رمضـان كــريم

 

بقلم د. حسن عبدالغني أبوغدة *

 

 

 

في السنة الثانية من الهجرة النبوية، فرض اللّه تعالى صيام شهر رمضان، ونزل قوله تعالى{يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلَّكم تتقون} "البقرة: 381". والتقوى في لغة العرب: لفظ مشتق من الوقاية، وهي تعني: حفظ الشيء وصيانته من الأذى، والحيلولة بينه وبين المكروه والضرر،وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي نتقيه بالصوم؟ وما الذي نجنيه منه؟ وما هي مواطن العظمة وصورها في هذا الشهر العظيم؟ من المقاصد التي توخاها الإسلام في تشريعه الصوم شهراً كاملاً، الارتقاءُ بتهذيب

النفس وتربيتها على مزيد الخشية من اللّه تعالى في السر والعلن، إذ لا رقيب على الصائم سوى ربه، فإذا أحسَّ بالجوع أو العطش أو تراءت له الملذات والشهوات، صبر عليها وأحجم عن تناولها والانسياق وراءها، وتسامى عنها بدافع من إيمانه العميق وشعوره القوي بأن اللّه تعالى يراه، ويؤكد هذا المعنى الحديث القدسي الذي رواه البخاري: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به".

 

وهكذا إذا حرر المسلم إرادته وتعوَّد الصبر والامتناع عن الطعام والشراب ونحوه من المباحات من أجل اللّه تعالى، فهو حَرِي أن يتحكم في إرادته - في كل زمان ومكان- ويبتعد عن المحرمات والتجاوزات المتصلة بحقوق اللّه تعالى أو بحقوق الناس، مما يصح أن يُطلَق عليه: الظلم الفردي والاجتماعي، فلا يكذب، ولا يشتم، ولا يغش، ولا يرتشي، ولا يعتدي، ولا يفسد بين الناس، ولا يقصر فيما أوكل إليه من واجبات وظيفية ونحوها.

 

شهر بذل وتضحية

 

انتشرت في بعض المسلمين عادة الكسل والخمول في شهر رمضان، فصاروا يتقاعسون فيه عن أداء بعض واجباتهم الوظيفية والمعيشية والدراسية، وربما الدينية، بحجة أنهم صائمون، وكأن اللّه تعالى فرض علينا هذا الصوم لنتوانى فيه عن أداء الواجبات وفعل المكرمات، وبناء المجتمعات وإشادة الحضارات، وما علم هؤلاء البسطاء أن الأمة الإسلامية - عبر عصورها المديدة - سطرت أعز وأكرم آيات المجد والنصر في هذا الشهر العظيم، فقد خاض النبي صلى اللّه عليه وسلم معركة بدر في شهر رمضان، وفتح مكة المكرمة في هذا الشهر العظيم، كما أن معركة عين جالوت ضد التتار والمغول المعتدين كانت في شهر رمضان، وكذلك كانت معركة حطين ضد الصليبيين المستعمرين، وفي العصر الحديث خاض المسلمون حرباً طاحنة ضد اليهود المغتصبين في شهر رمضان، وهكذا كان رمضان ولا زال شعار عز في حياة المسلمين، الذين أبلوا بلاءً حسناً وهم يخوضون معارك الكرامة، حماية لمقدساتهم ودفاعاً عن حقوقهم وأوطانهم.

 

إحساس بالآخرين

 

يعتبر الصيام وسيلة فعالة في حمل النفس على الالتزام والانضباط، وتنمية المشاعر الجماعية لديها وتعويدها على ذلك، وتحفيزها على احترام النظام العام وعدم تجاوزه، ولو في ممارسة حقوقها الفطرية الشخصية، أو الخاصة جداً، ويتجلى هذا في تحديد الإسلام للأوقات التي يُباح فيها الأكل والشرب والاتصال بين الزوجين، وفي تحديد الأوقات التي يُمتنع فيها عن ذلك، إذ في هذا إشارة إلى أنه ليس للإنسان أن يفعل ما يريد متى ماشاء، ولو كان هذا مباحاً أو حقاً من حقوقه الخاصة، بل عليه أن يُضحي أحياناً بحقوقه ورغباته الشخصية، لتتكامل وتتناسق مسيرتُه مع مسيرة المجتمع الذي ينتمي إليه، ويأمن فيه على نفسه وماله وأهله، ويتنعم فيه بخيراته وأرزاقه. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود اللّه فلا تقربوها كذلك يبين اللّه آياته للناس لعلهم يتقون..} "البقرة: 781" وتأمل انتهاء الآية بقوله تعالى: {حدود اللّه... لعلهم يتقون}. وحدود اللّه: يرادفها ما يُعبَّر عنه اليوم في الأنظمة المعاصرة: بحق المجتمع، أو النظام العام.

 

كما يظهر هذا الانضباط أثناء الصوم، فيما دعا إليه الإسلام من ممارسة السلم الاجتماعي وحُسن التعايش مع الآخرين، وذلك بالتزام آداب الصيام وكف اللسان والأعضاء والجوارح عما لا ينبغي من فُحش القول وسوء الفعل وانحراف الممارسة، بل ومجاراة الآخرين في الرد على جهالاتهم واعتداءاتهم، روى الشيخان أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم".

 

تراحم  وتكافل

 

من آثار الصوم المشهودة أنه يولد الإحساس المرهف في نفس الصائم، ويبعث فيه مزيداً من الشفقة والرحمة وتفقد البائسين والمحرومين، الذين ضاقت بهم سبل الحياة الكريمة والعيش المناسب، من غذاء وكساء ودواء وسكن وأدوات ولوازم وأسباب أخرى يجدون فيها مع أسرهم الأمن والطمأنينة والاستقرار. وهذا ما أشار إليه الحديث الأول من تفطير الصائم وإدخال السعـادة إلى قلبه والبسمة إلى أفواه أطفاله، ومثلُ ذلك رعاية الأيتام في هذا الشهر المبارك، وعيادة المرضى، وإغاثة الملهوف، وغيرها من فضائل الأعمال التي تتجدد صورها وأشكالها في كل زمان ومكان.

 

ولقد كان من ديدن الحبيب المصطفى صلى اللّه عليه وسلم وعادته، أنه أجود ما يكون في رمضان، كأنه الريح المرسلة.. من كثرة هباته وصدقاته وتفقده للمحتاجين والمعوزين، وعطائه للجيران والأصحاب، وعلى هذا المنوال سار عامة المسلمين في شتى العصور والبقاع، حتى غدت كثير من المدن والأحياء والقرى الإسلامية مشاعل خير مضاءة لهذا التواصل الاجتماعي في رمضان، بين الأقرباء بعضهم ببعض، وبين الجيران، وبين المقيمين والغرباء، والموسرين والمعوزين..

 

بل لقد اعتاد كثير من المسلمين تقديم زكاة أموالهم عن موعدها وإخراجها في هذا الشهر الفضيل، والتوسعة على المحتاجين وأسرهم بالتبرعات والصدقات والأصناف الأخرى من أنواع البر، أسوة بالنبي الكريم الذي كان في رمضان كالريح المرسلة عطاءً وبراً وصدقة ومعروفاً.

 

صحة وعافية

 

من الأمور المتفق عليها عند الباحثين في العلوم الصحية اليوم: إن الصوم (الحمية) يحرر الجسم من الالتهابات والميكروبات والصديد، ويخلصه من الرواسب الضارة والتخمرات المؤذية، وهو يريح الأعضاء والجوارح، وينشط البدن ويقوي الفكرة والذاكرة، ويكاد يجمع كثير من الباحثين وأطباء التغذية على أن الصوم (تقليل الطعام وضبط مواعيده) علاج فعال للعديد من الأمراض الباطنية والجلدية والعصبية، وصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث يقول: (صوموا تصحوا) "رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم".

 

وفي هذا المعنى يقول البروفيسور إليكسيس كارليل الحائز على جائزة نوبل في الطب:" إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف مع قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم في بعض الأوقات.. والأديان كلها تدعو الناس إلى الصوم، وقد ظهر الآن أن من فوائده تحريك سكر الكبد وتحريك الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل، والغدد، وخلايا الكبد.. مما ينتج عنه كمال في الوسط الداخلي للجسم، وسلامة القلب وتنظيف الأنسجة".

 

ويقول الدكتور "ماك فادون" أحد أشهر الأطباء العالميين الذين عالجوا كثيراً من المرضى بالصوم: "إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم، فتجعله ثقيلاً كالمريض فيقل نشاطه، فإذا صام خفَّ وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه، وتخلص مما قد يعانيه من اضطرابات وتقلصات وحموضات وأوجاع".

 

سلوك حميد

 

مما لاشك فيه أن الصوم بمواصفاته الشرعية يُعتبر حصناً منيعاً من الانزلاق في المفاسد والجرائم، وهو يقوم بدور حيوي وفاعل في الارتقاء بالسلوك الفردي والأسري والاجتماعي، وضبطه فيما يحبه اللّه تعالى ويرضاه، بل إن الصوم الذي يمنع الصائم فيه نفسه من الطعام والشراب والمباحات الأخرى، يحفز الصائم - من باب أولى- على أن يمنع نفسه من الانجرار وراء المفاسد والمعاصي والجرائم والمحرمات، وهذا هو المشاهد في شهر رمضان، حيث تتدنى نسبة المفاسد والمنازعات والجرائم إلى حد كبير على امتداد العالم الإسلامي ودوله العديدة، ويعم الأمن والأمان، ويزيد الإيثار عند الناس وحب بعضهم بعضاً، وإقبالهم على فعل الخير وبذل البر والمعروف والتسابق في ذلك، كما يكثر ترددهم على المساجد، ومداومتهم على قراءة القرآن، وحضور مجالس العلم والذكر، والحرص على التعامل مع بعضهم بشفافية وإيثار وطهر وتسامح..

 

وقد أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى نحو هذا فقال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدت أو سُلسِلَت الشياطين، وغُلِّقت أبواب النار وفُتحت أبوابُ الجنة، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبِل، ويا باغي الشر أقصِر) "رواه الترمذي والنسائي والحاكم".

 

شهر القرآن

يعتبر شهر رمضان ربيعُ قلب المؤمن؛ لأنه شهر القرآن، ففيه نزل، يقول تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..} "البقرة: 581".

 

ولقد كان من حال سلف هذه الأمة العناية بكتاب اللّه تعالى آناء الليل وأطراف النهار، وبخاصة في شهر رمضان، بل إن جبريل عليه السلام كان يدارس النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن في رمضان.

 

روى أحمد والطبراني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يارب، منعته الطعام والشـهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان).

 

وينبغي على القارئ استحضار المقصد الأسمى في القرآن الكريم، ألا وهو التدبر والامتثال، وتحري الحلال والحـرام، والبعد عما لا يرضي اللّه عز وجل، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبَّروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} "ص: 92".

 

التراويح  والعمرة

 

من صور العبادات المتاحة في رمضان أداء صلاة التراويح جماعة في المساجد، وفي الحديث الشريف المتفق عليه: (من قام رمضان إيماناً واحتسـاباً غُفـر له ما تقدم من ذنبه).

 

ومـن العبادات المشروعة في رمضان أداء العمرة للّه تعالى إيماناً واحتساباً، وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) أي: في ثـوابها وأجرها وعظيم فضلها.

 

الاعتكاف في رمضان

 

الاعتكاف هو: المكوث في المسجد لفترة محددة بنية التقرب إلى اللّه تعالى، وهو عبادة مستحبة جامعة لكثير من الطاعات، وبخاصة في العشر الأواخر من رمضان. روى مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر)، وربما كانت الحكمة في كون الاعتكاف في الثلث الأخير من شهر رمضان، حتى تتهيأ النفوس قبل ذلك لتلك النقلة النوعية، وما فيها من تضحية بأشغال الدنيا وأعمالها ومكاسبها.

 

ومن المعلوم أن الاعتكاف لا يخلو غالباً من حضور مجالس العلم، وصلاة الجماعة، وقراءة القرآن، والتفرغ لصلاة النافلة، فضلاً عن التهجد والذكر والدعاء، والخلوة مع النفس ومحاسبتها، وزيادة الإقبال على اللّه تعالى، بعيداً عن مشاغل الدنيا وملذاتها وغرورها.

 

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ويحبس نفسه على مزيد من طاعة اللّه تعالى وذكره، ويقطعها عن كل شاغل دنيوي، وهو بهذا يُشرع لامته سنة الاعتكاف، لما تنطوي عليه من إعلاء روحي، وتصعيد ديني، يعود على المعتكف بصفاء في النفس، وطهر في القلب، وطاقات معنوية عالية، تنير له طريق مسيرته في مستقبل حياته.

 

ليلة خير من ألف شهر

 

هي من المكافآت العظيمة والثمرات الأخيرة التي حفل بها شهر رمضان، ففيها نزل القرآن، وفيها الجزاء العاجل، والدعاء المستجاب، والخير العميم، وهي خير من ألف شهر، تنزل فيها الملائكة ومعهم جبريل روح القدس عليه السلام، دعاؤهم جميعاً حتى مطلع الفجر: السلام مـن اللّه تعالى على عباده القائمين الراكعين الساجدين العابدين.

قال النبي صلى اللّه علـيه وسلم: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان). "أخرجه البخاري والبيهقي".

 

وكان من هديه صلى اللّه عليه وسلم أنه يتحراها، ويأمر أصحابه بتحريها، ويوقظ أهله رجاء أن يدركوا بركتها. وحينما سألته عائشة رضي اللّه عنها قائلة: إن وافقتُ ليلة القدر فما أقول؟ قال: قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).

 

وفي فضل ليلة القدر قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). "رواه البخاري ومسلم".

 

يا باغي الخير أقبل

 

وبعد: فهذه بعض معالم شهر رمضان في البناء والعطاء، وتلك فيوضات الصيام فيه: جد وعمل، وكفاح وجهاد، ونشاط وطاعة، وكف عن الظلم والعدوان والفساد الفردي والاجتماعي، وإقبال صادق على اللّه تعالى، وإعداد وتربية، وتكافل وتعاون، وصحة وعافية، وسمو ومواساة، وعطاء رباني متجدّد، وأمن وأمان، ووقاية من المفاسد والجرائم، وفوق ذلك وبعده كرم إلهي لا ينفد، ولا تزال أمامنا فسحة في إدراك ذلك الموسم المبارك، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وحذار من أن تضيع أوقاتك في التكاسل والغفلة، وإغراءات اللهو الأخاذة، وحذار من التوسع في الأكل والإسراف في أنواعه وفنونه، وتضييع الحكمة من صوم هذا الشهر العظيم والإعراض عن رحمات اللّه ونفحاته، وتبصر أيها المسلم في حالك وأوقاتك قبل فوات الأوان، وأدرك ما بقي من هذا الشهر الكريم، فقد روى الطبراني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (هذا رمضان قد جاء، تُفتح فيه أبـوابُ الجنة، وتُغلق فيه أبوابُ النار، وتُغَـلُّ الشياطين، بعداً لمن أدرك رمضان فلم يُغفـر له، إذا لم يغفر له فيه فمتى؟). هنيئاً لمن جدَّ في رمضان وفاز، وحسرة وندامة لمن قصَّر في رمضان وتوانى فلم يغفر له فيه

 

* كلية التربية - جامعة الملك سعود

 
العودة
 
  © أكتوبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ."