تراث إسلامي

 

 

بقلم: د. عبداللّه بن ناصر السدحان

لقد مضت سنة اللّه في الإنسان أن جعله يمر بمراحل متعددة في رحلته الدنيوية، فيبدأ وليداً ضعيفاً ثم شاباً قوياً وأخيراً شيخاً ضعيفاً. قال تعالى: {اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} "الروم:54" ولقد عنيت الشريعة برعاية هذا الإنسان منذ نعومة أظفاره وحتى مماته.

 

ولئن كانت هذه الرعاية تمتد طوال حياة الإنسان فإن ما يهمنا هنا المرحلة الأخيرة منها وهي مرحلة الشيخوخة، فلقد حرص الإسلام على هذه المرحلة وجعلها محطة تكريم وعناية خاصة وأوصى بأهلها بمزيد رعاية، واحترام وتوقير. ذلك أن صاحبها يتصف بالضعف وحاجته إلى الآخرين لخدمته والقيام بشؤونه الدنيوية، فهي مرحلة عصيبة ولا عجب أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم تعوذ منها، ولقد تزايد في الآونة الأخيرة التنادي بالاهتمام بهذه الفئة، وإن كان هذا التنادي بين الدول المعاصرة لم يبرز إلا في السنوات الأخيرة، فإن الإسلام قد نظم هذا الأمر وأكد عليه قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، ولقد انعكس ذلك على سلوك وممارسات المسلمين في تعاملهم مع المسنين وليس هذا فحسب، بل إن الرعاية التي منحها الإسلام لهذه الفئة تمتاز بشموليتها وتنوعها.

 

وسنحاول سبر جوانب العناية بالمسنين في الإسلام، بخاصة أن مجتمعاتنا المسلمة تمر بتيار تغيّر وتطور اجتماعي واقتصادي كبير نتج عنه تغير في القيم والعلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، فتلاشى ما يسمى بالعائلة الممتدة التي كانت تضم الجد والأب والأبناء وزوجاتهم وأبناءهم في منزل واحد، وظــهر ما يعرف بالأسرة النووية التي تعني استقلال الأبناء بزوجاتهم وأبنائهم في منازل مستقلة، وهذا قد يؤدي إلى قطع العلاقات بين صغار السن وكباره، وقد أظهرت بعض الدراسات هذه البوادر وما ذاك إلا نتيجة للابتعاد عن تعاليم الإسلام وتوجيهاته في التعامل مع كبار السن.

 

وسنحاول إبراز كيف انعكس ذلك على المجتمع المسلم الأول سلوكاً وممارسةً علّها تكون دافعاً لأبناء جيلنا الحاضر إلى مزيد من الإحسان والتوقير لكبار السن مما يجعلنا نفتح أفقاً واسعاً للمسنين باستقبال الحياة بثغر باسم، وتنسم هوائها بصدر منشرح، وإقبال على اللّه والطلب منه، التمتع بالقوة التي منّ اللّه بها على المسلم في شبابه، بخلاف النظرة القائمة التي تصورها بعض النظم لحياة المسن وكأنها موت بطيء.

 

مَن هو المُسن؟

 

استعمل العرب كلمة (المسن) للدلالة على الرجل الكبير، فتقول: (أسَنَّ الرجل: كَبُر، وكبرت سِنُّه. يُسنُ إسناناً فهو مسن) كما تستخدم العرب ألفاظاً مرادفة للمسن فتقول: (شيخ)، و(كهل)، و(هَرمٌ)، وجميع هذه الألفاظ تدل على كبر السن، ويمكن ترتيب مراحل عمر الإنسان استظهاراً من معاجم اللغة بعد مرحلة المراهقة كالتالي: شاب، ثم كهل، ثم شيخ، ثم هرم. ونلحظ أن آخر هذه المراحل هي مرحلة الهرم، وهذا هو الذي تعوذ منه الرسول صلى اللّه عليه وسلم، ففي الحديث أن رسول اللّْه صلى اللّه عليه وسلم قال: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم".

 

وهذا اللفظ كثيراً ما يرتبط لدى علماء الاجتماع بسن معينة وهو سن الستين؛ فيقال المسن هو من تجاوز عمره الستين، ومن المعلوم أن هذه المرحلة نسبية وتتفاوت من فرد لآخر، فبعض من بلغ هذا العمر أو تجاوزه قد يكون نشيطاً ولا تظهر عليه بوادر الشيخوخة، والعكس فإننا قد نجد من هو دون هذا العمر وقد ضعف واشتعل رأسه شيباً، لذلك نستطيع القول إن العمر التاريخي للإنسان يعد معياراً غير دقيق لتحديد مرحلة الشيخوخة، وأيّاً كان الاختلاف فمن المؤكد أنه ليس هناك حد فاصل واحد نستطيع القول عنده إن الإنسان قد أصبح مسناً، ولكننا نستطيع القول بأن المسن هو: كل فرد أصبح عاجزاً عن رعاية وخدمة نفسه إثر تقدمه في العمر وليس بسبب إعاقة أو شبهها.

 

 

الشيخوخة  والإسلام

 

يصاحب مرحلة الكبر لدى الإنسان ضعف عام يقول تعالى: {اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} "الروم: 54" فالإنسان يمر بثلاث مراحل رئيسة: ضعف، ثم قوة، ثم ضعف، ولكن هذا الضعف الأخير نسبي بين البشر عموماً والمؤمنين خصوصاً؛ وسيتضح ذلك بعد الحديث عن المتغيرات التي تصيب الإنسان في حالة كبره، ولابد من الإحاطة بهذه المتغيرات التي تحدث لدى المسن لمعرفة كيفية التعامل معه والإحسان إليه، فهناك التغيرات الجسمية مثل: تجعد الجلد وجفافه وثقل في السمع، وضعف في البصر والشم والحواس بشكل عام، وبطء الحركة وترهل بعض العضلات وتغير لون الشعر.

 

أما التغيرات الاجتماعية: فأبرزها تقلص علاقات المسن الاجتماعية، إذ تقتصر على الأصدقاء القدامى ومن كان يسكن بقربه، كما ينتج عن هذا التغير مظهر جديد في حياة المسن ألا وهو الفراغ والعزلة نتيجة للانسحاب المتبادل بين المسن والمجتمع وهذا يؤدي بدوره إلى بروز التغيرات النفسية ومنها تغير مفهوم الفرد عن ذاته وبروز القلق والاكتئاب والملل كمظهر جديد في حياة المسن، كما يصاحب ذلك توهم المرض وكثرة الشكوى والحساسية الزائدة والإعجاب بالماضي والعناد والشك وعدم الثقة في الآخرين، كما تتغير اهتمامات المسن فتتركز حول الجوانب الشخصية، وتزيد الاهتمامات الدينية مع التقدم في العمر.

 

وهناك التغيرات العقلية: وأبرزها ضعف الذاكرة والنسيان، خاصة المعلومات الحديثة، إضافة إلى ظهور خرف الشيخوخة لدى البعض ويتمثل ذلك في تكرار الحديث مرات ومرات وعدم التعرف على الأبناء والأقارب، كما تضعف القدرة على الإدراك والتعلم.

 

وأخيراً التغيرات الاقتصادية المتمثلة في انخفاض دخل المسن وهذا عائد في الغالب إلى إحالته للتقاعد عند بلوغه السن النظامية، وبالتالي يؤدي ذلك إلى عجز عن تلبية العديد من الحاجات، خاصة إذا قرنا ذلك بتوقع إصابة المسن ببعض الأمراض وما يحتاجه من علاج.

 

ولقد أجاد أحد الشيوخ في وصف حالة من كبرت سنه نثراً وشعراً عندما سئل عن حاله فقال: أجدني قد أبيض مني ما كنت أحب أن يسود وأسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، وأجدني يسبقني من بين يديّ، ويدركني من خلفي، وأنسى الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملأ، وأسهر في الخلاء، وإذا قمت قربت الأرض منى، وإذا قعدت بعدت عني، ثم أنشد شعراً:

 

فاسمع أنبئك بآيات الكبرْ

تقارب الخطو وضعف في البصرْ

وقلة الطعم إذا الزاد حضرْ

وكثرة النسيان مآبي مُدّكرْ

وقلة النوم إذا الليل اعتكرْ

أوله نومٌ وثلثاه سهرْ

وسعلة تعتادني مع السحرْ

وتركي الحسناء في حين الطُهرْ

وحذراً ازداده إلى حذرْ

والناسُ يبلون كما يبلى الشجر

 

وسأل الحجاج رجلاً من بني ليث، قد بلغ سناً كبيرة، قال: كيف طُعمك قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا بُذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع وأسهر في المضجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردتُ الأرض تباعدت منّى، وإذا أردت القيام لزمتني. قال: كيف مشيتك؟ قال: تعقلني الشعرة، وأعثر بالبعرة. ولقـد أفـــاض ابن الجوزي - رحمه اللّه - في كتابه صيد الخاطر في وصف مرحلة الشيخوخة وما يصاحبها من تغيرات سابقاً بذلك غيره من العلماء المعاصرين الذين كتبوا عن هذه المرحلة.

 

ومما ذُكر من المتغيرات تتضح عظمة القرآن ودقة تصويره للحالة التي قد يعيشها الإنسان في هذه المرحلة عندما وصفها اللّه عز وجل بأنها رد إلى أرذل العمر في قوله تعالى: {واللّه الذي خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرّد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً إن اللّه عليم قدير} "النحل: 70". وأرذل العمر كما ذكر المفسرون هو: أخسّه وأدونه وآخره الذي تضعف فيه القُوى، وتفسد فيه الحواس ويختل فيه النطق والفكر ويحصل فيه قلة العلم وسوء الحفظ والخرف، وخصَّه اللّه بالرذيلة لأنه حالة لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد.

 

إلا أن من المفسرين من ذكر أن بعض المؤمنين يُستثنون من حالة الردّ إلى أرذل العمر. قال القرطبي: إن هذا لا يكون للمؤمن - يعني الخرف والرد إلى أرذل العمر -، لأن المؤمن لا يُنـزع عنه علمه، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قوله: ليس هذا في المسلمين لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند اللّه وعقلاً ومعرفة، ونُقل عن عكرمة قوله: من قرأ القرآن لم يُرد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئاً، ونقل السيوطي في تفسيره أنه قال: "كان يقال إن أبقى الناس عقولاً قراء القرآن".

 

وقال الشنقيطي عند تفسير الآية السابقة: إن العلماء العالمين لا ينالهم هذا الخرف وضياع العلم والعقل من شدة الكبر؛ لأن المؤمن مهما طال عمره فهو في طاعة وفي ذكر اللّه فهو كامل العقل وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب اللّه المداوم على تلاوته لا يُصاب بالخرف ولا بالهذيان.

 

وما سبق ذكره يتناول حفظ اللّه لعقل المسلم الحافظ للقرآن، أما عن حفظ اللّه لقوة المسلم عند كبره فقد ذكر ابن رجب عند شرحه لحديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم "احفظ اللّه يحفظك احفظ اللّه تجده تجاهك، تعرف على اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة.".. إن من حفظ اللّه في صباه وقوته حفظه اللّه في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.

 

حوادث ودلالات

 

وتروي كتب السِّيَر حوادث عديدة تأكيداً لذلك، فهذا أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فركب مرة سفينة فلما خرج منها قفـــز قفـــزة قـــوية لا يستطيعها الشباب فقيل له: ما هذا يا أبا الطيب؟ فقال: ولِمَ؟ وما عصيت اللّه بواحدة منها قط، وعلى العكس من ذلك رأى أحد السلف شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضيع اللّه في صغره، فضيعه اللّه في كبره.

 

وبكل حال فالمسلمون لا يصلون إلى هذه المراحل التي تحدث فيها هذه المتغيرات، وهذا التدهور الصحي، والبدني، والنفسي، ذلك أن أعمار المسلمين غالباً بين الستين إلى السبعين قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" وهذا بشكل عام لجميع المسلمين إلا أنه يمكننا القول أيضاً، إن المسلم المؤمن الحافظ لحدود اللّه الحافظ للقرآن لا تصيبه المتغيرات التي تحدث للإنسان في مرحلة الشيخوخة، وإن حدثت فهي أقل ولا شك مما يصيب الآخرين، أو تتأخر فلا تحدث إلا في آخر أيامه ويظهر وكأنه لم يصب بها.

 

يضاف إلى ذلك أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم دعا لبعض أصحابه بطول العمر، ولو كان طول العمر شراً للمؤمن أو سوءاً ما دعا به صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه ولما شرع لأمته من بعده أن تدعو به، كما دلّنا الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى بعض الأعمال الفاضلة التي بسببها يطول عمر الإنسان، ومن ذلك: بر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، وتقوى اللّه.

 

ولقد فسر بعض العلماء رحمهم اللّه زيادة العمر بأنها البركة في العمر، وبعضهم أوَّلَها بالذكر الحسن بعد وفاة الإنسان فلا يضمحل ذكره في الدنيا سريعاً، وبعضهم قال: إن الزيادة في العمر هي الذرية الصالحة يدعون له من بعده وقيل إن المقصود نفي الآفات، والزيادة في الأفهام والعقول، كما قيل إن المقصود بزيادة العمر: السعة في الرزق والزيادة فيه.

 

والذي يترجح أن زيادة العمر الواردة في الآثار السالفة هي زيادة في العمر على حقيقتها إذا عمل الإنسان لذلك وقام بالأسباب التي تزيد في العمر والمذكورة في الآثار السابقة.

 

وهناك محاولات لعلاج أمراض الشيخوخة والهرم الذي يصيب بعض الناس في كبرهم، إلا أن هذه المحاولات مكتوب لها الفشل مسبقاً بنص حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي يرويه أسامة بن شريك رضي اللّه عنه أن الأعراب قالت: يا رسول اللّه ألا نتداوى؟ قال: "نعم يا عباد اللّه تداووا فإن اللّه لم يضع داءً إلا ووضع له شفاءً إلا داءً واحداً قالوا: يا رسول اللّه وما هو؟ قال: الهرم".

 

المسن في التراث الإسلامي

 

إن للمسن مكانته المتميزة في المجتمع المسلم، فهو يتعامل معه بكل توقير واحترام، يحدوه في ذلك قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" ويظهر ذلك التوقير والاحترام في العديد من الممارسات العملية في حياة المجتمع المسلم، وجميع هذه الممارسات لها أصل، بل فيها حث نبوي فضلاً عن ممارساته صلى اللّه عليه وسلم مع المسنين وتوجيه أصحابه نحو العناية بالمسنين وتوقيرهم واحترامهم، وتقديمهم في أمور كثيرة، فها هو صلى اللّه عليه وسلم يأمر خادمه أنس رضي اللّه عنه صراحة بذلك ففي الحديث: "يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير..."، وفي إلقاء السلام أمر صلى اللّه عليه وسلم أن "يُسلم الصغير على الكبير" وأن يبدأ الصغير بالتحية ويلقيها على الكبير احتراماً وتقديراً له، وفي الكلام أمر صلى اللّه عليه وسلم ألا يتكلم الصغير في أمر دون الكبير، ففي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "كبر الكُبَر"، يعنى لِيَلِيَ الكلام الأكبر. ولقد أمر صلى اللّه عليه وسلم أن يُبدأ بتقديم الشرب للأكابر ففي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سُقى قال: "ابدؤا بالكبراء أو قال: بالأكابر"، وقال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلحق به الطعام والشراب والمشي والكلام.  

 

ولمكانة المسن ووقاره نجد الإسلام يحث الشباب على التشبه بكبار السن لما لديهم من خصال حميدة، فيروى عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قوله: "خير شبابكم من تشبه بكهولكم..." أي التشبه في سيرتهم فإنه يغلب عليهم الوقار والحلم وهما صفتان محمودتان.

 

وهكذا فالمسن له مكانته في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم، ولقد اتبع ذلك أصحابه رضي اللّه عنهم ومن بعدهم، فهذا عمر رضي اللّه عنه يتعاهد امرأةً عجوزاً، فتورد كتب التاريخ أن عمر رضي اللّه عنه خرج في الليل، فرآه طلحة، فذهب عمر فدخل بيتاً ثم دخل بيتاً آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة. فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.

ولقد تطبع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه انقياداً لتعاليم دينهم واتباعاً لسنة رسولهم صلى اللّه عليه وسلم، فكان الإمام أحمد - رحمه اللّه - من أشد الناس توقيراً لمن هو أسن منه، فيروي عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكباً، على حماره فأخذ له الإمام أحمد بالركاب. وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ.

 

وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: "حدثنا ابن إدريس عن ليث قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك" فهذا خلقهم رحمهم اللّه فالأسن مقدّم ولو كان الفارق ليلة فكيف إذا كان الفارق سنة أو سنوات؟!، وروى الحسن بن منصور قال كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يوماً نعود مريضاً فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق وقال ليحيى تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني. وتتوالى الوصايا من الأب إلى الأبناء بامتثال ذلك الخلق والحث على التحلي به وعدم التفريط فيه فهذا أحد الآباء يوصي بنيه حين حضرته الوفاة وصية طويلة جاء فيها: (وسودوا أكابركم، فإنكم إذا سودتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سودتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم...).

 

ولا شك أن مقتضى التوقير والاحترام للمسنين في المجتمع المسلم الاستفادة من خبرتهم وحكمتهم وتجاربهم في الحياة لذلك قــــــام الإمـام أبو حــــــاتم السجستاني (ت 235هـ)، بتأليف كتابه "المعمرين من العرب" جمع فيه أخبار أكثر من (100) معمر من العرب، أورد على لسانهم بعض الحكم وتجارب الحياة الطويلة التي مرت عليهم.

ولقد تشرب المجتمع المسلم ذلك الطبع وهذا الاحترام والتوقير لكبار السن وأصبح سمة من سماته، فلا تكاد تجد كـتاب حــــديث، أو زهد، أو توجيهات، أو نصح إلا ويعقد فيه باب أو أكثر عن توقير الكبير أو تسويده أو احترامه أو إكرامه، بل وضعوا قواعد لذلك، فيقرر ابن عقيل أن من مشى مع إنسان أكبر منه فيمشي عن يمينه يقيمه مقام الإمام في الصلاة، وإن كانوا جماعة فيستحب مشي الجماعة خلف الكبير.

 

إذاً فالمسن في المجتمع المسلم يعيش في كنف أفراده ويجد له معاملة خاصة تتميز عن الآخرين، ولم تقتصر هذه الرعاية والعناية على المسن المسلم، بل امتدت يد الرعاية لتشمل حتى غير المسلم طالما أنه يعيش بين ظهراني المسلمين، فهاهي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر رضي اللّه عنه مع ذلك الشيخ الكبير الضرير، فيذكر أبو يوسف في كتابه الخراج "أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مرَّ بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ  كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه فقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر رضي اللّه عنه بيده فذهب به إلى منزله، فرضخ له من المنزل بشيء ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فواللّه ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، ثم قرأ قوله عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} فالفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.

 

وهذا خالد بن الوليد من بعد عمر رضي اللّه عنهما يمارس دوره في رعاية المسنين ويعطيهم حقهم من الرعاية والعناية في المجتمع، حتى وإن لم يكونوا مسلمين، فلقد صالح أهل الحيرة وجاء في صلحه معهم أنه قال: "أي شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين.

 

ومن بعد خالد بن الوليد يسير عمر بن عبدالعزيز في ذلك الركب المبارك فها هو يكتب لعامله عدي بن أرطأة في رسالة طويلة ما نصه "وانظر من قبلك من أهل الذمة من قد كبرت سنّه وضعفت قوّته، وولّت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه"، ولقد قرر أبو يوسف في كتابه الخراج أن الجزية لا تؤخذ من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل.

 

وإضافة لتلك الرعاية الخاصة يمكننا أن نلمس صوراً من الرعاية العامة للمسنين، وذلك حينما تعجز الأسر عن تقديم الرعاية اللازمة للمسن، أو حينما لا يكون هناك  راعٍ للمسن، فلقد ظهر في المجتمع المسلم ما يسمى بالأربطة وهي أماكن تهيأ وتعد لسكنى المحتاجين، وأصبح بعضها ملاجئ مستديمة لكبار السن، فالأصل هو رعاية المسن في أسرته، ثم الفرع، وهو ظهور هذه المؤسسات الاجتماعية مثل الأربطة والأوقاف والدور الاجتماعية وهي في نبعها جهود أهلية من المحسنين من أفراد المجتمع المسلم ثم تولتها الدول بعد ذلك ولازالت قائمة في العديد من الدول والمدن، وبخاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

 

ولقد امتدت يد الإسلام الحانية إلى كبار السن حتى في حالة الحرب مع الأعداء؛ ففي الوقت الذي لم يعرف العالم الحديث آداب الحرب إلا في القرن الماضي، كان الإسلام قد جاء بها ونظمها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، فمن المعلوم أن أول معاهدة رسمية حول آداب الحرب لم تظهر إلا في عام 1856م، والتي تسمى (تصريح باريس البحري) ثم توالت الاتفاقات وأبرزها اتفاقات جنيف التي دونت عام 1949م والخاصة بمعاملة جرحى وأسرى الحرب وحماية الأشخاص المدنيين. ورغم وجود هذه المعـــــاهدة فإنها لا تطبق إلا في حالة قيام الحرب بين دولتين موقعتين على المعاهدة.

 

أما في الإسلام فكانت هذه الآداب الحربية تطبق ابتداءً حتى ولو لم تكن هناك أية اتفاقات أو معاهدات، فها هي سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تنطلق يمنة ويسرة ناشرة الخير والنور، ولقد اشتملت وصاياه صلى اللّه عليه وسلم إلى الجيوش على عدد من التوجيهات، منها: العناية بالشيوخ وكبار السن والاهتمام بهم وعدم قتلهم أو التعرض لهم، ففي الحديث: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث جيشاً أو سرية دعا صاحبهم، فأمره بتقوى اللّه وبمن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا بسم اللّه، وفي سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه لا تغلُّوا وتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا شيخاً كبيراً"، ويتضح من نص الحديث أن ذلك كان ديدنه صلى اللّه عليه وسلم في كل غزوة أو سرية ولم تكن محض صدفة أو مقولة يتيمة خرجت من فيّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فالراوي يقول: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث جيشاً أو سرية.." فاللفظ يدل على تكرار ذلك الفعل والقول، ففي حادثة أخرى ورد قوله صلى اللّه عليه وسلم: "اغزوا باسم اللّه فقاتلوا عدو اللّه وعدوكم.. ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ضرماً ولا كبيراً فانياً ولا تقطعن شــجرة ولا تعقرن نخلاً ولا تهدموا بيتاً".

 

ولقد اقتدى الخلفاء الراشدون بهديه عليه أفضل الصلاة والسلام في عدم التعرض للمسنين في الحرب، فيروي الطبري في تاريخه أن الصديق رضى اللّه عنه أوصى أسامة بن زيد رضي اللّه عنه حين بعثه للشام بوصايا نفيسة وكان مما جاء فيها "يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني، لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة"، وفي حادثة أخرى أن أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع قائد الجيش فقال وإني موصيك بعشر: لا تقتل امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً".

 

وهذا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يوصي قادة جيوشه وكان مما قـــــاله ".. لا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند حُمَّة النهضات وفي شن الغارات".

 

وفي الوقت الذي كان المسن يجد فيه كل تقدير واحترام ورعاية وتوقير من قبل أفراد المجتمع المسلم وبتوجيه من دينه الحنيف وتأكيد من رسوله العظيم صلى اللّه عليه وسلم نجد أن المسن يعيش في حالة متردية في بعض الحضارات الأخرى فها هو إفلاطون مثلاً يرى أن العناية يجب أن توجه إلى أصحاب الأجسام السوية، والعقول القـوية، وأمـا ما عداهم فيهملون ليكون نصيبهم الموت!.

 

لذلك لا عجب أن نجد الدراسات حول سوء معاملة المسنين في الغرب قد تزايدت مؤخراً، وبدأت تأخذ فصولاً عديدة في القانون، وأصبحت قضاياهم تمثل نسبة مرتفعة من الدعاوى في المحاكم الجزائية، فمع بداية عام 5891م قامت عدة ولايات أمريكية بسن القوانين التي تتعلق بسوء معاملة المسنين واعتبرت المسيء إلى المسنين بالضرب أو منع الطعام بمثابة المخل بالقانون، وهذا أدى بدوره إلى تزايد ظـــاهرة إنشاء مساكن المسنين في عدد من الدول الغـــربية. لاســـتنقاذهم من الإهمال الذي قد يجدونه من أسرهم.

 

بقي أن نشير في الختام إلى ضرورة توقير الكبير واحترامه وتقديره تقرباً إلى اللّه، وانتظاراً للجزاء الحسن من اللّه لقاء ذلك، فلقد ذكر بعض شراح الحديث "ما أكرم شابٌ شيخاً لسنه إلا قيّض اللّه له من يكرمه عند سنه" إن الشاب إذا أكرم شيخاً ووقره قيض اللّه من يكرمه عند كبره وفي هذا دليل على إطالة العمر، ولعل مما يساعد على حسن معاملة المسنين من قبل الشباب التعرف على الخصائص التي يتصف بها المسن حال كبره، والتي ذكرت في المتغيرات المصاحبة للشيخوخة في بداية المقال، حتى تكون هي المداخل التي يسلكها الشاب لتحقيق التوقير والاحترام المطلوب لكبير السن

-------------------------------------------------------

 

المراجع

●  رعاية المسنين في الإسلام، عبداللّه بن ناصر السدحان.

●  تاريخ عمر بن الخطاب، ابن الجوزي.

●  الآداب الشــرعية والمنــــح المرعية، ابن مفلح.

●  الخراج، أبو يوســــف، تحقيـــق محمد البنا.

●  فن الحرب عند العرب، جمال محفوظ، في موسوعة الحضارة الإسلامية.

وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية المساعد

ansadhan@yahoo.com

 

  © نوفمبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ."