رحلة ورحالة

 

 

ولد شمس الدين محمد بن أبي طالب الدمشقي عام654هـ - 1256م قبل استيلاء هولاكو على بغداد بعامين فقط، وبهذا عاصر منذ طفولته واحدة من أخطر الأحداث التي مرت على العالم الإسلامي وحواضره ودينه وثقافته ومعارفه، قبل أن يضع السلطان المملوكي  الظاهر بيبرس حداً لهذا الخطر بهزيمته للمغول عام 1260م،  أمضى المؤلف معظم حياته في دمشق يطلب العلم، ثم كان إماماً لمسجد الربوة فيها، ولقب بالصوفي لميوله وهذا ما دفعه لاعتزال الناس في آخر حياته، حتي توفي عام 727هـ - 1327م، وترك مجموعة من المؤلفات من أشهرها هذا الكتاب الذي قال عنه  المستعرب الروسي كراتشكوفسكي : (إنه لا يمكن تجاهله عند التعرض للأدب الجغرافي عند العرب).

 

"والكتاب ذو أهمية كبيرة من وجهة نظر التاريخ الطبيعي، فهو يحفل  بمعطيات وافرة من النبات والحيوان والمعادن وطبقات الأرض، وأتيح له من خلال أسفاره في الشام وما سجله عنها من معلومات عامة أن جعل من كتابه مصدراً أساسياً لتاريخها وجغرافيتها، ويعتبر وصفه للشام من أكمل ما عرف في هذا الصدد،ونترك المؤلف يقدم لنا كتابه الذي ذكر أنه يشتمل على أمور كثيرة منها : "ذكرت خصائص البلاد  و ظواهر خصائص البشر ، وختمته بصورة جغرافية ( خريطة ) دهاناً بالأصباغ لتكون مثالاً حسياً مشاهداً : فاللون الأزرق يشير إلى البحار المالحة، واللون الأخضر للبحيرات الحلوة، وكل ما هو بلون جُلَّناري خمري أو أصفر أو أبيض مخططاً خطوطاً سوداء فهو مثال الجبال ".

ويقع الكتاب في 9 أبواب  تلخص فصوله الأولى المعلومات الجغرافية عن العالم وتقسيمات الكرة الأرضية، وفي كل فصل يسرد ما رآه أو سمعه من عجائب الشعوب والبحار والأنهار والمعادن والأحجار الكريمة والحيوان البري أو البحري والبحيرات المالحة والحلوة والسدود والسيول وعجائب جزر العالم، والصحارى، وظروف البلاد وخصائصها، ويختم كتابه بفصل عن خصائص  النوع الإنساني وما فيه من الخلق والخلائق.

 

ويقر ما وصلت إليه المعارف في عصره من كروية الأرض ،وساق أدلة من المشاهدة على ذلك: "فالراكب في البحر إذا توغــــــل فيه غابت عنــه الأرض وإذا ما استشرف على السواحل فأول ما يظهر له رؤوس الجبال العالية ثم لا يزال يرى شيئاً بعد شيء حتى يصل إلى الساحل فيرى الأرض كما يراها ساكنها"، وكان لون الأرض أغبر في رأيه  ليظهر النور والضياء، ويفصل ما عرف من المعمور من الأرض في زمانه حتى يصل إلى أقصى أوروبا شـمالاً " فليس فيه كبير عمارة ولكنه غياض وجبال ومروج تأوي إليها طوائف من الصقالبة والترك  ثم وراء ذلك إقليم الظلمة فيه نهار دائم لستة شهور وليل دائم لستة شهور، ولايمنع أن يكون مأهــــولاً بحيوان لا نعرفه ولا يمكنه الانتقال عنه".

 

عجائب المدائن

 

 ويفرد المؤلف فصلاً من الكتاب للمباني العجيبة في العالم ومنها :"إرم ذات العماد التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وورد أن رجلاً دخلها في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وتكلم بما رآه من بنائها واختفائها فلم ينكر عليه، ومن المباني العجيبة سد ذي القرنين الذي بني على يأجوج ومأجوج ، ومنها السور الذي بناه إمبراطور فارس قباذ بن فيروز، باللبن وجعله ممتدًا من أرض شروان على بحر قزوين -إلى الآن في بلاد القوقرز-، ومن المباني العظيمة الأهرامات في مصر،وحائط العجوز المبني من العريش إلى أسوان، بني لحماية مصر من الغرق، ومنها منارة الإسكندرية وهي مبنية بحجارة مغموسة في الرصاص وفيها نحو 300 بيت تصعد الدابة بحملها إلى كل بيت منها من داخل المنارة، ومنها إيوان كسرى، وقد شاع في زمانه اهتمام المثقفين  بالكيمياء، وروايات عن قدرة المشتغلين بها على تحويل الحديد وغيره ببعض إضافات كيميائية إلى ذهب،  وشغل هذا الأمر الكثير من الساعين للثراء السريع، وللدمشقي في كتابه هذا رأي طريف :فإذا ظهر ذلك فذهبك المصبوغ إنما هو فضة مصبوغة معالجة وليست بذهب حقيقي، مثله كما لوصبغت الحرير بألوان مختلفة فيظل الأصل الحرير هوهو، وقد تبين أن الصبغ غش ومن غش فليس من المؤمنين".

 

وفي تفصيله للأحجار الكريمة يضع الياقوت على رأسها قيمة وأهمية : "وجميع أنواعه تأكل الأحجار إلا الألماس، والياقوت لا تكلسه النار، ويتكون في الكهوف والجبال والرمال ويتم نضجه في عشر سنين وهو ينفع  لداء الصرع، وحيث يوجد الياقوت يوجد حجر شريف يدعى البجادي، ومنه الجمست، لونه بنفسجي مشف ومعدنه بوادي الصفراء من الحجاز "والألماس حجر أبيض قليل الشفوف كالعقيق الأبيض وليس شيء من الأحجار يأكله ولا يكسره ولا يفسده إلا الرصاص فإنه يكسره ويفسده، ومن عجيب شأنه أن من أراد كسره جعله في أنبوب قصب ثم يضربه بأي شيء كان فإنه يتفتت، وكذا إن جُعل في شمع أو وضع عليه دم تيس وقرب من النار ذاب، والسبروت من الأحجار الكريمة ومن خواصه أن عرقه ترياق (دواء)، ومن المعادن النفيسة الزمرد، يوجد في خيبر ووادي القرى وأرض البجة  بالسودان، ومن خصائصه مقاومة السم ويُفرح القلب ويقوي البصر ويسر النفس ويبسطها ويدر الريق ليقطع عطش العطشان، والعقيق معدنه بصنعاء والصين،وأهل الصين يكرهون قرب معدنه لما يعرفون من خواصه ، والمرجان حجر نباتي واقف في آخر المعادن، والنظر إليه يشرح الصدر ويذهب بالدم المحتقن في العين".

 

وفي تتبعه للمعادن يأتي على تفاصيل المغناطيس، فمنه عنده ما هو جاذب للحديد كما هو  الأصل، إذا نقع في دم التيس وإذا لطخ بالثوم المرضوض بطلت خاصية الجذب فيه، ومنه ما يجذب اللحم، والعظام، والشعر، والقطن، والصوف، والماء والزيت، والخل، وحجر الكهربا: "يجذب القش والتبن، والكهربا صمغ شجر الخلنج وهو شجر طيب الرائحة تصنع منه السبحة والموائد، وهناك مغناطيس العقارب إذا دنا من شقوق العقارب خرج كل  عقرب ومسكته بزبانها  (ذيلها ) ومن المغناطيسيات ما هو خاص بالحيوان، وهو نوع من الحيات يجذب بمجرد النظر إليه كائنًا من كان من حيوان أو إنسان جذباً روحياً فيأكله إن كان جائعاً أو يهلكه".

 

الجبال والأنهار

 

ويتناول الكتاب نشوء الجبال :"قال العلماء إن الجبال الصغار والتلال قد تتكون من الزلازل الكائنة من الرياح المحفوفة في الأرض المتوجة تحتها حيث ترفع بعضاً وتخفض بعضاً، وهذا مشاهد، ففي سنة 007 هـ نزل جبل عال شامخ في بيت المقدس قرب عين فروج التي على الطريق  فبقدر ما كان مرتفعاً انخفض في الأرض وهو إلى الآن". ويتتبع الكتاب أشهر الأنهار وعجائبها : "فنهر النيل منابعه من جبل القمر (كينيا) جنوب خط الاستواء، ويتجمع من عشرة أنهر فتصب في بطيحتين كبيرتين  (بحيرتين )،تسمى الأولى كوكو والثانية دمادم،  ومن الأنهارالفرات وإليه تصل المراكب من الصين واليمامة والهند والسودان، وأرمينية وأذربيكان، ومن الأنهارجيحون وسيحون،ومنابعه من بحيرة في بلاد تبت ويمر ببدخشان على ضفته الجنوبية ومنها إلى ترمذ وخراسان وخوارزم، أما سيحون فهو نهر بخارا، ومن الأنهار نهر الكنك بالهند ينبع من جبال قشمير (كشمير)  ، وفيه حيوان يسمى عنكبوت الماء وينبت بشطئه شجر الزند ويطير عليه طائر بحري يسمى أقرانيا ومرارته ولحمه سم قاتل، ويطير بشواطئه طائر يدعى الكريم يصيد من السمك الكبار ولا يأكل منه إلا العيون ويترك الباقي غنيمة باردة للناس، ومثل هذا الطائر في صعيد مصر يسمى أبو طوق  ومن الأنهار نهر حمدان بالصين ليس في أنهر الدنيا أعظم منه ولا أعرض ولا أغزر ماءً، ومنها نهر غانا  في أفريقيا، ويشق مدينة تكرور وصفانة وسفري وجيمي وأوكان، ونهر الدمادم الذي يخرج من بحيرة كوري فيمر في السودان ولملم الزنوج وفلجور وحجامي الحبش بين جبال شم لا ينتفع به، وهناك أنهار الأندلس والمغرب والشام وتركيا واليمن، واعتنى الأقدمون بإحصاء الأنهار الكبار وقد ذكرنا منها هاهنا 150 نهرًا ..فسبحان من أجراها في الأرض رحمة بخلقه وجعل الماء مادة كل شيء، فحيث يكون الماء فهناك النماء والبقاء والطهارة والعمارة وكمال الحياة".

 

 

العيون والينابيع

 

