|
دراسة نقدية |
|
|
|
|
وهذان الاتجاهان الشعريَّان يرتبطان بالمدرسة الرومانسية ارتباطاً وجدانياً وفنياً، ولهما أثرهما الغائر في aأجيال متعددة من الشعراء العرب المعاصرين.
والشعر عند أصحاب "النزعة الرومانسية" ليس محاكاة للحياة والطبيعة.. بل هو خلق جديد، وأداة الخلق ليست العقل ولا الملاحظة المباشرة بل الخيال المبتكر، أو المؤلف بين العناصر المشتتة في الواقع الراهن، أو في ذكريات الماضي، بل وفي إرهاصات المستقبل -كما يقول د. محمد مندور.
وهذا التيار "الرومانسي" لم يصبغ الشعراء جميعهم بصبغة واحدة، بل كل شاعر غدا له مذاقه، ورؤيته، وبصمته، فالشعر أسرة أفرادها القصائد - كما يقول د. زكي نجيب محمود-، والقصيدة الواحدة إن كان لها أخت توأم تطابقها كل المطابقة، فقدت مميزاً من أهم مميزات الشعر، بل مميزات الفن على اختلاف أنواعه، وهو التفرد الذي لا يقـــبل التكرار، لا فـــي ماض ولا فــــي حاضــــر، ولا مستقبل، وإذن فتباين أفراد الأسرة هنا أمر محتوم، وليس هو بالعرض الذي يحدث أو لا يحدث دون أن يتأثر الموقف بحدوثه.
والشاعر "محمد صالح باخطمة" لم تجرفْه موجات التجديد الشعري المتناحرة، ولم يُفْتن بسرابها الخادع البراق، وإنَّما نراه في ديوانه يستجيب لأصداء نفسه، وتموجات مشاعره، وانعكاسات هذه الأصداء والتموجات على رؤيته للآخر، وموقفه من حركة الحياة، وهو موقف إيحائي هامس، يظل بمنأى عن "الجهارة الخطابية واللغة التقريرية" والتجارب الحماسية الصارخة.
وعلى الرغم من عدم تعدد ألوان التجارب الشعرية في ديوان "نَقْش على الماء"، فإن تجربة الشاعر "الوجدانية" تتنوع أبعادها، تنوعاً ثرياً على مستوى الرؤية والتشكيل، وهذا التنوع لا يقحم نفسه في الحقول الشعرية الحديثة الغامضة التي تتنوع أُطُرها الفنية وتتعدد طرائق توظيفها للغة والتراث، واسترفاد الموروث العربي والإسلامي، وتظل التجربة الموهبة هنا متفتحة نوافذها للقارئ، لا توصد باباً، ولا تصد شعوراً، وإنَّما ثمارها ناضجة وقطافها دانية، لا غموض يحجبها ولا تعقيد يخنقها.
والرؤية الشعرية في هذا الديوان تشع بهذه الأبعاد المتعددة:
1- البعد الذاتي. 2- البعد التأملي. 3- البعد الإنساني. 4- البعد الاجتماعي.
البعد الذاتي
وأصداء هذا البعد الذاتي يعلو إيقاعها في القصائد الآتية:
(أصداء الشاطئ- الشوق العائد- القلب الشاعر- أطياف شاردة- حكاية قلب- قبض الريح).
ولنستمع إلى شاعرنا وهو يدافع عــــن فنّه، ويُعْلن أنه ما زال قابضـــاً على جمْره:
هو في أعماق روحي بارق حلو التمني في ليالي السهد والآهات يشدو يبعد الآهة عنِّي عجباً يا قلب أنت اليوم في شك وظن حيث يخلو الكون إلا من صدى لحني المرنّ فإذا الأطيار من فرط الأسى تبكي لحزني.
..وفي قصيدة "هذا أنا" تتجلى فلسفة الشاعر، وتبرز هويته ويكشف لنا عن ملامــــح ذاتـــه في تفاعلها مع الاخرين، وفي موقفها مع تيارات الزمن المائجة. يقول مخاطباً ملهمته:
قالت صف نفسك: لا تكذب قل لي من أنت ولا تهرب أنا يا ملهمتي صمتُ الأيام وأنا فرحتها إذْ تخصب لي حكمة شيخ مختبر لي نزقُ الأطفال المتعب إني كالبحر إذا يصفو وأنا كالبحر إذا يغضب رأس كالطود.. فلا ريح تثنيه ولا حرّ يلهبْ لي قلب.. يهوى من زمن لم يحقد يوماً أو يعتبْ عمري.. ما عمري.. أغنية من قبل لقائك لم تكتبْ
.. والديوان يفصح عن ذات الشاعر في كثير من التجارب.
البعد التأملي
أيها البحر.. وكم تطوي من السر الدفين. كم طوت أمواجك الصماء آلام الحزين. كم شجيِّ جاء بالدمع فأرْواك السخين. أيها البحر.. وكم تاهت على شطك رُوحي. منذ عامين وكان الشط مفتون الصدوح. يوم أرسلت مع الموج بأنات جروحي. كنت يا بحر تناديني.. وتذكي من طموحي.
إن هــــــذا لعزف على الوتر الرومانسي، والاحتــــماء بالطبيعة يعـــــيدنا إلى الإيقـــــاع الرومـــانسي الممتــــــزج بالخوف والحيرة والقلق، والإحساس بالاغتـــــــراب الزماني والمكـــاني، يُعيــــدنا إلى صوت إبراهيم ناجي.. وأبي القــاسم الشابي.. وإلى حقـــل التجـارب الرومانسية الصادقة.. و"نداء الغروب" من أعمق التجارب التأملية في هذا الديوان.. فالشاعر يبحث عن "بلاده المحجوبة" ويرثي ميراثه الضائع، ويبكي جمال واقعه الشاحب، وذلك في إيقاع جديد، ونغمات قصيرة.. تشبه نبضات القلب السابح في نجاواه، وصدى الخطوات الباحــثة عن أليف تاه.. وما أشبه هذه النغمات التأملية بإيقاع "نسيب عريضة" في قصيدته "يا نفس" وأصداء "نعيمة" في قصيدته "التائه"، وغيرهما من تجارب الشعر المهجري.. وهو يتماثل مع هذه التجارب رؤية، وصوراً وأساليب ومفردات لغوية إيحائية.. يقول الشاعر:
في ثنايا الوجودْ لم أجد من أثرْ غير ناي حـزينْ صار يشكو الضجرْ أخرسته السنونْ بعد طول السمرْ كان حولي ضياءْ مفعم بالأملْ كم أنار الطريق من طوايا الزللْ أطفأته الرياح وطواه الأجلْ
البعد الإنساني
والخيط التأملي في شعر محمد صالح باخطمة.. لا ينقطع حتى في التجارب الإنسانية التي تنفتح على قضايا الإنسان ومشكلاته، وتنأى عن الدوران الحبيس في فلك الذات، ومن هذه التجارب قصيدته التي جمع فيها بين الحب والسياسة، وهي أشبه.. بالقصة الشعرية.. التي تنتظم تجربة الشاعر.. وموقفه من صراع السياسة المحموم، ويتكرر في هذه التجربة أسلوب الاستفهام، كثيراً.. إيحاءً بالحيرة والقلق، والخوف، وتتكرر كلمة "قصة".. في أول مقطوعة من هذه القصيدة.. إيحاءً بأن الصراع السياسي قصةً داميةً متكررةً في كل زمان وفي كل مكان.. في كل العصور. ولدى كل الشعوب. ولنتأمل قصة الشاعر -الراكض بين الحب والسياسة- حيث يقول:
قصتي أغرب ما غناه مفتون وما راوٍ رواهْ. قصة الظامئ للنور.. وفي النور ارتعاش من رؤاهْ. قصة التائه في الكون فلم يهدأ ولم يبلغ مناهْ. قصة ردّدها الليل وغناها على طول مداهْ. هل رأيتم غير دنيا مُزِّقتْ أرجاؤها ضلَّتْ هداها. قسَّموها بين ضدين وكل منهما يبغي اتجاهاً. واحد في الشرق.. والآخر في الغرب.. وكل يتباهى. بالردى والذرة الحمقاء والدنيا إذا اسودت رؤاها!
البعد الاجتماعي
والبعد الاجتماعي في تجربة الشاعر.. ليس رصداً مباشراً لما ينفعل به من ظواهر وأحداث اجتماعية خاصة أو عامة، ولكن التأمل والحرص على الخصوصية في التناول يغلف التجارب الاجتماعية، وهي مزيج من الحب والسياسة، والالتحام بالقضايا الاجتماعية المتعددة.
ومن هذه التجارب الاجتماعية: قصيدة "إليه.. إلى الذي أعنيه ولا أسمّيه".
وهو يصور فيها نموذجاً -اجتماعياً مرفوضاً- يتجسد فيه التصاعد والادعاء والجهل:
متقلب هو كالزمان.. ويرتدي ثوب النبالة وهو الحقود وإن تظاهر.. بالمودة في خباله ومداهن أبداً يغيِّر جلده.. في كل حاله
وقصيدة "رجل تحوّل".. تجسد رمزاً من رموز حياتنا الماضية قبل اختراع الآليات الحديثة التي تجمدت داخلها الأحاسيس والمشاعر، وفقدت الرسائل المكتوبة مكانتها الأولى وتأثيرها العميق في النفوس، ولم يعد "لساعي البريد" أو "موزع الأشواق" دور في عصر.. صناديق البريد، وعصر "المحمول" و"الإنترنت".
وجاء وصف الشاعر دقيقاً طريفاً حين قال: إنه "موزع الأشواق"، وكأنه القمر يهل.. مضيئاً بما يحمل من نجاوى وخواطر:
وموزع الأشواق حين يهل تعرفه الخلائق من بعيدْ متأبطاً رزم الرسائل ليس يعرف ما بداخلها سعيدْ هو لا يغيب.. وكل أشجان الأنام إذا تأخر تستزيد ما عاد يأتينا ويشهد رَفَّة الأهداب إن وافى كعيد هل نامت الأشواق. هل ماتت، فلا خل تذكر لا جديد أم هل كبرنا- فالرسائل للصغار.. زماننا أضحى بعيد زمن مضى رجل تحول.. أو تطور صار صندوق البريد
من معالم التشكيل الفني
..ومرثية الشاعر "حمزة شحاته".. تقترب من عالم شعر "التفعيلة" إيقاعاً ورؤية، وصوراً، ولبنات لغوية إيحائية رامزة.. يقول في هذه المرثية "الفارس غاب":
يا من علّمني أن الغربة في النفس وليست في بعد الأوطان يا من علمني أن العالم سجن والسجان هو الإنسان الفارس غاب ركب االفرس المغسول بضوء الفجر وسارْ...!!
والشاعر في تعامله مع بحور الشعر.. نراه ينظم على البحور.. المألوفة مثل "الرمل، والمتقارب، والمتدارك، والوافر، والبسيط" وبقية البحور ذات الإيقاع المألوف المنسجم مع حاسة التلقي عند الإنسان العربي.
ونلاحظ أن الشاعر يكثر من النظم على بحري "الرمل، والمتدارك"، وهما من البحور التي لم يكثر من النظم في قالبيهما القدماء، وإنما أكثر منهما المحدثون، وذلك لسرعة إيقاعها ومواءمته لسرعة إيقاع العصر.
ولنصغ إلى هذا الإيقاع الشجيّ.. من قصيدة أصداء الشاطئ، وهي من بحر الرمل التام. يقول:
كان لي بالأمس شدو وهوى قد توارى اليوم في طيّ النحيبْ ههنا صغت لحوني باسماً وأراني اليوم أخطو في وجيبْ لا أرى من أمسي الزاهي صدى فأنا اليوم على الشط غريبْ
وعلى وتر "المتدارك" يعزف الشاعر هذه الإيقاعات الجميلة التي تذكرنا بقصيدة "الحصري":
ياليل الصــب متى غـــــــده أقيام الساعة موعده
وقصيدة شوقي:
مضناك جفاه مرقده فبــكاه ورحــــــــم عــــوده
يقول الشاعر مناجياً "القمر":
ذهب السمار وما شعروا أني مفتون يا قمر أسفح آهاتي مبتسماً أشدو ودموعي تستتر في بعض رجاء مصطبر لولاه لفاضت تنهمر ياليل عساك رفيق شج الحب له وعد... قدر تهديه ذخائر عن شغف زمر الذكرى تتلوها زمر
ونلاحظ أن الصورة لدى الشاعر "محمد صالح باخطمة" تدور في إطار "الخيال" الرومانسي، وتقترب أحياناً من الصورة التقليدية المألوفة في شعرنا العربي، وتبتعد الصورة الشعرية هنا عن الصورة التجسيمية التي يتسم بها "البرناسيون"، وليست هي من الصور المهمومة المشوبة بالغموض والتكثيف كشأن الصورة عند "الرمزيين" الذين يعطون الأهمية الأولى للظلال لا للألوان.
وللشاعر تعبيرات جديدة طريفة تثير دهشة القارئ المتذوق، وتوحي بدلالات متعددة تثري التجربة، وتنبئ عن شاعرية متمكنة، والشاعر كثيراً ما يقدم تجاربه في إطار قصصي، أو إطار حواري.. يكسب القصيدة تماسكاً وتآلفاً، وفي بعض التجارب يأتي الحوار في صورة مناجاة ذاتية بين الشاعر وبين نفسه، كما في قصيدة "الموعد الأخضر".
ووفق الشاعر في إهدائها إلى شاعر التأملات الكبير الأستاذ محمد حسن فقي.. فشعره.. ينحو كثيراً هذا المنحى المتعدد الأبعاد التأويلية.. فَمَنْ هذه؟ "سيدة الأوقات" إنها الزمن كله:
أنْتِ الفصول جميعاً.. قد جمعتِ بها حلو الشمائل لا قَصْد ولا قَتَرُ أنت الربيع إذا ما هلّ مبتسماً فيه النسائم فيه العطر والزَّهَرُ أنت الخريف سحاباتُ محملةٌ فيها العطاءُ.. تباهَتْ وهي تنهمِرُ
وهي كما صورها الشاعر: الشتاء والصيف والربيع والخريف والصبح، وهي الحاضر والمستقبل والماضي.. إنها سيدة "الزمن".
فأنت سيدة الأوقات.. حاضرها.. وما مضى أو سيأتينا به العمر.
وبعد.. فهذه إطلالة على عالم الشاعر المضيء ..
وكنت آمل أن أترك القارئ يكتشف بنفسه تضاريس الحقل الشعري الخصْب.. ولكنني
آثرت أنْ أشارك القارئ متعته.. وذائقته الفنيــــة.. فكانت هذه الإضاءة
النقدية تحية للشاعر المجيــــد.. وإن شاء اللّه لن يكون ما قــدمه نقشاً
على الماء ولكنه أثر بارز النقوش في صرح حياتنا الثــــقافية..
والشــــعرية... واللّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل
-------------------------------------------------------------- * أستاذ الأدب والنقد بجامعة أم القرى- كلية اللغة العربية
محمد صالح با خطمة في سطور
● ولد سنة 1358هـ وتلقى تعليمه بالمدرسة الرحمانية بمكة المكرمة. ● درس العلوم السياسية بجامعة القاهرة وحصل على البكالوريوس منها سنة 1382هـ (1962م). ● التحق بوزارة الخارجية وتدرج في مناصبها حتى مرتبة سفير. ● بدأ الكتابة شعراً ونثراً في صفحة (دنيا الطلبة) بصحيفة البلاد السعودية سنة 1374هـ. ● نشر له شعر ونثر في صحف البلاد وعكاظ والمدينة. ● نشر له في مجلة "الهلال" المصرية، وأذيع له شعر في برنامج "لغتنا الجميلة" من إذاعة القاهرة ومجلة "أهلاً وسهلاً". ● ترجمت قصيدته (الحب والسياسة) إلى الإنجليزية، ونشرت في إحدى دوريات "اليونسكو" عن الحب والسلام. ● حاصل على وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
|
|
|