|
شخصيات |
|
|
|
|
|
|
|
شاخ الشعر العربي في أخريات عصر المماليك وبلغ أرذل العمر، فلما لاح فجر النهضة الشاملة في مصر بدأ الشعر يستعيد همته ويشتد ساعده، بعد أن ظل فترة يراوح بين النهوض والانتكاس ولكن النهضة مضت في طريقها، واللغة دبت فيها الحياة والإحساس بالجمال بدأ ينمو شيئاً فشيئاً، فكانت المطابع تدفع بالكتب الأدبية القديمة والمدارس تبدد سدف الجهل والظلام، والصحافة تفتح آفاقاً جديدة لوسائل التعبير وقادة الفكر أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده يزيلان الغشاوة عن الأبصار ويفتحان الطريق واسعاً أمام الناس لبيان سعة الإسلام ورحابته وعظمته. وفي هذه الفترة قيض اللّه للشعر من ينهض به من كبوته ويفك أسره ويقيل عثاره. فكان ذلك على يد بطل القلم وفارس القريض أستاذ الشعراء وأميرهم محمود سامي البارودي. |
|
نبوغ واطلاع وتجديدولد محمود سامي البارودي سنة 1255 للهجرة الموافق لسنة 1838 للميلاد لأسرة جركسية ذات جاه ونسب قديم، فأبوه حسن حسني البارودي كان من أمراء المدفعية، ثم صار مديراً لبربر ودنقلة في عهد محمد علي. والبارودي نسبة لإيتاي البارود بمديرية البحيرة بمصر، وكان أحد أجداده ملتزماً لها، وتعود جذور أسرته إلى حكام مصر المماليك. تيتم البارودي صغيراً وهو في السابعة من عمره، فحرم بذلك حنان الأب ورعايته. وتلقى دروسه الأولى في البيت حتى بلغ الثانية عشرة، ثم التحق بالمدرسة الحربية سنة 1854م وهو في السادسة عشرة من عمره في عهد عباس الأول الذي خمدت في عهده روح الحماسة في الجيش.
كان الشاب محمود سامي البارودي طموحاً يريد أن يحقق عن طريق الجندية آمالاً كبيرةً يجدد بها مجد أجداده في تاريخ الحروب. فلما لم يجد سبيلاً لخوض المعارك الحقيقية لجأ إلى التاريخ ومعارك الإسلام الفاصلة يدرسها ويعيشها بوجدانه ويكتب عنها ملاحظاته وآرائه. وغرق الفتى الطموح محمود سامي البارودي في كتب الأقدمين ودواوين فحول الشعر فوجد نفسه يجيد السباحة. وكانت ملكة الشعر كامنة في نفسه، فراقه من التراث الأدبي شعر الحماسة والفخر ووصف ميادين القتال وأعمال الأبطال، ورأى في هذا الأدب تصويراً للحياة حلوها ومرها من غزل وفكاهة وحكمة ورثاء، فازداد شغفه به، وحرصه على حفظه وتدوينه، وتحركت نفسه لقول الشعر فقلد فحول الشعراء في أروع قصائدهم. وطمحت نفس البارودي أن يرتفع بمستوى الشعر من أغراض المدح والنفاق والتزلف إلى مقام الأغراض الشريفة التي تليق به وبمكانته:
|
|
الشعر زين المرء مالم يكنوسيلة للمدح والذموسرى طبع الشعر في وجدان البارودي مسرى الدم في الجسد، وأصبح قيمة في حياته:
تكلمت كالماضين قلبي بما جرتبه عادة الإنسان أن يتكلمافلا يعمدني بالإساءة غافلفلابد لابن الأيك أن يترنماولكن مصر ضاقت به أو ضاق بها إذ لم يجد لدى الدولة ما يحقق آماله، فسافر إلى الآستانة مقر الخلافة، والتحق بوزارة الخارجية. وهناك أتقن اللغة التركية وتعلم الفارسية ودرس آدابهما وحفظ الكثير من أشعارهما، فنظم الشـــــــعر في لغــــات ثلاث .. العربية والفارسية والتركية!
وعاد إلى مصر سنة 1863م، وعاد الخديو إسماعيل عندما زار الآستانة بعد توليه عرش مصر، وعرف له قدره فألحقه بكبار رجال حاشيته. وهكذا وجد طريقه إلى الجيش الذي ظــل يتـــــرقى في مراتبه حتى وصل إلى رتبة قائم مقام.وأهم من هذا أن تحققت له أمنية خوض القتال في ساح الجهاد، فشارك في معارك جزيرة كريت حين ثارت على دولة الخلافة، فأسهمت مصر في إخماد الثورة. وتقلب في مناصب الدولة وكان ذا حظوة لدى الخديو إسماعيل فجعله كاتم سره، ومكث بجوار الخديو اثنتي عشرة سنة يشاركه في حكم مصر ويدير شؤون البلاد معه، ولكنه عاد وركب الخطر مرة أخرى فسافر إلى ساح الجهاد- وهو مكانه الطبيعي- سنة 8781م حين أعلنت روسيا الحرب على تركيا، فأرسلت مصر جيشاً يعاون الخليفة في حربه مع عدوه. وأبلى بلاءً حسناً في تلك المعارك، فأنعم عليه الخديو إسماعيل برتبة "اللواء"وعدة أو سمه.رجل دولة وإصلاحوعاد البارودي من حرب البلقان في الأربعين من عمره، وقد صقلت الحروب معدنه فعينه الخديو مديراً للشرقية ثم محافظاً للعاصمة. ولما تولى الخديو توفيق العرش قربه إليه، وولاه وزارة الأوقاف فأصلح هذا المرفق المهم ما وسعه ذلك. لقد جذبه للتعاون مع الخديو توفيق استقامته في حياته الخاصة، وبعده عن الإسراف وخبرته بأساليب الحكم التي مرن عليها في عهد أبيه الخديو إسماعيل ورغبته في الإصلاح، لهذا كان وقوفه إلى جانبه ونصحه له بإنشاء مجلس للشورى وتأسيس جيش قوي.
هيهات يحيا الملك دون مشورةويعزّ ركن المجد مالم يُعمدفالسيف لا يمضي بدون رويَةٍوالرأي لا يمضي بغير مهنَّدِفاعكف على الشورى تجد في طيهامن بينات الحكم مالم يوجدِثم تولى وزارة الحربية إلى جانب الأوقاف، ولكن سرعان ما عزل بسبب نزعته الوطنية والإصلاحية الإسلامية. ولا شـــــك أن إعجــــابه وحمـــاسته لأفكار جمال الدين الأفغـــــاني كانت وراء ذلك لأنه يعــــد من تلامـــــيذه، وهــو ما ألمح إليه في شعره ولم يصرح به.
وكان أكثر ما شق على نفسه وعض عليه أصبع الندم أنه لم يستطع أن يرثي جمال الدين الأفغاني بقصيدة تعبر عن ما حمله له بين جوانحه وعن ما تحمله له الأمة الإسلامية من احترام وتقدير ومحبة. ولكنه عوض ذلك الموقف بالوقفه الشجاعة الجريئة مع الحركة العرابية وضرب بالمنصب عرض الحائط .
يقول أناسٌ إنني ثرتُ خالعاًوتلك هناتٌ لم تكن من خلائقيولكنني ناديت بالعدل طالباًرضا واستنهضتُ أهل الحقائقأمرتُ بمعروفٍ وأنكرتُ منكراوذلك حكمٌ في رقاب الخلائقفإن كان عصياناً قيامي فإننيأردت بعصياني إطاعة خالقيأقسم عليه الخديو أن يتولى رئاسة الوزارة فحاول الإصلاح لكن لا يصلح العطار ما أفسد الدهر! فكان لابد أن يكون ما كان. ولهذا كان تأييده للحركة العرابية الداعية للإصلاح ولما انكشف الأمر وفشلت الحركة نفي البارودي مع من نُفــي إلى ســـــرنديب في يناير 1883م:
فهل دفاعي عن ديني وعن وطنيذنب أدان به ظلماً وأغتربُ
وأقام محمود سامي البارودي سبعة عشر عاماً في المنفى:
لا في سر نديب لي خل ألوذ بهولا أنيس سوى همّي وإطراقيأبيت أرعى نجوم الليل مرتفقاًفي قُنَّةٍ عز مرقاها على الراقيونظم البارودي في تلك الفترة قصائده الخالدة التي تزعم بها حركة تجديد الشعر في عصره.
وبي ظمأ لم يبلغ الماء ريَهُوفي النفس أمرٌ ليس يدُركه الجُهُدأودُ وما وُدُّ امرئ نافعاً لهوإن كان ذا عقل إذا لم يكن جَدُّوما بي من فقر لدنيا وإنماطلاب العُلا مجدٌ وإن كان لي مجدُوعــاش البارودي في منفاه يحن للوطن ويصف كل ما حوله، ويراسل الأدباء، ويتتبع أخبار بلاده:وكيف أنسى دياراً قد تركت بهاأهلاً كراماً لهم ودي وإشفاقيإذا تذكرتُ أياماً بهم سلفتتحدرت بغروب الدَّمع آماقيفيا بريد الصَّبا بلغ ذوي رَحميأنّى مقيم على عهدي وميثاقي
الموت والغربة والشجنوفقد الكثير من أهله وأصدقائه، وُرزىء وهو في غربته بوفاة زوجه وابنته، فسكب دموعه شعراً ملتاعاً حزيناً ورثى زوجه بأعظم ما قال زوج في حليلته، فكان أول من رثى زوجته شعراً في العصر الحديث:
لا تحسبيني ملت عنك مع الهوىهيهات ما تركُ الوفاء بعاديقد كِدتُ أقضي حسرةً لو لم أكنمتوقعاً لقياك يوم معاديفعليك من قلبي التحية كلماناحت مطوَّقة على الأعوادِونالت الغربة والأحزان من جسد البارودي كل منال، فأورثته السقام والعلل، فكف بصره وضعف سمعه، ووهن جسمه، وهو يهتف من أعماقه ويناجي ربه:
يارب قد طال بي شوقي إلى وطنيفاحلل وثاقي وألحقني بأشباهيوامنُنْ عليَّ بفضلٍ منك يعصمنيمن كل سوءٍ فإني عاجزُ واهيهذا دعائي وحسبي أنت من حَكَمٍيعنو له كُلُّ شاهٍ أو شهنشاهِ
وهكذا فوّض محمود سامي البارودي أمره إلى اللّه ولم يدفعه الفشل في جهوده السياسية إلى اليأس والقنوط بل دفعه إلى تعميق إيمـــــانه باللّه وبقضــائه وقدره. وتوثقت صـــــلته بدينه، فاستعصم بكتاب اللّه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وتعلق بحب نبيه صلوات اللّه وسلامه عليه يجلو صفحات سيرته العطرة سفراً سفراً. فنظم مطولته الرائعة "كشف الغمة في مدح سيد الأمة" في أربعمائة وثمانية وأربعين بيتاً صب فيها أشواق روحه الخالصة المتطهرة لزيارة الأراضي المقدسة.
|
|
|
|
| © يوليو 2006 مجلة " أهلا وسهلا ". |