ومن بعد ذلك خصص المؤلف فصلاً للعيون والينابيع وعجائبها :"ففي ناحية الباميان من خراسان عين ماء تسمى دبواس تفور من الأرض كغليان القدر،إذا بصق فيها إنسان أو رمى فيها قاذورات إزداد غليانها، وفي بنزرت (تونس اليوم)  بحيرة مالحة وإلى جانبها نهر لطيف حلو يصب فيها ستة أشهر فلا تحلو، وببلاد أرمينية بحيرة يكون فيها الماء والطين والسمك ستة أشهر ثم تجف لمدة سبع سنين وبعدها تعود لحالها الأول لستة شهور، وهكذا دأبها مدى الزمان، وبساحل بحيرة طبرية عيون متقاربة مياهها سخنة مالحة،والعين الجنوبية منها تسلق البيض وتنضج اللحم وماؤها معه كبريت وملح، وفي نواحي غزة بفلسطين عين في بلاطة كبيرة مدورة وفيها نقر محفور فيه ماء حلو تملأ منه السطل فإذا هو لم ينقص منه شيء مهما تكرر ذلك وتتابع،  وأنا رأيت هذا عياناً وملأت منه وملأ أهل الركب من غزة وبجزيرة العقل        ببحر الهند عين يزعم الناس أنه من شرب منها زاد عقله وجربوا ذلك وصحّ، وبأرض طرابلس الشام في داخل البحر الرومي ( المتوسط ) عين تفور وتمنع المراكب الصغيرة من العبور لفورانها وماؤها حلو بالبحر المالح، وبين حمص وسلمية كهف في جبل يخرج منه بخار أشد من الضباب المتراكم فإذا دخل الإنسان الكهف خيل إليه أنه في الحمام  التركي  لشدة الوهج وقطر الماء من البخار الصاعد من البئر في الكهف،والبحيرة الجامدة فيما وراء صحارى القبجق بها جزيرة عظيمة،بها أناس عظام الجثث بيض الأبدان والشعور، زرق العيون ، وفي جهة الشمال والمشرق منها بحيرة الشياطين تجمد أطرافها في الشتاء، وبالقرب منها البحيرة النيرة مسكونة بطائفة من الصقالبة ترى النور فيها ليلاً بشكل مستمر من غير نار موقدة، وبحيرة تيري بأقصي الصين وأهلها طائفة من الصين والترك والهند، لهم من الهند شعور وعيون، ومن الصين رقة الصوت، ومن الترك صفاء لون وبهاء وصغر فم، ومن الخطا رقة بشرة ورشاقة قد، ولهم من التخييل والصناعات ما ليس لغيرهم، وفي الشمال بلاد الصنف وأهلها مسلمون بلغتهم الرسالة المحمدية في زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومدينة خانفو ( بكين اليوم ) بساحل نهر حمدان الغربي،وفي أقصى مشرق الأرض البحر المحيط المشرقي ويسمى البحر الزفتي لشدة ظلامه وسواده، وفيه جزائر كبار تسمى السيلي بها المعادن الثمينة  دخلها قوم من العلويين  فاستوطنوا وملكوا وماتوا بها، وهذه الجزائر لم يدخلها أحد من الغرباء فطاوعته نفسه للخروج منها وإن وجد فيها عيشاً متقشفاً، ومن جزرها سلا فمن دخلها سلا وطنه وطابت له السكنى وسلا ماعداها من البلدان، ووراء الصين أمة إذا طلعت الشمس يأوون إلى مغارات فما يخرجون منها حتى تغرب،وأمة يلتحفون شعورهم وأمة - عور- لاشعور لهم وأكثر مايأكلون سمك البحر وخشاش الأرض"ثم يعدد الأمم الأخرى المتاخمة للصين"منهم زرقيا وينزلون كالعرب والتتار رحلاً،ويليهم غرب هندستان وهي مملكة خطيرة يركب لملكها فيما بلغني 400 ألف فارس ويقاد بين يديه 1000 فيل،وعاصمتها دلي (دلهي اليوم) ومن مدنها قنوج،وكانت مقراًلملوك الهند،ويلي هندستان..زابلستان وعاصمتها غزنة وهي مقر السلطان محمود بن سبكتكين ومن مدنها كابل،ويليها من الغرب إقليم كثير الرياح والرمال وأهله يصرفون الرياح في تدوير الأرحاء ونقل الرياح من مكان إلى مكان حتى كأنها سخرت لهم،أما كيف يديرون الرحى فعن طريق رفعها كالمئذنة أويتخذون قرناً عالياًمن قرون الجبـــــال أو تلاً أوبرجاًمن أبرجة الحصون فيصنعون فوقه بيتاً فوق بيت، والأعلى منها فيها الرحى تدور وتطحن، والأسفل فيه دولاب تديــــره الريح المسخرة، فإذا دار الدولاب دارت الرحى على الدولاب من فوق وبأي ريح هبت دارت الأرحاء".

 

المحيط الأطلسي

 

ويورد المؤلف قصة استكشاف ما وراء بحر الظلمات ( المحيط الأطلسي ) وكيف أن ذلك استهوى الإنسان منذ القدم فقد جهز الإسكندر عدة مراكب وحمّلها الماء والزاد وأمرهم بالسير فيه سنة على مجرى واحد ليأتوه بِخَبره، فساروا متفرقين في عدة اتجاهات حتى أكملوا السنة ولم يروا شيئاً غير الماء والحيتان، إلا مركباً واحداً من المراكب قرر بحارته المضي فيه سنة أخرى، وبعد مسيرة أقل من شهر إذا هم بمركب فيه ناس فالتقى المركبان ولم يفهم أحدهم كلام الآخر، ثم تبين أن  أصحاب المركب كانوا في مهمة استكشافية مماثلة لمهمة مركب الإسكندر، وقالوا لهم هناك ملك أوسع من هذا وأعظم،ويعود إلى آسيا ليتحدث عن بحر نيطس ( الأسود ) ويسمى بحر الروس وهومظلم كثير الاضطراب سريع تغريق المراكب لشدة غليانه واختلاف الرياح والعواصف فيه وبه سبع جزائر للروس،وبها أمة تسمى الروسية نصارى وجزائره عامرة بالمدن والقرى والكروم والمواشي، وهي كثيرة الأخوار والجبال، وعليه للمسلمين ميناءان أحدهما طرابزون وكانت عامرة في صدر الإسلام كثيرة المتاجر لاجتماع المسلمين والروم فيها بغرض التجارة، وميناء آخر ( صنوب ) على البحر الأسود، وبحر الخزر غير متصل بشيء من البحار ويصب فيه 20 نهراً ليلاً ونهاراً وهو بحر واسع صعب المسالك كثير المهالك" .."ومن آسيا إلى الهند والصين وبحار العرب وسيلا ن (سري لانكا اليوم )حيث جبل الراهون الذي هبط عليه آدم عليه السلام وفي أفريقيا حيث نهر آخر من حدود مقديشيو  يمتد في شكل دائرة وتسمي بحيرته البحر الأحمر لشدة هوله وقلة سلامة راكبيه ،وحده من الشمال جبل خافوني -المخيف-ونادراً مايسلم مركب يمر بهذا الجبل،وبعده  أرض الهاوية وسميت بذلك تشبيهاً بجهنم لشدة حرها ونارها، ثم أرض بربرا وبعض بلاد دمدم ثم بجبرة وباضع ،ثم ساحل زنجبار وأرض الزيلع ثم  بحر القلزم ومن أسمائه بحر موسى وبحر الندم وبحر عدن وفي هذا البحر أغرق الله فرعون وجنوده وهو بحر صعب وإذا ركبه الراكب رأى أهوالاً ووجد شـــدائد لا يجدها في غيره، ومن جزائر بحر الزنج .. قنبلو وهي عامرة وبها الأبنوس والبهار والمعادن،ومعيشتهم الحمص والذرة" .. "وسرنديب - سري لانكا اليوم - يسكنها مسلمون ونصارى ويهود ومجوس ولكل طائفة حاكم،لايبغي بعضهم على بعض وكلهم راجعون إلى ملك المسلمين يسوسهم ويجمع كلمتهم، أما جزيرة القمر فتسمى ملاي وبها من جنوبها مما يلي بحر الظلمات-المحيط الأطلسي-صحارى وقفار وبها طوائف من السودان والزنج،وبلاد الساحل الهندي منها بلاد الفلفل منيبار- مليبار اليوم-، وصيمور الساحلية وكولم وهي آخر بلاد الفلفل، ويليها بلاد الصوليان وفيها المعبر الصغير والمعبر الكبير، ويليها كرورا وهي آخر ماينتهي إليه التجار، ويليهم أهل السند ولغتهم خاصة، ومن مدنها ملتان، ويسمى بيت الذهب لكثرة ماأخذ المسلمون منه،ومن مدنها لاهـــــور، وهي مقر الملك،ومن مدنها المنصــورية التي بنيت إبان دخول الإسلام، وبينها وبين حد مكران بطائح من نهر مهران، بها طوائف يعرفون بالزط، فمن قارب منهم الماء فهم في أخصاص البربر، ومن بعد عن الماء كان من الأكراد".

