سيدهم، وأما الحلم الذي سيطر على البشرية فقد تمثّل في رغبة متزايدة في الحصول على الطاقة بكميات وفيرة، وبدون تكلفة تُذكر، مما نتج عنه ما يُعرف في التاريخ باسم (آلة الحركة الدائمة) التي كانت حلماً من أحلام الفلاسفة والمفكرين والمهتمين بالتقنية، وهي آلة تُنتج من الطاقة أكثر مما تستهلك، فتستمر في أداء الأعمال الإنتاجية إلى الأبد، أيّ إنــها تولّد الطاقة من لا شيء.

 

تكتظّ أدبيات الطاقة بقصص متنوعة عن تلك (الآلة العجيبة) لعلّ من أطرفها مزاعم الأمريكي (تشارلز ردهيفر) الذي تنقّل بين نيويورك وفيلادلفيا في عام 1812م ومعه آلة مكوّنة من مجموعة من العجلات تتحرك باستمرار بدون مصدر واضح للطاقة، وكان هذا المخترع يتقاضى دولاراً من كل متفرّج إلى أن قيّض الله من اكتشف السر وراء هذا (الآلة السحرية)، فلقد وجد أحدهم أن قزماً كان يقبع داخل غرفة ضيقة موصلة بتوصيلات خفية إلى الجهاز، ويقوم ذلك القزم بإدارة مقبض فتتحرّك العجلات؛ وأما الفيزيائي الروسي (ستيفان مارنيوف)، الذي زعم أنه أصبح قادراً على صناعة (آلة الحركة الدائمة)، فإنه ســـرعان ما انتحر في عام 1997م قبل أن ينشر أسرار اكتشافه!.

 

قـانـون (حـفـظ الـطـاقـة)

 

لقد وجد حلم (آلة الحركة الدائمة) مقبرته عند أقدام قانون (حفظ الطاقة)، فهو ينص على أن (الطــــاقة لا تفــنى ولا تُستحدث، بل هي كمية ثابتة في الطبيعة، وذات أشكال مختلفة، ويمكن تحويلها من شكل إلى آخر)، أي إننا عندما نستهلك الطاقة في شـــــكل من أشـــكالها فإنــنا لا ندمرها ولا نســـتنفدها ولا نعدمها، ولكنها تتحول من مظــــهر إلى آخـــر، فعند تمرير تيار كهربائي في مصباح - على سبيل المثال - فـــإن (الطاقة الكهربائية) تتحــــول إلى (طــــاقة حــــرارية) و(طاقة ضوئية).

 

إن قانون (حفظ الطاقة) قانون مهم ومحوري في (العلوم الطبيعية)، وهذا ما حدا بالفيلسوف والرياضي الشهير (هنري بوانكاري) إلى أن يصفه بأنه (أعظم نصر في الفكر المعاصر)، وكما هي العادة في التاريخ البشري، فإن الأفكار الجـديدة تأخذ زمناً حتى تستطيع أن تتغلب على الأفكار القديمة، ولذا فإن الساحة العلمية في القرن التاسع عشر الميلادي قاومت مفهوم (حفظ الطــاقة) في عموميته الشاملة، ولم يقــــف مؤيداً وداعماً له إلا خمسة من العلماء، ولعله ليس من المستغرب أن يكون أولئك جميعهم من الشباب، وكان نشاطهم الأساسي يقع خارج نطاق علم (الفيزياء).

 

إن موجز الحكمة التي يحملها قانون (حفظ الطاقة) هي أن (لكل شيء ثمناً، ولا شيء يأتي في الحياة مجاناً)، ولعله من المناسب هنا أن نتوقف أمام إشارة حصيفة للشيخ الرئيس ابن سينا الذي كتب يقول قبل اكتشاف قانون (حفظ الطاقة) بما يربو على السبعة قرون: (لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوة طبيعية تحرك ذلك الجسم بلا نهاية).          

 

وأما أشكال الطاقة ومظاهرها في الطبيعة فهي متعددة، ولكن يسهل علينا فهمها إذا قمنا بتصنيفها إلى مظهرين رئيسين، وهما:

 

1- الطاقة الحركية: وينضوي تحت تصنيفها: (الطاقة الميكانيكية ـ الطاقة الحرارية ـ الطاقة الكهربائية الناتجة عن التيار الكهربائي ـ الإشعاعات الكهرومغناطيسية مثل الضوء والأشعة الســـينية وموجات الراديو وغيرها).

2- الطـــاقة الكامنة: وتشتمل على: (الطاقة الكيميائية ـ طاقة الجاذبية الأرضية ـ الطاقة الشمسية ـ الطاقة النووية ـ طاقة الشحنات الكهربائية الساكنة ـ الطاقة المغناطيسية).

 

مـصـادر الـطـاقــة

 

 

إن أهمّ مصادر الطاقة المستخدمة حالياً، وتلك المتوقع أن يكون لها شأن في توفير الطاقة للبشرية، هي:

 

1- الوقود الأحفوري: ويتمثل في الفحم والنفط والغاز الطبيعي، ويختزن هذا الوقود (طاقة كيميائية) يمكن الاستفادة منها عند حرقه، والوقود الأحفوري هو مصدر الطاقة الرئيس حيث يسهم بما يربو على 90% من الطاقة المستخدمة اليوم، ولأنه مصــــدر قابل للنضوب، وبسبب مشكلات التلوث البيئي، فإن البحث حثيث لتوفير وتطوير مصادر أخرى للطاقة.

2- المصادر الميكانيكية: وهي مساقط المياه والسدود وحركة (المدّ والجزر) وطاقة الرياح، ولذا تُقام محطات (توليد الكهرباء) عند السدود والشلالات ومناطق المد العالي وربوع الرياح الشديدة لاستغلال قوة الدفع الميكانيكية في تشغيل التوربينات.

3 - الطاقة الشمسية: يُستفاد منها عبر التسخين المباشر في عمليات تسخين المياه والتدفئة والطهي، كما يمكن تحويلها مباشرة إلى (طاقة كهربائية) بواسطة (الخلايا الشمسية).

4- الطاقة الحرارية الجوفية حيث يُستفاد من ارتفاع درجة الحرارة في جوف الأرض، وفي بعض المناطق تكون هذه (الطاقة الجوفية) قريبة من سطح الأرض فتوجد بالتالي الينابيع الحارة، ففي أيسلندة ـ مثلاً - تنتشر هذه الينابيع، ويُستفاد منها لأغراض التدفئة والتسخين.

5- الكتل الحيوية (البيوماس): وهي المخلفات الحيوانية والزراعية التي يتم تخميرها في حفر خاصة ليتصاعد منها غاز الميثان، وهو غاز قابل للاشتعال.

6- غاز الهيدروجين: يمثّل نوعاً مهماً من أنواع الوقود، وهو مرشح لأن يكون له دور كبير في تأمين الطاقة في المستقبل، وقد ظهرت سيارات تعمل على غاز الهيدروجين، وأبرز تطبيقاته الاســـتفادة منه في (خلايا الوقود)، وهي خلايا واعـــدة بتطبيقات واسعة في المستقبل، ويتم توليد الكهرباء داخلها مباشرة بتمرير الهيدروجين والهواء بها، وعبــر اتحاد الهيـــــدروجين والأوكسجين نحصل على (طاقة كهربـــائية)، وأما مخلــــفات هذه العملية فهي الماء فقـــــط، أي إن (خـــــلايا الوقود) لا تسـهم في تلويث البيئة.

7- الطاقة النووية: تنتج عن (الانشطار النووي) في المفاعلات النــووية، ويُستفاد منها في تسيير الســــفن والغـواصات وتوليد (الطاقة الكهربائية)، وأبرز سلبياتها (النفايات المشعة) النــــاتجة، ومشكلة التخلص منها، وضوابط الســــلامة العالية اللازمة لمنع انفجار المفاعل، أو تسرّب الإشعاعات منه.

 

هـل لـقـصـة الـطـاقـة مـن نـهـايـة؟

 

قصــــة الطاقة قصة مستمرة ما استمرت الحياة على الأرض، وشبح (أزمة الطاقة) سيظلّ هاجساً يؤرق العـــــالم في الوقت الذي تزداد شهيته لها، وتتنــــامى احتياجاته، وتتنوع مطالبه، مما يؤكّــــد مقولة الطبيب والأديب الأمريكي (أوليفر ويندل هولمز)، الذي عــــــاش في أواخر القرن التـــاسع عشر الميـــــلادي: إنها الأشــــــياء التي لا وزن لها: (الحرارة والكهرباء والحب، هي التي تحكم العالم)، وأما الحرارة والكهـــــرباء فقد رأينا أنهما مظهران من مظاهر (الطاقة المــــــادية)، وأما الحب فلعله (طاقة نفسية)، وهي - دون شك - طاقة ناتجة عن تحولات (الطاقة الكيمائية) في جسم الإنـــسان، مما يجعلنا نعيد صياغة مقولة هولمز فنــقول: (إن الطاقة، بمظاهرها المادية والنفسية، هي التي تحكم العالم).

 

* كاتب وأكاديمي سعودي

 

 
  © إبريل 2006 مجلة " أهلا وسهلا ".