رحلة ورحالة

 

عـــــرض:  أحمـــد محـمّد محمود*

"روم لانداو" اشتهر هذا المستشرق البريطاني من قرية - صسكس- الباحث في الشؤون العربية والإسلامية بحبه لزيارة البلاد العربية الفتية في مطلع القرن العشرين الماضي، والتحدث إلى قادتها، وقد كتب عن عدد من الدول التي زارها ومنها: مصر، اليمن، لبنان، فلسطين، سوريا، شرق الأردن، العراق، تركيا، اليونان، بلغاريا، ووضع دراسات في الدفاع عن بعض قضاياها في الحرية والاستقلال، وأبرز هذه المؤلفات:

"البحث عن الغد" و"الإسلام والغرب" و"سلطان مراكش": دفاعاً عن جهاد الملك محمد الخامس لاستقلال المغرب. وغيرها من الكتب والرحلات والدراسات.

 

 

وهو أستاذ الدراسات الإسلامية والشمال الأفريقي في الأكاديمية الأمريكية للدراسات الآسيوية بسان فرانسسكو عام 1945م، وله مؤلفات في الفن والنقد والدين والفلسفة والقصص والشؤون العالمية.

 

أتيح لهذا المستشرق الباحث الاجتماع بسفير المملكة العربية السعودية في لندن "الشيخ حافظ وهبة" سواء خلال اجتماعات مؤتمر لندن في الخمسينيات من القرن الماضي، أو خلال لقاءات شخصية في منزل السفير، وشده تاريخ الملك عبدالعزيز وجهاده في توحيد المملكة، للإعراب عن رغبته في زيارة المملكة ولقاء الملك.

 

 

وفي كتابه "البحث عن الغد" يفصل رحلته، آتياً على استفساره من السفير السعودي في لندن" عن تأشيرة زيارة المملكة، "قيل لي أن التأشيرة تمنح فقط بإذن من الملك، وهو وحده شخصياً من يقرر من يسمح له بالدخول ومن لا يسمح: ولما كان السفير وهبة في طريقه للسعودية، طلبت إليه الدفاع عن رغبتي بين يدي الملك، وبعد 10 أسابيع أُخبرت بوصول الموافقة الملكية".

 

وفي القاهرة كان لابد للسفير من انتظار تأكيد الإذن بمنحه تأشيرة الدخول "وجاء الرد من مكة بالإيجاب، وبدأ المسؤول في سفارة القاهرة ينظر لي على أني ضيف على جلالة الملك ونصحني السفير في لندن بسرعة التوجه، وإلا فقد يتأخر موعد لقائي بالملك فاضطررت لتأجيل مواعيدي كلها في القاهرة وأن أبحث عن أول وسيلة للسفر" واستقل الرحالة في آخر فبراير 1938م سفينة إيطالية صغيرة تسير في خط بحري بين إيطاليا وجدة وموانئ الحبشة حيث كانت إيطاليا تحتلها، " "رأيت المسافرين معي في الزورق الإيطالي ( الحجاج) يتطلعون نحو الهضاب القاحلة التي تقع خلفها مكة، وكان البريق يشع من عيونهم، وظهر لي الانجذاب على وجوههم فأدركت أن ماكنت أتصوره منظراً بسيطاً كالحاً، كان بالنسبة لهم الحلم الموعود لنهاية رحلة روحانية، وكان من بين المسافرين على الزورق ابن من أبناء وجهاء المدينة، يتحدث الإنجليزية والفرنسية، ويرتدي ملابس أوروبية، ويحمل معه (جرامفون) وأصر على أن استمع إليه في غرفته، وفي الثاني من مارس، كانت أولى محطات توقفه مدينة جدة، نزل الرحالة في أحد فنادقها، متيحاً لنفسه التجول في المدينة ورسم معالمها، فرآها "مدينة غريبة، ألقيت عرضاً على شاطئ مهجور، تتناثر الرمال من حولها في اليمين والشمال، وهضاب إلى الخلف منها، والمفاجأة: هذه ناطحات السحاب المتطاولة في السماء من 6-7 طوابق، وشوارعها ضيقة، وهي محاطة بسور، وتبدو لمن يراها صورة مصغرة من "نيويورك" على غير تنظيم، مبانيها من الطوب الطيني الرخيص وتكثر في نوافذ بيوتها الكثيرة المشربيات الخشبية المزخرفة، وتغلب على واجهات المنازل الزينة بأنماط فارسية وتركية، ولابد لمن يتمعنها أن يرى قوة جاذبيتها، ولولا شوارعها غير المنتظمة لكانت مدينة فاتنة أكثر منها غريبة، بواباتها تقود مباشرة إلى الصحراء، وداخلها أسواق ومقاهٍ مزدحمة جداً".

 

" صرامة العدالة " عند الملك عبد العزيز صارت مضرب المثل فى العالم العربي

 

موسم الحج

 

تلك كانت رؤية الرحالة لهذه المدينة التي يفضح ضوء النهار معايبها، ولكن عندما يرخي الليل سدوله "يكون من الصعب رؤية الكثير من تلك المعايب، وتختفي قشور البرتقال والبطيخ والأغنام السائبة، تبدو جدة جميلة.. قبة سماء مرصعة بالنجوم، تبدو البيوت أكبر مما هي في النهار، والأضواء الصفراء داخل البيــوت تتسرب إلى الشوارع، تلقي ظلال تصاميم الشرفات على الشوارع، ليل هذه المدينة اللطيف الناعم يشكل سر فتنتها".

 

  كان وقت وصول الرحالة في الثاني من مارس 938م متزامناً مع انقضاء موسم الحج، حيث يتدفق الحجاج من كل مكان على مكة المكرمة "السفن الأجنبية ترسو بالحجاج القادمين من كل مكان (جاوه، سومطرة، الهند، زنجبار، السودان، المغرب، الجزائر، الهند الصينية، الصومال الإيطالي)، وصل هذا العام قرابة 100.000حاج، ازدحمت الشوارع بهم من كل جنس، الجاويات بلباسهن الحريري، إلى جانب رجال الصحراء بشعرهم الأجعد وأصواتهم القاسية، رجال بعيون الصين المشقوقة، وآخرون بجدائلهم وعيونهم المكحلة، وآخرون يلبسون قلائد من المرجان، والبعض يمرر بين أصابعه حبات المسبحة، ورجال يلبسون تنانير قصيرة، وآخرون يلبسون البرانس، وآخرون كل ما عليهم قطع رثة من قماش يلفون بها وسطهم".

 

وكان الحج قد انقضى لتوه، فترى في جدة "بعض الحجاج وقد عادوا من مكة، وآخرين في طريقهم للمدينة المنورة، محبتهم للأماكن المقدسة هي الرابطة العظمى التي تجمعهم، ورغم تباين أجــناسهم ولغاتهم وتقاليـــــدهم، إلا أن العقيدة الواحــــدة وطدت بينـــهم عـــلاقات أقوى من أي تحالفات سياسية أو اقتصادية".

 

ومجّد الرحالة جو السلم والوئام الذي ساد هذه الجموع "فلم أر خلال زيارتي للمملكة أي شجار أو نزاع، ورغم التباينات المذهبية، فقد برهنت مناسبة الحج على أن القوى الموحدة في الإسلام هي أقدر من القوى المفرقة، وقد أتاح قربهم من مكة إلى تسام نحو نقاء النفس: هل نستطيع أن ندعي بأن المسيحية تقدم أسساً مثيلة في الوحدة؟ وبعبارة أخرى: هل يصح القول إن المسيحية اليوم ليست حقيقة واقعية، بل هي فضول تاريخي"؟.

 

واستعرض الرحالة شيئاً من تاريخ الحج، ومعاناة الحجاج القادمين من مختلف البلدان من انفلات الأمن وتعرضهم لمخاطر الطريق، ومن انعدام الرعاية الصحية، وتعرضهم للأوبئة، ومــوت الكثيرين منهـم بهذا وذاك" وقد أصبح الحج آمنــــاً فقـــط منـــذ وحد الملك عبدالعزيز البــــلاد، ونشـــر الأمن في ربوعها".

 

كما تناول الرحالة جو سفر الحاج وتوقعاته، وما يعانيه من (تجربة قاسية) لتحقيق أمنية العمر في أداء الحج "لهيب توقعات الحجاج يحترق عالياً، وعلى الخصوص عندما تستقبلهم لدى وصولهم الأراضي المقـــدسة ذات الطبيعة القاسية، ولكن تلك المتاعب التي تكبدها الحاج في الاستعداد لرحلة العمـــر، تصبح في النهاية سامية في أوج ذروتها".

 

"إن تمتع الحاج بأيام في مكة، هو حلم أغلى من التجارب السابقة: إنها تجسد تجربة ينسى فيها الظالم والداهية، الأناني والمحارب، التاجر والفلاح، جميع الصغائر الدنيوية، وعندما يقف أمام الكعبة، وعندما يلتمس الحجر الأسود، والركن اليماني، عندها تتذوق روحه أسمى طعم ديني، فلا يبالي بجميع الخصوصيات العنصرية، والعيوب الشخصية، وهنا تمتزج الفوارق بين الحجاج وهم يطــــوفون حول الكعبة، جنبــاً إلى جنب يشعرون بأخوة راسخة".

 

وقدم (الرحالة) للقائه بالملك، باستعراض حركة الإصلاح التي قام بها الإمام محمد بن عبدالوهاب والإمام محمد بن سعود، للعودة بالإسلام إلى منابعه الأصلية في القرآن والسنة، كما قدم نبذة عن حياة الملك عبدالعزيز، وجهاده في استعادة ملك آبائه، وتوحيده الجزيرة العربية في دولة واحدة، هي: المملكة العربية السعودية، وجهوده في تحديثها، وتوطين بدوها في "هجر حديثة، تتوافر على مقومات الاستقرار والعدل والأمن، لقد أصبحت صرامة العدالة عند ( ابن سعود) مضرب المثل في العالم العربي، كما أن العدالة والديمقراطية التي توافرت في - الهجر - شكلت قاعدة استقرار، ولحمة تماسك أكثر من أي شيء في الماضي".

 

لقاء الملك عبدالعزيز

 

اقترب موعد لقاء الرحالة مع الملك عبدالعزيز، والذي كان مشغولاً في الإشراف على راحة حجاج بيت الله، وتقرر اللقاء في "الشميسي" بين مكة وجدة، كما أبلغه الأستاذ فؤاد حمزة "إنك تدرك أن الملك مشغول جداً بالحجاج، والعديد من الأمراء وشيوخ القبائل الذين يرغبون في ملاقاته، ولن يكون لدى جلالته من الوقت الكافي ما يخصه للمقابلة "فجدد الرحالة التأكيد على أن مجيئه كان فقط لغرض ملاقاة الملك "لأراه وأتحدث إليه، لأتعلم شيئاً من خلال حواري مع (ابن سعود) عن القوى الروحية الكامنة فيه، والتي حملت أعمق بذرة لإنجازاته، من الممكن أن تتعرف عن طريق الكتب على رجال عالميين بارزين مثل ستالين، وموسليني، وأتاتورك، ولكن الوضع مختلف بالنسبة لرجل (مثل ابن سعود) فهو بالإضافة لكونه محارباً فهو من أكثر الحجاج تقوى وخشوعاً، وهو ملك عصري، وإمام محافظ، ورجل سياسة، وزعيم ديني، وما يشدني إليه بقوة أكبر بكثير من الرغبة في حب الاستطلاع".

 

ووصف الطريق بين جدة والشميسي "حيث يقع الطريق في صحراء وعرة، ومما قد يزيد في صعوبة الرحلة هبوب العواصف الرملية بين آونة وأخرى، ولهذا كان علينا التوجه في سيارتين، كان الطريق يمر في هضاب خشنة مسننة، ولم يحرم فصل الربيع المنطقة من الشجيرات والعشب، وبين آونة وأخرى نشاهد مجموعات من الحجاج عائدين من مكة على أرجلهم، وآخرين على الجمال، والأكثرية بالسيارات والتي تعــمل فقط أثناء موسم الحج".

وعندما مر على "بحرة" أبلغه (يوسف ياسين) بأنها المكان الذي فاوض فيه الملك عبدالعزيز عام 1925م البريطانيين وممثلهم (سير جلبرت كلايتون) حيث أُبرم اتفاق بين الدولتين.

 

وذكر له مظاهر الأمن السائدة الآن "لقد فقد أحد الحجاج الأغنياء رزمة من نقد الفلورين الهولندي فتسلمها في اليوم التالي، وشرح لي الشيخ يوسف ياسين الذي كان يرافقني في طريقي للقاء الملك كيف تحقق الأمن: في الماضي كان عليك أن تلتحق بقافلة معها حماية عسكرية، لم تكن الطرق آمنة،أما الآن فتستطيع السير وحدك ليلاً وأنت في مأمن كما لو كنت في وسط لندن: والفضل في ذلك يعود لتطبيق الملك للشريعة الإسلامية".

 

بعد 50 ميلاً من تحرك الرحالة من جدة "بدأ المنظر يتحول إلى منظر جبلي، وبدأ الدرب يتسع، فوصلنا إلى وادٍ عريض فيه أشجار، وبئر ماء ومسجد صغير: إنها الشميسي، ورأيت منظراً مبهراً: بعض الخيم الكبيرة، وخدم يرشون الأرض حول الخيم بما يحملون من صفائح الماء، وفي الجهة المقابلة سيارات وحافلات نقل، هنا يستقبل الملك ضيوفه الأجانب، ونظرت لهذا المشهد بدهشـــة، ثم انحـــرفت سيارتنا في اتجاه المسجد".

 

وجاء مسؤول من التشريفات الملكية يبلغ الرحالة بالخيمة التي سيستقبله فيها الملك، ودعاه لدخولها "كانت الخيمة كبيرة، وأرضها مفروشة بالسجاد، وقرب مدخلها كرسي كبير، وفجأة وقف بعض الجنود وأخذوا يشيرون إلى بعيد: الملك قادم، وتوقفت سيارة الملك الخضراء، وتبعتها 20 سيارة أخرى، وترجل الحراس بألبستهم الملونة الطويلة، الزرقاء والبنية والرمادية، هزوا بأيديهم البنادق التي يحملونها، أعطى اللون والحركة جمالاً للمشهد، والذي رغم ما فيه من دراما لم يكن مسرحياً، لم أستطع المقارنة بين المشهد العفوي هذا، والمشاهد الدرامية المسرحية التي ترافق بعض حكام أوروبا عنــــدما يتنــــقلون من مكان لآخـــر: أهـــم ما في المشهد في الشميسي، العفــــوية والجــــمال غـير المتكلف".

 

"وفــــي دقائق تحلق الحرس حــــول خيـــــمة الملك، وبهــدوء، ولم يســـــمع لهم صوت".

 

وعندما سمع الرحالة بعد خمس دقائق من وصول الملك، من الشيخ يوسف ياسين أن الملك مستعد للقائه، كان شعوره "لأسابيع كثيرة لم أكن أتشوق إلى شيء سوى هذه اللحظة، والآن بعد أن جاءت شعرت بإدراك حسي أني لا أستحقها، إنه لطف من الملك أن يأتي خصيصاً من مكة، وجمال المنظــــر غير المتـــــوقع، أصبح عبئاً على ضميري، ليــــس هــناك من شــــرف يصــعب على المرء حمله أكثر من شرف لا يستحقه".

 

ووصف الملك وهو يقف داخل الخيمة للقائه "منظر يديه رائع، وقامته طويلة، ولباسه بدوي معتاد ورغم أن لباسه كان بسيطاً، فقد تبادر إلى ذهني أنه إذا كان رجل بكافة الصفات الملكية فهو هذا الرجل، ملوكية متأصلة ليس فقط في منزلته الرفيعة، وليس في سلوكه الرقيق الفاتن غير المتوقع، لقد تجلى كدعامة مضـيئة وســــط الخيمة، لا تحتاج إلى شرح أو تبيان".

 

"كان هناك صمت مطبق، أكاد أسمع أنفاس رجال الحرس الجاثمين خارج الخيمة تعلو وتهبط لقد أعرب كل الأجانب من دبلوماسيين ومفكرين ورحالة ورجال أعمال، الذين أتيحت لهم الكتابة عن لقاءاتهم بالملك عبدالعزيز عن قاسم مشترك من الانطباعات، فرأوا الملك: في غاية من الدبلوماســــية المهذبة، والأدب الجم معهم، ولم يغفل (روم لانداو) عن ملاحظة ذلك في أول لقاء له مع الملك في الشميسي "عندما دخلت الخيمة الملكية، نهض الملك وصافحني بابتسامة فاتنة أشرقت على وجهه، وقامته تعلو قامتي، وكان بداخل الخيمة أطول مما ظننت، ملابسه بسيطة، كان واقفاً وسط الخيمة نيراً بما لا يحتاج لشرح، وبعد كلمات من الشكر ألقيتها، رفع الملك يده بإشارة، إنسل لها من في الخيمة من الرجال في ثوان إلى خارجها وبهدوء، وأديرت القهوة، وكان الملك يتقبل الثناء والإطراء بابتسامة صادقة متواضعة، شاكرة، ويردها بأسلوب فاتن مخلص، وبدلاً من مخاطبة المترجم، كان يخاطبني مباشرة وبابتسامة تشع من الوجه الصارم".

 

لقد أراد الرحالة من لقائه بالملك عبدالعزيز في تلك الحقبة العاصفة من حقب التحولات السياسية في العالم، التعرف على مواقف الملك من بعض القضايا، كان يطرح أسئلة، ويناقش إجابة الملك، لقد كان يشغل بال الباحثين والمفكرين الأوروبيين "كيف يمكن أن تؤسس المملكة على قناعات دينية؟.

 

كانت إجابة الملك "نعم . سياستي قائمة على ذلك، وكان يرى أنه لا يمكنه أن يحكم بلده بشكل جيد بدون هذا الأساس، وأن بعض الأجانب لديهم آراء خاطئة عن الإسلام، فديننا أكثر الأديان واقعية، يسمح باستغلال المبتكرات الحديثة كالسيارات والراديو، وبكل ما من شأنه تحسين أوضاع الناس: المادية والروحية معاً، طالما أنه لا ينقض تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الطبيعي أن نحرص على ثقافتنا، قبولنا بالســــينما مثلاً  لايعني القـــبول بالأفلام المضـــــرة التي ينتجها الغرب، عليــنا أن نحدد حاجتنا بالأفلام التعليمية والأخلاقية".

 

"وشدد الملك في إجابته على أهمية ترسيخ القيم الدينية عن طريق التعليم، والقدوة، ومنذ طفولتهم أدرك أولادي أهمية الدين في حياة أبيهم، أليس من الطبيعي أن تصبح قوة الدين شيئاً عظيماً بالنسبة لهم؟".

 

وكان سؤال الرحالة التالي: كيف يمكن استخدام وسائل الحضارة الغربية بدون إضعاف الدين؟ وجاءت إجابة الملك "إننا نأخذ من الحضارة الغربية منافعها المادية، إن الشـــرقيين لا يؤمنون بالجانب الروحي من هذه الحضارة، والواقع أنها لا تحوي قيماً روحية إطلاقاً.

 

ولأن نظم الحكم الأوروبية والغربية قائمة على الفصل بين الدين والسياسة، تثور دائماً تساؤلاتهم،ومنها سؤال الرحالة للملك: هل الإسلام يساعد حقيقة في السياسة، وعند الملك قناعة "بأن السياسة الصالحة يجب أن تكون مبنية على الدين، وإلا لن تكون صالحة، ولا يمكنك فصل السلوك السياسي عن السلوك الأخلاقي، ولا أعتقد بوجود انفصال بين الاثنين: فالإسلام هو قوة خارقة في حياتنا وفي سياستنا، والمشكلة هي في وجود حكام عبر التاريخ الإسلامي أدخلوا تفسيرات للدين لمواءمة غاياتهم السياسية، لكي يبرروا أعمالهم السيئة، لقد أساؤا للإسلام وشوهوا وجهه، كل ما فعلته أنني عدت إلى أصول التعاليم، كما هي في القرآن الكريم وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لنؤسس عليها حياتنا في السعودية، فالعقيدة وحدها، مهما تبدو صالحة، لا تكون كافية إذا لم يطبقها من يبشر بها في الحياة اليومية، وإني أحاول في حياتي الاقتداء بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي نفذ فيها تعاليم القرآن الكريم".

 

وفي إجابة الملك علي سؤال "هل تعتقد جلالتكم أن رسالة (السعودية) هي أن تقوم بدور الجسر بين روحانية الشرق ومادية الغرب، كان رد الملك" كل الدول الإسلامية لديها مثل هذه الرسالة للقيام بها، ونجاحها يعتمد على تجاوب الغرب، ونستطيع تحقيق ذلك فقط بفتح عيونكم على حقيقة الإسلام بجعلكم تعرفوننا، وتعرفون بلداننا أكثر، وفي الوقت نفسه علينا أن نتعلم أكثر عنكم وكيف تعيشون، إنه موضوع تفهم متبادل، في الوقت الحاضر: كثير من مفاهيمنا عن الغرب مغلوطة، وكثير من افكاركم عنا وعن الإسلام مغلوطة أيضاً، فقط عن طريق المعرفة المتبادلة يمكن للعـــالم الإسلامي أن يصبح الجسر الضروري".

 

ويعلق الرحالة على هذه الإجابة بقوله "لقد حاز الملك عبدالعزيز، على تعاطفي وإدراكي الوجداني، - إن كان لهما أي قيم -، وتشبثت لبعض الوقت تحت الرمال المتحركة بكلماتي غير الكافية، لحملي في النهاية إلى ملاذ أعطاني شعوراً رائعاً ناتجاً عن التلاقي معه، لم يكن في استطاعتي إلا أن أنقل اهتمامي من جاذبية كلماته المركبة إلى إنسانيته، ذلك السيف المستنير الذي منحه جمالاً، والذي قد يكون موجوداً فقط في مخيلتي".

 

لقد شجعته سعة صدر الملك، ليسأل سؤالاً عن السياسة ما كان خطط لطــــرحه: فســــأله عن رأيـــه في الاتحاد العربي؟.

 

وكانت إجابة الملك "إن هذا ضــــروري، وأحســـــن صـــيغة لهـــــا - حتى الآن - نموذج الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال هذا النموذج تحافظ كل دولة على نظام حكمها، ونمط إدارتها، وينبغي على كل حال وجود هيئة مركزية لتنسيق الجهود المختلفة لهذه الدول، وبهذه الطريقة تتحقق لهم القوة التي يفقدونها بغير هذا، إن الشكل الخارجي لهذه الهيئة ليس مهماً، كما ليس مهماً من يرأسه، ولا مكان وجوده: في بغداد أو فلسطين أو مكان آخر، المهم أن يتحقق هذا النموذج، ومن يرون تحقيقه خيالياً واهمون، وعاجلاً أو آجلاً سيتحقق إن شاء الله".

 

وطرح الرحالة على الملك سؤالاً عن أي الطريقين يختار، إذا ووجه بالتمسك بمبادئ دينية، وبموقف يخالف ذلك، لكنه يحقق مصلحة لشعبه؟

 

 ولم يتردد الملك في القول "سأسلك الطريق الذي ترسمه مبادئ الدين، فلقد واجهني هذا الخيار المحير أكثر من مرة في حياتي، وحاولت أن يكون موقفي متماشياً مع تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى لو كانت هناك خسائر، فلقد وجدت أنه في المدى البعيد أن اتباع طريق الدين يقود للنجاح السياسي، وتذكر أني لا أواسى مواقفي على ما يقوله صلى الله عليه وسلم فحسب، بل أقتفي أثر فعله عليه الصلاة والسلام، وعندما أسعى لأكون عادلاً وغير متحيز، فإنما أفعل لأنه صلى الله عليه وسلم كان عادلاً وغير متحيز".

 

الملك الإنسان

 

ويتابع الرحالة انطباعاته عن ما تركه هذا اللقاء، وما سمعه من إجابات الملك "الذي أعطاني الارتياح العميق هو أن مضيفي بدلاً من أن يوقظ حب الاستطلاع أو الرهبة أو الإعجاب الذي أثار الحب غير الأناني والذي هو أقل مشاعر الإنسان ندرة، فعندما حاول أن يشرح كيف أسس حياته على محبة الله فقط، وكيف حاول أن يحافظ على عقيدته نقية صافية، لم يشوه كلماته اعتداد، أو نبرات مداهنة وتملق، وفي نواة اللغة المتعددة الألوان، دوّي الصوت المثير بطاقته الروحية العظيمة، والتي عرضت أمامي بكل أبهة وروعة، والتي يصعب صياغتها في كلمات، لقد كانت جميلة فاتنة للناظر".

 

"انتفض فيّ حبي القديم للعرب بقوة، كانت بكل حلاوتها مؤلمة بعض الشيء، ذلك لأنني نسيت أسوأ الصفات التي عززها اتصال الغرب بالشرق، وشعرت أن بإمكاني أن أتناسى كل ما هو وضـــيع عنـــد مواجهة مثل هذا النبل الروحي".

 

مع اقتراب موعد صلاة المغرب كان لابد للقاء من توقف "لم يبد الملك إشارة أو رغبة في إنهاء الحديث، وجمعت قواي وبادرت معرباً عن امتناني لتحمله الكثير من فضولي، فأجاب الملك بثناء ساحر خلاب، ووقف فقدم لي الأمير فيصل، والأمير منصور، ثم انتقل الملك وضيوفه خارج الخيمة، ثم تناول الملك عشاءه سريعاً وغادر إلى مكة، حيث تنتظره ارتباطات كثيرة، وبقينا للعشاء".

 

"سألني الملك بابتسامة مشرقة على وجهه: إلى أين أنت ذاهب من هنا؟ ولما أخبرته أني ذاهب لملاقاة بعض القادة في الشرق، وبعضهم في أوروبا، قال لي: أنا واثق أنك ستلاقي عندهم قناعة أخلاقية عميقة، وتمسكاً بدينهم مماثلاً لما عليه حكمنا في بلدنا هذا، كان الملك جاداً فيما يعتقد، فربما كان في سياسته الكثير من التعقيدات السائدة في الشرق، لكن إيمانه صافٍ بلا تعقيدات".

 

ويصف الرحالة ما قدم له في وجبة العشاء داخل الخيمة في الشميسي "وسط الخيمة مائدة عليها غطاء أبيض وصحون، وأدوات تناول الطعام، وأوان وأوعية كبيرة ملأى بالفواكه المرتبة كأزهار، لا أعرف أين أعد الطعام؟ لأنه لا يمكن أن يكون أحضر من مكة في حافظات للحرارة، لقد كان عشاءً من تسعة أنواع من الطعام: منها الحساء،  السمك، الدجاج، البط، والهليون، والبذنجان والحلويات المختلفة، كان عشاءً من طراز ما يقدم في الحفلات الكبرى في المطاعم الأوروبية الفخمة من الدرجة الأولى".

 

وبعد العشاء قدم الشيخ يوسف ياسين للرحالة هدايا الملك قائلاً له "الآن في استطاعتك العودة لجدة كعربي سعودي، كانت الهدية كسوة متكاملة: ثوب، وكوفية من الكشمير وعقال مقصب، وعباءة من وبر الجمال مزركشة بخيوط الذهب والفضة".

 

عاد الرحالة إلى جدة، وشاهد في الطريق قافلة من الجمال تقارب المائة "وهي تحمل إلى مكة: مواد البناء والصناديق، والأكياس التي جاءت بحراً إلى ميناء جدة، والتي تشكل جزءاً من التحسينات التي أدخلها الملك".

 

عاد يتابع المنجزات التي حققها الملك عبدالعزيز خلال وقت قصير من جهوده في انتشال المملكة من التخلف إلى التقدم، أخذاً بكل جديد من مخترعات العصر يمكن أن تحسن وضع المواطن، فأشاد الرحالة بجهود توطين سكان البادية في "هجر: أقيمت حول الآبار أو الوديان، فاتحاً أمامهم فرص العمل الذي يمجده الإسلام، وبعد عشر سنوات من التجربة كانت الحصيلة 70 هجرة، يتراوح سكان الواحدة بين الألف والعشرة آلاف، والجانب البارز الآخر من هذه المنجزات سرعة استغلال المخترعات الحديثة في ميادين الاتصالات، والتنقلات "كانت أوامر الملك في بعض الحالات تستغرق أسابيع قبل أن تصل إلى وجهتها، أما حالياً فينتقل الملك مع محطة لاسلكية تبقيه على صلة مستمرة بأمرائه في جميع الأنحاء من المملكة المترامية، وكان عليه خوض معركة خطرة مع (المتزمتين) ممن عارضوا إدخال هذه المخترعات واستغلالها، ظانين أنها من عمل الشــــيطان، ولم يعـــد باستطاعتهم معـــارضــــة استخدامها عندما أسمعهم الملك من المذيــــاع الآذان وترتيــل القرآن الكريم.

 

وهنا ينقل الرحالة عن مراقبين حياديين تقويمهم لهذه المنجزات، فهم "يرون أن الملك قام بأعجوبة بتطوير بلاده، دون أن يضعف أسس الحياة العربية وخصوصيتها".

 

وبعد انتهاء اللقاء، عاد الرحالة إلى جدة ويتردد في ذهنه "أن ابن سعود يؤمن بما هو أكبر من نظام عربي جديد، يؤمن بدور في التحول الإنساني، حيث يجد الفرد في إيمانه بالله تطلعات يقولب فيها التاريخ، في هذا القالب يكون الدين مرة أخرى القاعدة للإنجاز الإنساني".

 

"لقد أرسى الملك بالتدرج التمازج المهم بين الدين والتحضر، والمهمة لم تنته بعد، فمهمة (ابن سعود) الروحية الرئيسية، هي القضاء على القوى السلبية التي تلقي بظلالها على الإسلام: كالتعصـــب، دون إضعاف القوة الروحية لشــــعبه، مما يتطلب براعة متناهية وذكاءً وصبراً"

  ------------------------------

المرجــــع:

Search for tomorrow-1938 by:

 rom landau-published by- Nichol

 son@watsonlimited-london

 

  © ديسمبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ".