|
رحلة ورحالة |
|
|
|
|
عـــــرض: أحمـــد محـمّد محمود* قال تعالى {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً. إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً} "الكهف: 83-98". اختلف المؤرخون والرواة والمفسرون في شأن ذي القرنين على أقوال عديدة يصعب الجمع بينها، كما يصعب القطع بصحتها كلها لتباعد تفسيراتها وتعليلاتها، ونقل ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) بعضاً من هذه الأقوال عن ذي القرنين: "قيل ملكاً من الملوك العادلين، وقيل نبياً وقيل رسولاً، وقيل إنه ملك فارس والروم، وقيل الإسكندر المقدوني، وقيل إنه كان من حمير وأمهرومية"، وقد خرج بعض المفسرين بمحاولة للجمع بين الروايات فقالوا "ملك صالح، نصح اللّه فأيده".
آراء متباينةونقل ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان): "أن الجبلين اللذين بنى عليهما السد هما: أرمينية وأذربيجان، وفيما ذو القرنين يسير إذ وجد أمة صالحة يهدون بالحــق وبه يعدلون، يقسمون بالسوية ويحكمون بالعدل، ويتأسون ويتراحمون، حالهم واحدة وكلمتهم واحدة وأخلاقهم متشابهة، قلوبهم متآلفة، ســيرتهم حســـنة، قبـــورهم على أبــــوابهـــم، وليس لبيــــوتهم أبواب، وليــــس عليهم أمراء وليـــــس بينـهم قضــــاة، وليـــــس بينــهم أغنــياء، ولا مــلوك ولا أشــراف، لا يتفـاوتـــون ولا يتفاضلون، ولا يختلفون ولا يتنازعون، ولا يستبون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات، وهم أطول الناس أعماراً، ليس فيهم مسكين ولا فقير ولا فظ ولا غليظ، وجدوا آباءهم يواسون فقراءهم ويرحمونهم.. إلخ".
ويرى الطاهر بن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير) أن اليهود الذين كانوا منفردين بمعرفة أخبار أهل الكهف وذي القرنين والروح: أرادوا اختبار نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، فجعلوا مشركي قريش يسألونه صلى اللّه عليه وسلم عنها، فأذن اللّه لنبيه بأن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع اللّه تعالى في اختلاف أحوال الخلق، ولم يتجاوز القرآن ذكر ذي القرنين بغير ما اشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شـــؤون أهل القصص والتاريخ وليس من أغراض القرآن.
وعرض المفسر الجليل الاختلاف بين المفسرين في تعيين من هو ذو القرنين :"اختلافاً تفرقت بهم فيه أخبار قصصية وتاريخية واسترواح من الاشتقاقات اللغوية، وهو اختلاف يتصل باختلاف القصاص الذين عنوا بأخبار الفاتحين عناية تخليط لا عناية تحقيق".
ويستبعد ابن عاشور أن يكون هو الإســكندر المقـدوني، لأنه لم يكن ملكاً صالحاً، ويستبعد أن يكون الملك الفارسي أفريدون "والذي يظــهر لي أن ذا القرنين ملك من ملوك الصين هو تســـــين شـــي هـــوانق تي، لأسباب، منها أن أعظم الســدود موجود في الصين اليوم يفصــل بينها وبـــين المغول، وبـلاد الصـــين في عهد هذا الملك كانت تدين بالكونفوشـيسية فلا جــــرم أن كــان أهلـــها قـــومــاً صالحين".
واقعة تاريخيةنعود الآن إلى "سلام الترجمان" الذي اشتهرت رحلته إلى الأصقاع الشمالية من قارة آسيا بحثاً عن سد ذي القرنين، فقد اعتبر المستشرق "دي خويه "رحلته واقعة تاريخية لاشك فيها وأنها جديرة بالاهتمام، وأيده في هذا الرأي خبير ثقة في الجغرافيا التاريخية هو "توماشك"، وفي الآونة الأخيرة يرى عالم البيزنطيات "فاسيلييف "أن سلاماً نقل ما شاهده في رحلته للخليفة العباسي الذي أوفده لهذه المهمة، وبعد أن نقل المستشرق الروسي "كراتشكوفسكي" هذه الآراء مع آراء المشككين في الرحـــلة، قــال: ويـــــلوح لي أن رأي - فاسـيلييف - هذا لا يخلو من وجاهة رغماً من أن وصف الرحــــلة لا يمكن اعتباره رسالة جغرافية، بل مصنف أدبي يحفل بعناصر نقلية من جهة وانطباعات شخصية صيغت في قالب أدبي من جهة أخرى.
وبدأت قصة الرحلة عندما رأى الخليفة العباسي الواثق باللّه (232- 722م) في المنام حلماً تراءى له فيه أن السد الذي بناه الإســـكندر ذو القـــرنين ليحــول دون تســــرب يأجـــوج ومأجوج، قــد انفتـــح، فـــــأفـــــزعه ذلك، فكلف ســلام التــرجمان بالقيام برحـــلة ليسـتكشف له مــكان سد ذي القرنين.
ويروي لنا المسعودي في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، وابن خرداذيه في كتابه (المسالك والممالك) قصة هـــذه الرحلة على النحو التالي:
"إن الواثق باللّه لما رأى في المنام أن السد الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج مفتوحاً، أحضر سلاماً الترجمان الذي كان يتكلم ثلاثــــين لســــاناً، وقال له إذهب وانظر إلى هذا الســــد وجئني بخبره وحاله، وما هو عليه، ثم أمر له بأصحاب يســيرون معـــه وعــــددهم 60 رجلاً ووصله بخمسة آلاف دينار وأعطاه ديتـــه عشرة آلاف درهم، وأمر لكل واحد من أصحابه بخمسين ألف درهـــم ومؤونة ســــنة ومئة بغـــل تحمل الماء والــــزاد، وأمر للرجال باللبـــابيــد وهي أكســـية من صـــــوف وشعر.
"فيكون البناء فوق العتبة 60 ذراعاً وفوق ذلك شرف من حديد، في كل شرفة قرنتان تنثني كل واحدة على الأخرى، طول كل شرفة خمسة أذرع في أربعة، وعليه سبع وثلاثون شرفة، وباب من حديد بمصراعين معلقين عرض كل مصراع 50 ذراعاً في 75 ذراعاً في ثخن خمسة أذرع، وقائمتان في دوارة على قدر العتبة، لا يدخل من الباب ولا الجبل ريح، وعلى الباب قفــل طوله سبعة أذرع في غلظ باع في الاسـتدارة، والقفل لا يحتضنه رجلان وارتفاع القفل من الأرض 25 ذراعاً، وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفــل، وقفــيزاه كل واحد ذراعان وعلى الغلق مفتاح معلق طوله ذراع ونصف، وله 21سناً من الأســـنان واستدارة المفتاح 4 أشبار معلق في سلسلة ملحومة بالبـــاب طولها 8 أذرع في 4 أشـــبار، والحلقة التي فيــها الســلسلة مثــل المنجنيـق، وعتبة البـــاب عرضها 10 أذرع في بســـط مائة ذراع، ومـــع الباب حصـــنان يُكوِّن كل منهــما 200 ذراع.
"وفي أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السد، من قدور الحديد ومغارف حديد، وهناك بقية من اللبن الذي التصق ببعضه بسبب الصدأ، ورئيس تلك الحصون يركب في كل يومي إثنين وخميس، وهم يتوارثون ذلك الباب كما يتوارث الخلفاء الخلافة، يقرع الباب قرعاً له دوي، والهدف منه أن يسمعه مَن وراء الباب فيعلموا أن هناك حفظة وأن الباب مازال سليماً، وعلى مصراع الباب الأيمن مكتوب {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً}، والجبل من الخارج ليــــس له مـــتن ولا ســـفح، ولا عليه نبات ولا حشيش ولا غير ذلك، وهــو جبل مســطح، متســع، قـائم أملس أبيض".
وبعد تفقد سلام الترجمان للسد انصرف نحو خراسان ومنها إلى طبانوين، ومنها إلى سمرقند في ثمــــانية أشهر، ومنهــا إلى أســــبيشاب، وعبر نهر بلخ ثم صار إلى شروسنة فبخــــارى وترمذ ثـم إلى نيسابور، ومات من الرجال في الــــذهاب 22 رجـــلاً وفي العــودة 24 رجلاً.
وورد نيسابور وبقي
معه من الرجـــــال 14 ومن البــــغال 23 بغلاً، وعاد إلى (سر من رأى)
فأخبر الخليفة بما شاهده.. بعد رحـــلة استمرت 16 شهراً ذهاباً و12 شهراً
في الإياب" -------------------------------------------------------------------------------------------- * كاتب سعودي المرجــــع:
1-البداية والنهاية للحافظ ابن كثير .النــــاشر: مكتبة المعـــــارف بيـــروت ط2 عام 1977م. 2- تاريخ الأدب الجغرافي العربي كراتشكوفسكي .الناشر : جامعة الدول العربية القاهرة. 3-المسالك والممالك لابن خردا ذبه. الناشر: وزارة الثقافة السورية عام 1999م. 4-الشريف الإدريسي ودور رحلته وجغرافيته للدكتور محمد مرسي الحريري .الناشر: دار المعرفة الجامعية. الإسكندرية 1965م.
|
|
|