|
نقد أدبي |
![]() |
|
بقلم: غريد الشيخ * قبل البدء بدراسة أدب الروائي السعودي غالب حمزة أبو الفرج، لابد من إلقاء نظرة سريعة على عالم القصة عند العرب، حيث تحتل القصة، في عصرنا هذا، مكانة بارزة تسـاهم مساهمة فعالة في تثــــقيف النــــاس اجتـــماعياً وعلمــــياً ووطنياً. ولقد عرف العرب قديماً، كما في سائر الشــــعوب، تــــراثاً شــــــعبياً قصصـــــياً (Folk Tale) عبر عن روح الشـــعب وعقله وطرق حياته، وفكرته عن الحياة وشكلت القصص جانباً مهماً من جوانب الأدب عندهم، حتى إنهم فتنوا بالأساطير وروايتها، وبحكايات الأبطال والمعارك والانتصارات والفروسية والتقاليد والصفات السامية التي أرادوا تكريسها في نفوس السامعين (1). والقصة عند العرب، قسمان: مترجم دخيل، وعربي أصيل. النوع الأول: يمثله كتابا (كليلة ودمنة) و(الف ليلة وليلة)، والثاني: هو المقامات، ومنها مقامات بديع الزمان الهمذاني،مقامات الحريري، ورسالة الغفران للمعري، وقصة (حيّ بن يقظان) لابن الطفيل، وقصص البخلاء وقصص الحيوان في كتابي (البخلاء) (والحيوان) للجاحظ، وكان لهم قصص فطرية أسطورية أيضاً (2).
وفي المرحلة الثانية، تطورت القصة والتزمت بالعناصر والمقومات الفنية، وعرف من كتابها: حامد الدمنهوري، وفي المرحلة الثانية، نشأ اتجاه آخر يوازي اتجاه الدمنهوري، حاول أصحابه التقيد بأصول الفن وقواعده قدر ما استطاعوا وإن انقسموا إلى فريقين: فريق الأدباء الأكاديميين الذين يدعون إلى القديم، وفريق الأدباء غير الأكاديميين الذين ينادون بالثورة والتجديد والانبعاث، فولدت القصة السعودية الحديثة التي ظل الطابع الاجتماعي مسيطراً على أجوائها، وعرف من كتاب القصة في هذه المرحلة: سعد البواردي، وإبراهيم الناصر، وأمين الرويحي، وسميرة بنت الجزيرة، ومحمد بن أحمد النفيسة، وعبد الله الجفري (4) ، وغالب أبو الفرج موضوع دراستنا.
غالب أبو الفرج
غالب حمزة أبو الفرج واحد من كبار رجال الإعلام في المملكة العربية السعودية، فقد شغل منصب مدير الصحافة في وزارة الإعلام السعودية، ورأس تحرير صحيفة المدينة وأنتج أكثر من خمسة عشر فيلماً نال معظمها أكثر من جائزة عربية ودولية، وشارك في بناء اللجنة الدائمة للإعلام العربي، ورأس وفد المملكة طوال ثمان وعشرين سنة، وهو صاحب فكرة المراكز الإعلامية في المملكة العربية السعودية، وقد كتب أكثر من ثلاثين كتاباً إعلامياً في مختلف الموضوعات، آخرها كتاب (العربية السعودية) والذي نشر بأكثر من أربع وعشرين لغة.ً وهو صاحب ثروة أدبية من القصص والروايات عبر معظمها عن المشكلات الاجتماعية التي وفق في شرح أسبابها ووضع الحلول الإيجابية لها بالإضافة إلى كتاباته القومية والإسلامية والإنسانية.
روايات وقصص
القضية الفلسطينية
وينتقل الكاتب ليعالج قضايا وطنية تهم كل عربي ومسلم أيضاً، وقضايا العروبة تدور في إطار القضية المركزية وهي القضية الفلسطينية التي أجاد الكاتب شرحها في قصص: (الانطوائي) التي قدم من خلال بطلها الانطوائي أو الذي كان يعتقد أنه مصاب بمرض نفسي حلولاً إعلامية عميقة ومهذبة وعلمية مقنعة يجب أن يسير العرب على خطاها إن أرادوا النصر على الإعلام الإسرائيلي، وقد نفذ بطل قصة (عندما تتحقق الأحلام) النظرية الإعلامية التي طرحت في القصة السابقة، ممرراً رسالة إلى كل عربي ومسلم، حيث يحمله مسؤولية شرح قضية الوطن الأم الذي يدعوه في قصة قصيرة أخرى (أرض العرب) التي يجب على الجميع خدمتها بوسائل علمية.
القضية اللبنانية
وقد كتب غالب أبو الفرج رواية (احترقت بيروت) مؤرخاً لبداية الحروب الأهلية التي اندلعت في لبنان، والتي جرت الويلات على المواطنين فغادر الكثير، وقتل الكثير، وتشرد الكثير، وقد أشار الكاتب في العديد من قصصه القصيرة وحتى الروايات الأخرى كرواية (غرباء بلا وطن) على القضية اللبنانية بحرقة واقترح حلولاً وإن كان بينه وبين ذاته، يعجب بإيمان الشعب اللبناني بالحياة مما يدفعه إلى متابعة العيش والتفكير الإيجابي القادر على إنهاض الوطن.
وإلى جانب ما طرح الكاتب من حلول للقضية اللبنانية في قصص عديدة ومتنوعة، فقد رأى في قصة (فتاة من بيروت) أملاً بالخلاص من خلال روح الطموح التي يمتاز بها اللبناني، هذه الروح التي تجعله يتابع المسيرة بأسلوب جديد في كل مرة، حيث تنتهي القصة وقت يعرف بطلها أن "رولا" اللبنانية تشرف على كتابة حكايات للأطفال عن الأمل والحياة والزهور، مع ما تمثله هذه الرموز وهذه النهاية.
الغربة السياسية
ويطرح الكاتب قضية الغربة السياسية من خلال رواية (غرباء بلا وطن)، حيث عرض لقضايا مجموعة ممن غادروا أوطانهم إلى مصر، وعانوا من الغربة السياسية ما عانوا وانتهوا جميعهم إلى فكرة أنه لا يجب على الإنسان أن "يهرب من بلاده، ويصبح لاجئاً في أي بلد مهما كانت الأسباب والمسببات". وتكمن أهمية الرواية في فكرتها الهادفة إلى أن يتمسك الناس بأوطانهم فلا يغتروا بالأفكار السياسية الصارخة المؤقتة التي يهدف منها الأذكياء إلى تسلم مقاليد الأمور بعد أن يرموا الأغبياء خارج الأوطان رغم أن أبطال الرواية "الأغبياء" هم من خيرة المثقفين كما نرى من وصفهم، ما يعني أن لا علاقة بين الذكاء السياسي والثقافة وأن فكرة الوطنية تستحق أن تدرس.
القضايا الإسلامية
وتتحدث رواية غالب أبو الفرج "الطريق إلى سراييفو" عن قضية إنسانية (أكبر من أن يتصورها إنسان) لها علاقة بالأمة الإسلامية التي يهتم الكاتب بقضاياها، وهي مسرودة بالسرد الذاتي على لسان بطل الرواية الصحفي السعودي العربي إذ تدعو كل الصحفيين العرب إلى ممارسة الصحافة كما يجب وعدم الاكتفاء بما تبثه أجهزة الإعلام والفضائيات، فالقضية تستحق اهتمام المسلمين في ظل اللامبالاة العالمية! كما عالج الكاتب الكثير من القضايا الاجتماعية التي يعاني المجتمع العربي منها وقد استطاع، بنظرته الثاقبة، الدخول إلى عمق شخوصه وتحليلها وعرض حيثيات مشكلاتها وتقديم الحلول ذات الطابع الإيجابي الذي لا تقف العوائق في درب تحقيق إيجابياته.
زوجات وأزواج
طرح الكاتب الكثير من القضايا الاجتماعية المتعلقة بالزواج معالجاً إياها بعد أن يعرض تفاصيلها، من تقديم صور إيجابية لزوجات منطقيات يستخدمن عقولهن وقلوبهن وثقافتهن في سبيل الإبقاء على حياة زوجية مستقرة أو اختيار الزوج المناسب، كما في رواية (وجوه بلا مكياج)، حيث تختار الأم لابنتها شاباً أخلاقياً سبق لها أن رفضت أباه لأنه لم يكن كذلك حسب مقاييس الأخلاق عندها، أو في رواية (قلوب ملت الترحال) حيث تنتصر الزوجة على الحبيبة بطريقتها الخاصة الذكية، أو قصة (رجل ولا كل الرجال)، التي انتصر الحب والمنطق في ذات بطلة القصة التي تعاني صراعاً مريراً، أو قصة (الرحيل) من مجموعة (وتقرع الطبول) حيث ينتصر عقل ومنطق بطلة الرواية، وبطلة رواية (لا شيء يمنع الحب) التي تتحول بمنطقها وتفكيرها السليم من مجرد خادمة إلى امرأة ثرية تكتب مذكراتها بسلبياتها وإيجابياتها، كذلك إخلاص الزوجة الإيجابي في قصة (سميرة) من مجموعة (عندما تقرع الطبول)، وإيجابية الزوجة في قصة (ألقاك غداً) من المجموعة التي تحمل العنوان ذاته.
كما طرح الكاتب معاناة الزوجات كما في رواية (سنوات معه) وقصة (مشكلة أخرى)، على أن للأزواج معاناة أيضاً، نقرؤها في (ضياع امرأة)، وقصة (زوجتي التي كبرت).
ومن قضايا الزواج، معاناة أحد الطرفين من الحموات، كما في قصة (ألقاك غداً)، وقصة (هي أمي)، إلى جانب مناقشة قضية العنوسة التي تؤرق كاتبنا فيقدمها في قصص كثيرة تنتهي كلها إلى وجوب زواج الفتاة حتى لا تندم على ما فاتها من تكوين بيت وأسرة وإنجاب أطفال كما في: (الشهادة الكبيرة) من مجموعة (ألقاك غداً) وقصة (بعد فوات الأوان) من مجموعة (ألقاك غداً) وغيرها، ويشجع غالب حمزة أبو الفرج العلم والمتعلمين في كل قصصه ورواياته دون استثناء، كما يشجع على تحمل أعباء ما يترتب عن الرحلات العلمية كما في قصة (الفراغ)، ويطرح بعض سلبيات العلم، ومنها قضية التسرب العلمي كمـا في قصة (العودة) من مجموعــــة (ليس الحب يكفي) داعياً الشباب إلى التفكير بالعودة إلى أوطانهم التي تحتاج إلى قدراتهم العلمية وخبراتهم.
الجانب الفني
تنوعت موضوعات الروائي بتنوع أفكاره، وقد رأينا نماذج عرضناها في هذه العجالة دلتنا على الاهتمام المتشعب والواسع بالكثير من القضايا التي أجاد تناولها وتقديم الحلول لها.
ويتميز أسلوب الروائي غالب أبو الفرج بالسهولة والبساطة، ولعل هذا بسبب ممارسته مهنة الصحافة التي تهدف إلى تقديم الخبر بالأسلوب السهل الممتنع.
كما أجاد الكاتب تقديم شخوصه النسائية الإيجابية الغربية والعربية معاً، فالعديد من الزوجات الغربيات لا يمانعن في العودة إلى وطن أزواجهن، كما فعلت سوزان بطلة قصة (المشوار) من مجموعة (ألقاك غداً)، ويرى إيجابيات المرأة الغربية في نظرتها الصادقة المستنكرة لمواقف الهرب واللف والدوران، كما في (لعبة الكراسي الموسيقية)، وفي كتابتها قضايا أمتها كما في قصة (إنهم يقتلون العصافير)، دون أن يغفل الإشارة إلى سلبيات المرأة الغربية أو سلبيات محيطها التي يذكرها في معظم قصصه والتي تتلخص في عدم احترام أنوثة المرأة كما في قصة (نانسي)، ووصف البيئة الغربية في (سنوات معه)، وينصح في كثير من الأحيان، بعدم الزواج من غربية كما في قصة (ليس الحب يكفي)، على أن الكاتب يفضل، إجمالاً، المرأة العربية بجمالها، وخجلها، وثقافتها، ودينها وأخلاقها، ونشأتها في بيئة تحفظ كرامتها.
ولا يمكنك وأنت تقرأ روايات وقصص غالب حمزة أبو الفرج من دون أن تعرف أين أنت، فهو بارع في وصف الأمكنة، وإن كان يفضل بعضها على بعض، كما أنه بارع في وصــــف الزمان، ودمج المكان بالزمان في علاقة تكــــاملية تعـــــطي قصصه ورواياته الطـــــابع الواقعي غيـــــر الخيالي والأقرب إلى أن يكون شــــــاهداً تاريخـــياً على حقبة معينة
* كاتبة لبنانية
1- علي عبد الحليم محمود: القصة العربية في العصر الجاهلي. مصر، دار المعارف 1975 م 2- عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، وشوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي. القاهرة دار المعارف. بمصر، ط 6. 4- بكري شيخ أمين: الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية. بيروت، دار العلم للملايين، ط 10، 2000 م
5- قصص وروايات غالب حمزة أبو الفرج هي: (البيت الكبير)
مجموعة قصصية، (وتقرع الطبول )مجموعة قصصية، (ألقاك غداً) مجموعة قصصية،
،(ليس الحب يكفي)مجموعة قصصية،(الضياع )مجموعة قصصية،( حوش التاجوري)رواية،
(زقاق الطوال )رواية،( سنوات معه )رواية، (الطريق إلى سراييفو )رواية،
(غرباء بلا وطن) رواية، (قلوب ملت الترحال )رواية، (المسيرة الخضراء
)رواية، (واحترقت بيروت) رواية، (كارلوس وحادث فيينا )رواية، (وجوه بلا
مكياج )رواية، (وداعاً أيها الحزن) رواية، (لا شمس فوق المدينة )رواية، (لا
شئ يمنع الحب )رواية، (حتى لا تفقد الشمس) رواية، (أوراق ملونة )مجموعة
قصصية.
|
| © أغسطس 2006 مجلة " أهلا وسهلا ". |