 

ولا يغفل المؤلف تفاصيل عــــن أذربيجان مدنها وبحارها وشعوبها وأعاجيبها، ليأتي متحدثاً عـــــــن الشام  وملطية ( تركيا اليوم ) إلى العريش ومن مدنها دمشق ( جلق)  ومن معالمها الجامع، وهو من أعاجيب الدنيا، وترخيم حيطانه من أعجب شيء يراه الإنسان وفوق الرخام تفصيص بشبك الزجاج المصبوغ والمذهب والمفضض وعروق اللؤلؤ وسائره منقوش بتلك الأصباغ على صور الأشجار والمدن والحصون والبحار، وقد أُنفق على بنائه 04 صندوقاً من الذهب غير الرخام والبناء القديم، وعلى سطحه الرصاص مفروش بدلاً من الطين، ومن خصائص الجامع أنه لا يوجد به عنكبوت لا في سقفه ولا في حيطانه ولا يفرخ فيه عصفور مع كثرته فيه ولا يوجد به وزغ وشهرته تغني عن وصفه، ومن خصائص دمشق أن حياتها لا تلدغ داخل سورها أبداً، وبها بساتين لاتحصر،وفيها مصانع لتقطير عطر الورد، ويحمل الورد المستخرج إلى الحجاز وما وراء ذلك إلى الهند والسند والصين، ومن أعاجيب بعلبك ( بئر الرحمة ) يقولون لا يوجد بها الماء وقت الأمان فإذا كان حصار المدينة والخوف امتلأت البئر ماءً ويستمر ماؤها حتى إذا أمنوا انقطع الماء، أما نابلس  فقد خصها الله تعالى بالشجرة المباركة  (الزيتون ) ويحمل زيتها إلى مصر والحجاز وإلى جزائر البحر الرومي، أما حمص فهي قديمة وتسمى سوريا، ماؤها وهواؤها صحيح ولا يوجد بأرضها عقرب ومن حسن بنائها وجود مغارة أو ثنتين تحت كل منها بيت وماء ينبع للشرب،وسميت حلب (الشهباء) لبياض حجرها، وكانت في العِظم تضاهي بغداد والموصل، وأهلها يتنافسون في الملابس والهيئات والمراكب والمنازل، وحماه مدينة حسنة وخصبة كثيرة الخير والأرزاق يحوطها نهر العاصي، وطرابلس سهلة جبلية، بحرية برية يتخلل الماء في جوانبها ولها قنطرة على واد بين جبلين يمر عليها الماء من منبعه إليها، وجمعت في بســـــاتينها من الفــــواكه ما لا يوجد مثله في غيرها،واللاذقية محاطة بالبحر من جهات ثلاث، وهي تشبه الإسكندرية وميناؤها من أعجب موانىء البحر وأوسعها ولايزال حاملاً للسفن الكبار،وميناء بلانكس(حصن منيع مقابل اللاذقية)كان له سرداب يركب الراكب فيه تحت الأرض إلى ظهر السفينة بالبحر ويركب في السفينة إلى وسطه تحت الأرض محجوباً،ومن الشام غزة،وهي كثيرة الشجر كسماط ممدود لجيش الإسلام في أبواب الرمل،ولكل صادر ووارد إلى الديار المصرية والشامية".

 

مكة المكرمة والمدينةالمنورة

 

ويفرد الدمشقي  حيزًا لمكة المكرمة والمدينة المنورة" وحول الحرم المكي أعلام مبنية منذ القدم تحدد الحرم وهي منصوبة في البقاع والقيعان، والقلاع  والغيطان وشرب أهل مكة من القنوات التي أجرتها ( زبيدة ) من المشلش، ولمكة سواحل: جدة - حلي - سرين - المهجم - الشرجة - أبيات حسين، وكلها مدن. أما المدينة المنورة فبطرف نخيلها جراد كثير ويقال إن بالجرادة 13عضواً من أعضاء جبابرة الحيوان (وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيّل، وصدر أسد، وبطن عقرب ،وجناحا نسر، وفخذ جمل، ورجلا نعامة وذنب حية)، أما تركيا الىوم فقد كانت في عهد الدمشقي تعرف ببلاد الروم ففي جانب سور إسطنبول قبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري الذي استشهد في معركة فتحها، ومن مدنها: قونية، وبها قبر إفلاطون، وعمورية وبها قبور جماعة استشهدوا مع الخليفة المعتصم وبها آثار عجيبة، وأهل طرابزون يتكلمون خمس لغات: العربية ،الفارسية ،الأرمينية والتركية ، والترك منهم من يسكن المدن والجبال والبراري يتقلبون مع الزمان في طلب الكلأ والعشب بالخيل والبقر والغنم ،ينزلون بيوت الشعر وليس لهم عمل غير الصيد، وللترك ما للعرب من معرفة الخيل وأنسابها وعمل القسي والسهام و تتبع آثار الأقدام والخف، و تتبع مواطن المياه في تخوم الأرض بدلائل من النبات ولون الأرض وحيواناتها، والقيافة وهي فراسة معرفة قرابة الابن لأبويه".

 

وقد أفرط الدمشقي في وصف المعمور من الأرض سواء ما سمع عنه أو قرأ أو نقل أو شاهده أثناء ترحاله، ولكنه لم يغفل  الحديث عن المناطق الصحراوية ونختار من كلامه ما خص به جزءاً من سكان الصحراء،الكبري . 

 

قوم لهم شرف العلا من حمير

فإذا انتموا صنهاجة فهمو همو

لما حووا لكمال كل فضيلة

غلب الحياء عليهم فتلثموا

 

 وسبب دخول هذه القبائل العربية إلى الصحراء كما يحكي ابن الأثير في كتابه   الكامل أنهم قدموا على الخليفة الراشد  أبي بكر  رضي الله عنه فسيرهم إلى الشام للجهاد ثم انتقلوا مع عمرو بن العاص إلى مصر ثم مع موسى بن نصير في أفريقيا، ثم مع طارق بن زياد إلى طنجة، فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها، واللثام فيهم على شبه العرب يتلثمون من الحر والبرد في الصحراء لا يفارقونه البتة، والملك في القبائل الصحراوية في لمتونة،ومنهم يوسف بن تاشفين باني مراكش وبطل معركة الزلاقة في الأندلس ،ومن مسيرة شهرين في الصحراء توجد قبائل لايعرفون غير البادية تتصل مساكنهم بغدامس -غرب ليبيا-أموالهم الأنعام وعيشهم اللحم واللبن، يمر على أحدهم العمر الطويل ولايُرى في يده خبز، وهم ظواعن وراء الكلأ لايستقر بهم منزل، يلبسون الجلود إلا قليلاً منهم يلبس القطن، ومن البلاد الصحراوية تاد مكة-مثل مكة -، ووارقان وودان، ويسكنها عرب حضرميون وسهميون (وهي مدينتان وبابهما واحد)، وأزراقية وأجدادية (التي ينسب لها ابن الأجدادي صاحب كتاب كفاية المتحفظ في اللغة)، ولها مرسى على البحر"

 

 

* كاتب سعودي

ammmahmoud@gmail.com

المرجــــع:

كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر. لمؤلفه : شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري الصوفي الدمشقي.

 

  © أغسطس 2006 مجلة " أهلا وسهلا ".