تاريخ وحضارة

 

 

بقلم: أ. د. أحمد عبدالكريم *

أنشئت "دارة الملك عبدالعزيز" في عام 1392هـ (10972م)، وذلك بهدف خدمة تاريخ المملكة العربية السعودية وجغرافيتها وآدابها وآثارها الفكرية والعمرانية بصفة خاصة، وتاريخ البلاد العربية والإسلامية بصفة عامة، وللدارة هيئة علمية مستقلة يدير شؤونها مجلس إدارة يرأسه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، ويضم نخبة من المتخصصين والمسؤولين وممثلي عدد من الوزارات والهيئات المعنية، ويأتي إطلاق اسم الملك عبدالعزيز ـ يرحمه الله- على الدارة وفاء بحق المؤسس على أمته وشعبه، وتقديراً لإنجازه في توحيد وتأسيس المملكة العربية السعودية، وتهدف "الدارة" إلى تحقيق نخبة من الأهداف من أهمها:تحقيق الكتب التي تخدم تاريخ المملكة العربية السعودية وجغرافيتها، وآدابها وآثارها الفكرية والعمرانية، وطبعها وترجمتها، وكذلك تاريخ وآثار الجزيرة العربية والبلاد العربية والإسلامية.

 

 

ومن أهم إصدارات "دارة الملك عبدالعزيز" إصدار يعد من الإصدارات الفخمة  بعنوان "الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة" وهو من تأليف كل من د. معراج بن نواب مرزا، ود.عبدالله صلاح شاووش وقد طبع المجلد على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يرحمه الله.

وقد جاء المجلد في 240 صفحة ويبلغ طوله 36سم وعرضه 29سم، كما يحتوي بداخله على صفحات مطويات يبلغ طولها 144سم أي ما يقارب المتر والنصف متر تقريباً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الفخامة والإجادة والاهتمام والعناية الخاصة لدارة الملك عبدالعزيز لهذا الإصدار المتميز والجدير بالاحترام والدراسة والتحليل بهدف الحفاظ على التراث الحضاري وإنتاج تراث جديد له خصوصية الزمان والمكان، وخاصة لمولد الديانة الإسلامية التي انطلقت من مكة المكرمة إلى جميع بقاع العالم لتصبح مكة المكرمة قبلة العالمين ومركز الكون الذي تهفو إليه القلوب المبصرة والعقول المستنيرة لأداء فريضة الحج كل عام.

 

وسوف نقدم هنا تحليـــلاً مختصراً للمسافرين عبر الخطوط السعودية "للأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة" حيث احتوى المجلد على ستة أبواب كالتــالــي:

 

الباب الأول: مكة المكرمة في أعين الرسامين المسلمين.

الباب الثاني: مكة المكرمة في أعين الرسامين الغربيين.

الباب الثالث: أوائل الصور الفوتوغرافية لمكة المكرمة قبل بداية القرن الرابع عشر الهجري.

الباب الرابع: صور مكة المكرمة من أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

الباب الخامس: مكة المكرمة خلال عهد الملك عبدالعزيز آل سعود.

الباب السادس: المسجد الحرام ومكة المكرمة من عهد الملك سعود بن عبدالعزيز حتى عهد خادم الحرمين الشريفين  الملك فهد بن عبدالعزيز.

ويلي هــــذه الأبواب الســتة ملحق خـــاص عن تطور التصوير الفوتوغرافي، ثم المراجع التي اعتمد عليها المؤلفون.

 

 

جماليات الأطلس المصور

 

يحتوي كل باب على مجموعة من الصور الفوتوغرافية والرسوم الجرافيكية الدالة على اهتمام الحكام المسلمين في كل زمان لذات المكان من داخل وخارج البلاد بالحرم المكي  الشريف، وهذه الاهتمامات هي المسؤولة عن النمو والتطور المعماري لخدمة حجاج البيت العتيق، والذي مازالت السواعد الإسلامية تعمل حوله ليل نهار حتى يتسنى للحجاج والمعتمرين أداء الفرائــــض على أكمل وجه، وسوف نقدم فيما يلي لمحات جمالية لبعض الصور لتكون عوناً لمن أراد الرجوع إلى المصدر الأصلي.

 

مكة المكرمة في أعين الرسامين المسلمين

 

في هـــذا البــاب قــدم المؤلفان تسعاً من الصور المأخــــوذة عن رســوم لبعض الفنــــانين المســلمين الذين تنـــاولوا تسجيل الحرم المكي، منــها أقـــــدم رســــم إســـلامي معروف للمـسجد الحرام، وهـي مسجلـة بطــريقـة النقش (الحفر) على لوح من المرمر أبعاده 15 * 33سم بمتحف بغداد بالعراق، وقد نقل هذا اللوح المرمــري من على جدار "مسجد إبراهيــــم" الموجود في مدينـة الموصل، وقد انكســـرت أجزاء من الطرف العلوي الأيســـــر والأيمن منه، ويتكون النقش من ثــــلاثة إطارات، العــلوي على شكل نصــــف دائرة والأوســـط مربع به رسم المسجد الحرام والسفلي مســــتطيل به كتابات عربيـــة، ويرجــــع تاريخ هذا النقـــــش إلى نهـــاية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).

ومن الرسوم الملونة جمالياً صورة للمسجد الحرام والبيوت المحيطة به، شبه مجسمة زينت أطرافه بزخرفة رائعة وهي إحدى الرسوم المسجلة على غلاف كتاب "دلائل الخيرات" عام 1251هـ (1835م) الموجود في مكتبة جامعة إسطنبول، وبتأمل هذه الجمل الجمالية نجد أن الرســــام استطاع إضافة الوقار والحب والاحترام لهذا المكان، وذلك بوضع إطار من الزهور التي تحيط ببيت الــــله الحرام، كما لم تفتــه زخـرفة أركان الكتاب بالزخارف النباتية المتشابكة.

 

 

مكة المكرمة في أعين الرسامين الغربيين

 

احتوى المجلد في بابه الثاني على مجموعة من الرسوم والتخطيطات للرسامين الذين جاءوا إلى الديار المقدسة في صورة رحلات استكشافية بأسماء إسلامية منهم على سبيل المثال وليس الحصر: الإيطالي " لودفيك فارتيما"، الألماني "جوهان وايلر"، الفرنسي "فنست لابلانك" والإنجليـزي "جـوزيف بينسى"، ونكتفي بعرض أجمل صورة مرسومة للحرم في أعين أحد الأوروبيين.

وقد نشرها "دوسون" في كتاب (The Last Two million Years) عام 1394هـ (1974م) من مؤسسة لايف الأمريكية.

ولكن هذا لم يكن أقدم رسم أوروبي للحرم المكي الشريف، حيث جاء قبل ذلك رسام يدعى "دومنغوباديا ليبلخ" وهو إسباني الجنسية أطلق على نفسه اسم إسلامي، هو "علي بك العباسي"، وهـو أول رحالة غربي على درجة عالية من الثقافة، وقد أعلن اعتناقه للإسلام، وأدى فريضة الحج، وقد قدم رسوماً تفصيلية لأجزاء من الحرم، من أهمــها "بئـــر زمزم" من الداخل.

 

 

التختروان والمحمل

 

"التختروان" صندوق فخم جميل عليه زخارف هندســـية ونبــــاتية وله بابان ويحمل من أسفله بقاعدتين على جانبيه، يحمله جمـــلان ولا يستخدمه إلا الأثرياء، وهي صورة إيضاحية من رسوم "بيرتون" بطريقة الحفر على الحجر لإمــــكان طباعتها لعدد كبير من النسـخ، وكانت من نتـــاج رحـــلته عام 1271هـ (1855م).

وفي صورة أخرى يظهر أحد المحامل الحقيقــية وهو معروض بمتحف الجمعية الجغرافية المصرية، وهو الصندوق الخــاص بحمل كســــوة الكعــــبة على أحد الجمال.

 

أول مصور مكي

 

من التحقيقات الأكاديمية التي تستند إلى مصداقية عالية ما جاء في الباب الرابع بعنوان صور من مكة المكرمة، حيث أكدت المؤلفات على أن أول مصور سعودي من مكة المكرمــــة هو الســـــيد عبدالغفار عبــد الرحمن (1302 - 1318هـ - 1885م -1900م) وكان متعدد المواهب فلقد كان طبيباً ومستخرجاً للروائح العطرية، تعلم طب الأسنان في مصر، وهي المهنة التي تفرغ لها فيما بعد، وهذا ما ذكره حفيده الدكتور هاشم عبدالغفار، والباب مليء بالوثائق التي تؤكد تعدد مواهب الدكتور "عبدالغفار"، وإلى جانب كل ذلك درس طب العيون في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

ومن أهم الصور التي اتخذها المصور الطبيب عبدالغفار صورة للحرم المكي وتظهر فيها ساحة الحرم وبداخلها المنبر الرخامي الجميل و"مقام إبراهيم" و"حجر إسماعيل" وباب "بني شيبة" قبل إزالته، ومن الصور التذكارية النادرة التي التقطها المصور عبدالغفار صورة الزينة التي أقامها أهالي حارة القشاشية، وأيضاً الصورة التي تنـــم عن ما شــهدته المملكة من رقــي وتطــور بالمقــارنة بما هو موجـــود الآن، وفي إحدى الصور نزول الحجـــاج في مطار جدة على ممــــر الطــــائرة إلى ســـاحة المطــار مبــــاشرة.

وجدير بالذكر أن نوضح في نهاية هذا العرض الموجز أن الدكتور معراج بن نواب مرزا حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الخرطوم عام 1416هـ، والدكتور عبدالله صالح أحمد شاووش حاصل على الدكتوراه من جامعة إسكس بإنجلترا عام 1402هـ، ولمزيد من المعلومات المصورة النادرة نوصي بمراجعة هذا المجلد الجميل.

ونتوجه بالشكــــر الجزيل والتقــــدير والاحتـــرام لـ"دارة الملك عبدالعزيز"

*أستاذ أسس تصميم الفن الإسلامي

بجامعة الملك سعود - الرياض

  © ديسمبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ".