أداب وثقافة

 

عرض : هيئة التحرير

 

ما أجمله من عالم، وما أمتع الحياة معه، ورحم اللّه أبا الطيب إذ يقول

 

أعز مكان في الدنا سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب

 

منذ آلاف السنين والكتاب يحتل مكانة مرموقة في الحضارة الإنسانية، ففيه تدون المعارف البشرية على اختلاف ألوانها وتنوع مشاربها.وفيه سجّل الإنسان آلامه وآماله، وبثه شكواه وأحلامه، ودوّن ما مرت به الإنسانية من صعاب، وما عانته من ويلات، وقاسته من حروب.

في الكتاب خُلّد الأبطال بتدوين سيرتهم، وسُجّلت القصائد والملاحم التي تحكي أمجاد الأمة وانتصاراتها.

وفيه دونت القوانين والقواعد التي تنظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، أو تضبط سلوكه تجاه مواطنيه أو أبناء عشيرته.

 

عالم الكتب

في كل أمة سُطّرت آلاف الكتب منذ القديم وعلى مر الأحقاب، قبل اختراع الطباعة، أما بعد ظهور الطباعة فإن آلافاً من الكتب تتدفق كل عام، وفي كل يوم عشرات من الكتب جديدة ويمكن القول إنه في كل ساعة كتب جديدة تنهال من أنحاء الدنيا.

غير أنه من هذا الفيض الهائل من الكتب التي تمتلئ بها دور الكتب والتي تنتشر في الآفاق تبرز مجموعة قليلة جداً من الكتب، تفرض نفسها وتقف شامخة في ذلك الخضم المترامي.

وما ذلك إلا لأن فيها من المزايا والخصائص ما يجعلها جديرة بتلك المكانة، فينهال الطلب عليها، وتطبع مرات ومرات، والطلب عليها يزداد.

ومن الكتب ما يكون تأثيره محدوداً في بيئته أو مدينته أو.. عصره.

ومنها مايمتد أثره واسعاً فيشمل أركان الدنيا الأربعة ثم يجتاز الزمان ويبقى تأثيره في كل عصر وكل جيل.

ولا يخفى أن الكتب- كغيرها- فيها الغث والسمين، وفيها ما ضره أكبر من نفعه، وفيها ما لايضر ولا ينفع. وفيها النافع الممتد نفعه وتشتدّ حاجة الناس إليه، فيزداد الطلب عليه؛ وصدق اللّه العظيم: {فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.

ومن هذا القليل من الكتب التي وقفت شامخة بين الآلاف المؤلفة، كتاب "الأعلام" للزِرِكلي.

هذا الكتاب الفذ الذي يعد بحق من أهم الموسوعات في تراجم المشاهير من الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين.

مؤلفه:خير الدين بن محمود الزِرِكْلي.

 

النشأة والمولد

ولد ليلة 9 من ذي الحجة عام 1310هـ (25 من يونية (حزيران) 1893م) في بيروت وأبواه دمشقيان.

نشأ في دمشق، وتعلم في إحدى مدارسها الأهلية، وأخذ على علمائها على الطريقة القديمة، وأولع بكتب الأدب وكان أحب مكان إليه المكتبة الظاهرية لما تحتويه من نفائس الكتب، وقال الشعر في صباه، وأدى امتحان القسم العلمي في المدرسة الهاشمية بدمشق، ودرّس فيها، ومن عيون شعره قصيدته الرائعة التي يقول فيها:

 

 

العين بعـــد فــراقها الوطــــــنا

 

لا ســــــــاكناً ألفــــــت ولاسكنا

 
 

 ريــــانة بالدمـــــــع أقلقــــــها

 

أن لا تحــسّ كـــــرى ولا وسنا

 
 

كانت ترى فــــــي كل ســــانحة

 

حسـناً وباتت لا تـــــــرى حسناً

 
 

ليت الــــــــــــذين أحبهم علموا 

  وهـمُ هنـــــــــــــالك مالقيتُ أنا  
 

ماكنت أحســبني مفارقــــــهم   

  حتى تفـــارق روحــــــــي البدنا  
 

إن الغريب معــــــــذب أبــــــداً

 

إن حـل لم ينـــعم وإن ظعــــــنا

 

 

أصدر في مطلع شبابه مجلة "الأصمعي".

وذهب إلى بيروت ليتابع دراسته، فانقطع إلى الكلية العلمانية "اللاييك" تلميـذاً في دراساتها الفرنسية، ثم أستاذاً للتاريخ والأدب العربي فيها. ورجع في أوائل الحرب العالمية الأولى إلى دمشق، وأصدر بعد الحرب جريدة "لسان العرب" -يومية - مع أحد أصدقائه، وأقفلت وشارك في إصدار جريدة "المفيد" اليومية.

وهيأ للطبع مجموعة من شعره سمّاها "عبث الشباب" فالتهمتها النار وأكلت أصولها واستراح منها وأراح (بحسب تعبيره).

على أثر موقعة "ميسلون" غادر دمشق في صباح اليوم الذي كان الفرنسيون يدخلونها فيه، فتوجه إلى فلسطين فمصر فالحجاز. وصدر حكم الفرنسيين "غيابياً" بإعدامه، وحجز أملاكه.

وتوجه إلى مصر، وأنشأ في القاهرة "المطبعة العربية" طبع فيها بعض كتبه، ونشر كتباً أخرى. ثم باع تلك المطبعة بعد أن ساءت صحته، وزار الحجاز ومنحه الملك عبدالعزيز رحمه الله الجنسية وقد كلفه الملك فيصل رحمه الله بالعمل في وزارة الخارجية فتقلب في مناصب دبلوماسية متعددة، إلى أن صار عميداً للسفراء في المملكة المغربية، وشارك في مؤتمرات دولية عديدة.

وأتاح له منصبه وتفرغه ومكانته الاجتماعية أن يطوف في كثير من أنحاء العالم، فزار فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة وتركيا، واختير عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم في مجمع اللغة العربية في القاهرة ثم في المجمع العلمي العراقي.

تــوفي الأســـتاذ خير الدين الزركلي في 3 من ذي الحجـة 1396هـ (25 من نوفمبر- تشرين الثاني 1976م).

 

مؤلفاته:

نشر من كتبه:

● ما رأيت وما سمعت، وهو رحلته الأولى من دمشق إلى فلسطين فمصر فالحجاز.

● عـــــامان في عمــــان، وهو من مــــذكراته. طــبع الجزء الأول منه سنة 1925م.

● الجزء الأول من ديوانه الشعري 1925م.

● ماجدولين والشاعر، وهي قصة شعرية صغيرة.

● شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز.

● كتاب الأعلام.

وهو أهم كتبه وأشهرها، بل هو أوسع وأهم كتاب في التراجم في العصر الحديث، وقد ألف كتابه هذا - كما يقول في مقدمة الطبعة الأولى- ليسد فراغاً في المكتبة العربية، وهو وجود كتاب يضم شتات ما في المكتبة العربية من كتب التراجم، مخطوطها ومطبوعها، قديمها وحديثها.

وكانت أمنيته وضع كتاب يتناول بالذكر كل من عرض له خبر، أو دُوّن له اسم في تاريخ العرب والمستعربين، من جاهليين وإسلاميين، متقدمين ومتــــــأخرين، غيــر أنه رأى "أن في ذلك عبئاً لا ينهض به فرد، وميداناً يقصر عن اقتحامه الجهد" فاكتفى بأشهر الرجال والنساء ذكراً، وأوجز ما استطاع الإيجاز.

 

من مزايا هذا الكتاب:

● ذكر فيه كل مشهور يتردد ذكره، أو يُسأل عنه، في الملك أو الرئـــاســـة، أو العلوم، أو الشعر، أوالعمران...

● لم يذكر في كتابه المشاهير من الأحياء المعاصرين للمؤلف.

● رتبه على الحروف مبتدئاً بحرف الاسم الأول، ثم بضم ما يليه إليه، فيكون "آدم" قـــــبل "آمنة" قبل "إبراهــــيم" وإبراهيم بن أحمد، قبل إبراهيم بن علي..

● ما كان مبدوءاً بلفظ: أب - أو أم - أو ابن. كأبي بكر، وأم كلثوم وابن خلدون اعتبر الأب والابن والأم لغواً زائداً في الترتيب، واعتمد الترتيب فيما تلاها فابن زيدون في الزاي وأبو بكر في الباء وأم سلمة في السين.

● سجّل تاريخ ولادة ووفاة المترجم لهم بالتاريخين الميلادي والهجري متوخياً في ذلك منتهى الدقة.

● إذا كان المترجم له مشهوراً بكنيته، أو لقبه، أحال المؤلف على مكان الترجمة بالاسم واسم الأب وسنة الوفاة.

● إذا تشابه الاسم مع اسم الأب لأكثر من علم أتبع ذلك بسنة الوفاة.

- وقد طبع هذا الكتاب أول مرة سنة 1927م في ثلاثة مجلدات وظهرت الطبعة الثانية بعد ثلاثين عاماً من الطبعة الأولى، أمضاها المؤلف في البحث والتتبع والإضافة والرحلات، فخرجت في عشرة مجلدات.

- ثم طبع مرة ثالثة سنة 1389هـ (1969م) في ثلاثة عشر مجلداً، خُصص منها مجلدان لصور المترجم لهم، ونماذج من خطوطهم، إن وجد من ذلك شيء.

ثم كانت الطبعة الرابعة سنة 1399هـ (1979م) وكانت أكمل من الطبعات السابقة حيث وضعت الصور والخطوط مع المترجم لهم بدل استقلالها في مجلدين فكانت هذه الطبعة في ثمانية مجلدات من الحجم الموسوعي احتوت كل صفحة على ثلاثة أعمدة، في كل عمود أربعون سطراً.

وقد استقبل كتاب الأعلام استقبالاً منقطع النظير منذ ظهـــوره أول مرة سنة 1927م فتنـــاوله كبار الكتاب بالتعريف والتقـــريظ، وبعضهم استدرك عليه وأرسل اســــتدراكاته للمـــؤلف حيث ضـــمنها كتابه عازياً ذلك لأصحابه.

- ومما يلاحظ على الكتاب أنه أهمل إهمالاً كل ملوك ورؤساء وسلاطين الدولة العثمانية ومشاهيرهم في السياسة والحرب، فلم يأت على ذكر لهم.

- كذلك فاته بعض المشاهير في الفقه والأدب والشعر، وهذا لا مفر منه، والمؤلف لم يدّع لكتابه الاستقصاء ولا الكمال.

كذلك قد يعثر الباحث على بعض الهنوات في الكتاب. كما وقع في ترجمة الصحابي الجليل أبي بن كعب.

غير أن هذه الهنوات اليسيرة لا تتنقص شيئاً من قدر الكتاب.

رحم اللّه خير الدين الزركلي، وأثابه على عمله، وأسكنه فسيح جناته. فلقد سدّ كتابه هذا فراغاً كبيراً، ووفر على الباحثين كثيراً من الجهد حيث وضع بين أيديهم كتاباً سهلاً ميسراً.

 
  © يوليو 2006 مجلة " أهلا وسهلا ."