اجيال المستقبل

 

جدة - منال رضوان*

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة حمل الأطفال للجوالات في الأسواق التجارية والمتنزهات وأماكن الترفيه، وأحياناً في المدارس بشكل خفي، الأمر الذي يفتح الباب للتساؤل:  هل هذه الظاهرة بوابة للترف والبذخ الزائد أم أنها ضرورة يلجأ إليها الآباء لمتابعة خطى سير أبنائهم؟.. الفكرة تأرجحت بين مؤيد ومعارض. التقينا ببعض هؤلاء الأطفال وسألناهم عن كيفية إقناع أسرهم بشراء هاتف جوال؟ وما الأسباب التي دفعتهم لاقتنائه؟ وما السبب الذي جعل بعض الأسر تحقق رغبات الصغار الذين يلحون عليهم لشراء الهاتف الجوال؟

 

● إحدى قريبات الطفل محمد القحطاني البالغ من العمر ست سنوات تقول: حينما ابتاع والد محمد هاتفاً جديداً ترك له القديم ووضع له شريحة وأصبح له أصدقاء يتصلون به لكن والده نتيجة لخوفه عليه من أن تفقد الأشياء قيمتها لديه قرر أن يسحب منه الهاتف تدريجياً وتم ذلك بالفعل.

 

● وتقول نورة 14 عاماً: أنا آخر العنقود -كما يقولون لي دائماً- ولا أنكر أنني المدللة بين أفراد أسرتي وحينما طلبت هاتفاً من أبي بحجة أن جميع صديقاتي يمتــلكنه رفض والدي في بــــادئ الأمر لكنه أمام إصراري وبكائي وتهــديدي بالإضراب عن الطعام رضخ لطلبي.

 

 

هدية العيد

 

● الطفل مشعل 11 عاماً يقول: ابتاعت لي أمي هاتفاً جوالاً تحت إصراري لتقليد أبناء عمومتي، إضافة إلى أنني حينما أذهب لزيارة أبي يزداد قلقها فتطمئن علي عن طريق الجوال، ويضيف: أرى أن وجود الهاتف معي ضرورة، خاصة في الرحلات المدرسية والأعياد.

 

● وتقول إحدى قريبات الطفل بندر والبالغ من العمر سبع سنوات: أبواه منفصلان ونادراً ما يأتي لزيارة والده مما يجعل طلبات ابنه أوامر واجبة التنفيذ، ولذلك فهو يقوم بتنفيذ كل ما يرغبه سواء كان هذا الطلب مناســــباً أو غير مناسب.

 

وقد طلب الهاتف من والده محاكاة لخاله، فكيف يكون لخاله جـــوال وهـــو لا يملك جوالاً مثله، بالرغم من الفارق العمري بينهما.

 

● الطفل وسام عبدالعزيز 8 سنوات يقول: احتجت إلى هاتف جوال حينما التحقت بالنادي لكي تطمئن أسرتي عليّ وعن أول جوال ابتاعه يقول: كان الباند والآن أبو كامرتين وقريباً سأبتاع أحدث جهاز بمناسبة عيد الأضحى.

 

النجاح بمقابل

 

ياسر يتذكر أن أول جوال امتلكه عندما كان في الثالثة عشر رغبة منه في التميز عن أصدقائه، وقد اقتنعت والدته في بادئ الأمر، ووعدته أن تبتاع له جوالاً بشرط أن يتفوق في دراسته، يواصل: وبالفعل تفوقت في دراستي وأصبحت أمتلك جوالاً، كما أن والديَّ يجددان لي جوالي كلما قمت بعمل ما بصورة مرضية.

 

● أما الطفلة ندى 9 سنوات فقد ظلت متعلقة بالجوال إلى أن حصلت عليه، ولكن بدون خط، تقول: لا أجري اتصالات عبر الجوال، ولكنني استخدمه في تخزين أرقام هواتف منــــازل صديقاتي، وعن السر في التعلق بالجوال بهذا الشكل توضـــح: لي زميلات في مثل سني، وأحياناً أصغر ومع ذلك يمتلكن الجوال، فما المـــانع من أن أكون مثـــلهن ولي جوالي الخاص؟.

 

● ويقول الطفل سلطان الجهني: رفضت أسرتي أن أحمل جوالاً بالرغم من إصراري على ذلك فقمت بعمل حيلة، وهي أن أخرج مع أصدقائي وأتأخر في العودة إلى المنزل، مما جعلهم يقلقون عليّ وكنت أعلل قلقهم بعدم توافر هاتف نقال معي ليطمئنوا عليّ من خلاله وحينما ابتاع أخي جوالاً جديداً اقترحت أن يعطيني جواله القديم، وابتعت البطاقة وهكذا أصبحت من حاملي الهواتف الجوالة تماماً مثل الكبار.

 

● وتقول أم هاني: بالرغم من طلب ابنتي الصغرى لهاتف جوال تقليداً لزميلاتها في المدرسة إلا أني أرفض ذلك لأن الجوال للضرورة وليس منظرة لكنني حتى لا أغضبها أجعلها تحمل جوالي عندما ترغب.

 

● وعلى الرغم من أن الموضوع واجه معارضة من بعض الأسر التي ترى أن الجوال في يد الأطفال ترف مبالغ فيه، فإن هناك أسراً أخرى اعتبرت وجوده ضرورة ملحة بل يجب أن يكون مع كل طفل من أفراد الأسرة ..تقول مها وهي موظفة وأم لخمسة أطفال: في الحقيقة الجوال في مثل حالتي اعتبره من أعظم الاختراعات التي استفدت منها، وتضيف: ظروف عملي تجعلني أترك المنزل في وقت مبكر، وهذا الأمر يجعلني بعيدة عن المنزل لفترة طويلة لذا فأنا أطمئن على أولادي من خلال الجوال، فلكل واحد منهم رقمه الخاص الذي يمكنني من الاتصال به كلما احتاج الأمر ليطمئن قلبي. وتؤكد: في البداية اتهمنى بعض الأقارب بالجنون أن يكون في المنزل أكثر من 8 جوالات بالإضافة إلى جوال الخادمة، ولكن كله يهون من أجل الاطمئنان على أولادي.

 

ظروف اقتصادية

 

● وتلعب الظروف الاقتصادية دوراً مهماً في عملية الاقتناء أو اتخاذ الأسرة قرار الشراء، وهذا ما أكده أبو حسين موظف قائلاً: في الواقع إن ظاهرة انتشار الجوالات بين الأطفال من الظواهر الغريبة والتي أصبحت مثل انتشار النار في الهشيم، وأضاف: أنا اعتقد أن الظروف الاقتصادية للأسر هي التي تحدد في المقام الأول إمكان أن يحمل الطــفل جــــوالاً أم لا، فـهناك أسر محدودة الدخـــل ولا تستطيع أن تشتري لكل أولادها جوالات لمجرد أن أصدقاءهم  يمتلكون جوالات.

 

● ويتفق خالد أحمد في الـــرأي مــــع أبو حسين الذي رهن عملية اقتناء الأطفال للجوالات للحالة الاقتصادية التي تعيشها الأسرة، مضيفاً: على الرغم من أن الجوالات أصبحت ضرورة لدى البعض فأنا أرى أن اقتناء الأطفال لهذا الجهاز فيه مبالغة لحالة الترف التي تعيشها الأسرة وبالتالي تنعكس على الطفل، ولا يجب أن نغفل أن هناك أطفالاً يعيشون في مستوى متوسط بل وأقل، وبالتالي تعجز الأسرة عن توفير مثل هذه التقنية لأطفالها مما يحمل الآباء مسؤوليات وأعباء فوق أعبائهم عندما يصر الطفل على أن يقتني جوالاً خاصاً.

 

● وتقول سميرة مديرة أحدى المدارس الابتدائية بجدة: على الرغم من أهمية الجوال فإنه مرفوض تماماً داخل الفصول الدراسية وممـــنوع تـــداوله بــين الطــــالبات، وتضيف: هـــناك بعض الطالبات يمـتلكن جـــوالاً لكنهن لا يستخدمنه خلال الدرس فمثل هذه التصرفات ممنوعة، وحول أهمية امتلاك الأطفال سواء فتيات أو أولاداً للجوال؟ قالت: الجوال إذا نظرنا إليه من الناحية الإيجابية فهو مهم وطريقة الاستخدام المقنن هي التي توضح مدى هذه الأهمية، ولكن مع الأسـف الشديد هناك أسر  كانت مضطرة لشراء جوالات لأطفالها لأن زملاءهم في المدرسـة يحملون جوالات ويقـومون بالاتصال على أبائهم من وقت لآخر.

 

دراسات وأبحاث

 

انتشر الهاتف الجوال في العالم بسرعة وبمعدلات عالية حتى وصل عدد مستخدمي الجوال في العالم اليوم إلى أكثر من 900 مليون 15% من سكان العالم، وفي المملكة العربية السعودية بلغ عدد المشتركين حسب آخر الأرقام المتوافرة إلى 2.4 مليون 11% من سكان المملكة.

 

وقد حذر الخبراء من خطورة استخدام الأطفال للهاتف الجوال، وأوصوا بعدم ترك الجوال في يد الأطفال صغار السن كأداة للعب لأن خلايا المخ في هذه السن تنمو بسرعة، ويؤدي تعرضها للموجات الكهرومغناطيسية إلى الخطورة، وأوضحوا أن الأطفال هم أكثر الفئات العمرية التي تتأثر بسبب التعرض لموجات كهرومغناطيسية وخاصة في منطقة الرأس،وأوصوا بعدم ترك الهاتف الجوال كأداة لعب في يد الأطفال تحت أي ظرف من الظروف، وكشفت ست دراسات حديثة منفصلة عن أن سرعة الاستجابة تزداد عندما يتعرض الناس إلى ترددات أشعة الهواتف المحمولة.

 

وأشارت دراسة أخرى من السويد وسويــــسرا إلى أن الإشــعاع الناجم عن الهواتف المحمــولة يـــؤدي إلى تقــطع النوم.

 

وقالت منظمة الصـــحة العالمية إن هناك حاجــــة إلى المزيد من الأبحاث قبل القول إن الهاتف المحمول يسبب أضراراً للصحة.

 

 

وخلصت دراسة علمية مولتها الحكومة البريطانية العام الماضي إلى أنه رغم عدم وجود دليل على خطورة استخدام الهاتف المحمول على الصحة سيكون من الحكمة عدم تشجيع الأطفال على استخدامه لسرعة تأثرهم بالإشعاع.

 

           

لغة العصر

 

● من ناحيته اعتبر د. أبو بكر باقادر أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة أن الجوال الآن أصبح من لغات العصر الحديث ولا يمكن لأي إنسان أن يقلل من شأن تلك التقنية، ولكن من الملاحظ أن هناك  بعض التجاوزات من جانب الأسرة والأطفال أنفسهم، حيث تحرص بعض الأسر على أن يمتلك الابن الصغير جوالاً في حين أن التزاماته محدودة جداً بل إنه لا يعرف الطريقة التي يستخدم بها هذا الجهاز، ومع ذلك تجد أسرته تشتري له الجهاز وبأغلى الأثمان.

 

ويضيف الدكتور باقادر: بالطبع مثل هذه الأسرة مخطئة جداً ..في المقام الأول في حق الطفل، في حق ابنها الذي سيعتبر فيما بعد أن كل شيء من السهل الحصول عليه، أما من النـاحية الثانية فإن الموضـــوع له أبعـاد اجتماعية أخرى، حيث يتـــأثر الأطفال المحيطون بالطـــفل إذا كانت أسـرهم لا تتحمل عبء شراء الجوال حتى لو كان لعبة، ويؤكد أن الجوال ســـلاح ذو حدين، ويجب على الأســـــــرة الانتباه في التعامل مع الأولاد تجــــاه تلك التقنية، خاصة الشـــباب في مرحــلة المراهــقة، ولا أعتقد أن المجتمع نسي السـلبيات التي كانت وراء حمـــل المراهقـــين لمثــل هــــذه التقنية.

 

التدليل بحساب

 

● تقول الدكتورة ليلى المزروع أستاذ مشارك ورئيسة قسم علم النفس بجامعة أم القرى: قبل أن ننظر للمخاطر النفسية لحمل الأطفال للهواتف النقالة علينا أن ننظر إلى المخاطر والأضرار الصحية، لذا يجب على الأسر أن تحافظ على صحة أطفالها، كما يجب على هذه الأسر أن تراعي نفسيات أصدقاء أبنائها في المدرسة فليست كل الأسر قادرة على تقديم رفاهية لأبنائها، فالمردود النفسي لأصدقائهم سيكون سيئاً خاصة إذا كانوا من الطبقات الأقل من الوسط، أو الأيتام وكان ذلك هو الهدف الأساسي من توحيد الزي المدرسي في المدارس حتى لا يشعر الأطفال بالفوارق الطبقية. وإن تحدثنا عن قيمة الأشياء لدى أطفالنا فهم في الوضع الطبيعي لم يعودوا يعرفون قيمة الأشياء، فما بالنا إن قدمنا لهم جوالات في سن صغيرة، وأرى أن حرص الآباء على تقديم كل شيء إلى أبنائهم أدى إلى عدم شعور الأبناء بقيمة الأشياء.. أنا هنا لا أغلق الباب أمام جميع طلبات الأبناء لكني بالطبع أطلب أن نلبي المعقول منها، فنحن أمة وسط لذا يجب أن نكون وسطيين في تلبية رغباتهم وإشباع حاجاتهم، لذا أنصح الأسرة بالاعتدال لأن للتدليل الزائد عن الحد آثاراً سلبية، كما أن للقسوة أثرها السلبي، وفي بعض حالات انفصال الوالدين يحرص أحد الطرفين أن يلبي رغبات ابنه حتى لو كانت غير معقولة ليزداد الابن ميلاً إليه مقارنة بالطرف الآخر، وهذا الأمر لن ينتج عنه سوى سوء في التربية، ومع ذلك لن يحقق الهدف في أن يزداد الطفل ميلاً إلى الطرف المعطي، لأنه لن يستطيع أن يعوضه عن الآخر مهما قدم له.. فهناك حاجات أخرى غير الهواتف الجوالة يحتاجها الطفل من والديه وتكون سبباً في جذب الطفل وتعلقه بوالديه.. ومن أهم ذلك.. القدوة والمثال

--------------------------------------------

* صحفية مصرية

 

  © ديسمبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ."