رمضـان كــريم

 

مكة المكرمة- منال عثمان سلمان *

 الشيخة مقبولة عمر حضرمي امرأة "مكية" تتجسّد فيها كل بساطة وطيبة أهل مكَّة المكرَّمة الكرام، تبلغ من العمر ثلاثة وستين عاماً، عركت الحياة وعاصرت الجيل الحالي ومن قبله عدّة أجيال، وصامت - أطال الله في عمرها  أكثر من خمسين رمضاناً في رحاب البلد الحرام، وعاشت شهور ذلك (الزمن الجميل)، الذي لا تزال ذاكرتها تحفظ  بأحداثه ووقائعه، كما تحتفظ في منزلها بحي النزهة بمكَّة المكرَّمة  والذي حولته إلى متحف مُصغّر بكثير من أدوات تلك الحقبة، خاصة تلك التي كانت تستخدمها في شهر رمضان الفضيل، من أتاريك، قمريات، وابورات غاز وفحم، دوافير وكوانين وقدور توتيا وفوانيس، وزنابيل وقِرب وأزيار ماء، وأيضاً الراديوهات وأجهزة التسجيل القديمة جداً، وهي تقوم بحفظها وعرضها بطريقة تشبه ما يحدث في المتاحف المتخصصة.

 

 يضم منزلها 4 غرف مخصصة لعرض هذه الأواني، وتوليها (الخالة مقبولة) عناية فائقة، رغبةً منها في ربط شباب هذا الجيل بماضيهم الجميل وتعريفهم بتراثهم الأصيل. التقتها "أهلاً وسهلاً" لتستعيد ذكرى تلك الأيام الخوالي، ولتسرد لنا بأسلوبها المبسط وحديثها الشيق المرتب، كيف كان الناس في مكة المكرمة يحتفلون بقدوم شهر رمضان الفضيل في تلك الفترة ويصومونه؟ وماذا كانوا يأكلون ويشربون؟، تعالوا معنا نجلس مع الشيخة مقبولة لنتعرف على كل ذلك، من خلال حديث الذكريات.

 

 

 ذكريات قديمة

 

بدأت حديثي معها بسؤالها عن ذكريات أول يوم صامته في حياتها، هل تذكر ذلك اليوم؟ فأجابت والفرحة تكسو وجهها: نعم .. نعم، إنني أذكر ذلك اليوم جيداً بالرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً، فالإنسان لا يستطيع أن ينسى بعض الأحداث التي مرت عليه، وكذلك بعض المحطات المهمة في مسيرة حياته، مثل اليوم الأول الذي التحق فيه بالمدرسة، وأول يوم صامه، ويوم زواجه وهكذا.. في ذلك الوقت كان عمري عشر سنوات، في ذلك العام عزمت على صيام شهر رمضان كاملاً لأول مرة في حياتي، ولا زلت أذكر اليوم الأول لصيامي الذي حاول فيه أهلي توجيهي، بالبدء بالصوم التدريجي، خاصة أن الجو  كان شديد الحرارة في تلك الفترة، ولم تكن هناك ثلاجات ولا مكيفات ولا مراوح، ولا أية وسائل راحة ورفاهية تخفف من مشقة الصوم كما هو متوافر حالياً، كما كان لزاماً عليّ -أنا وأخواتي- القيام بأعباء الخدمة المنزلية، وكذلك مساعدة الوالدة في الطبخ والتنظيف والترتيب، إلاّ أنني والحمد لله أكملت ذلك اليوم، ومن بعده باقي الشهر.

 

 

شريط الذكريات

 

صمتت لحظة وكأنها تستعيد في ذاكرتها شريط أحداث ذلك الزمن، وواصلت حديثها بعفوية وبساطة: تلك الأيام كانت أيام بركة، كما كان رمضان أيام زمان (له طعم خاص)، كان طابعه البساطة وعدم التكلف والتعاون والتكاتف بين الأسر والجيران وسكان الحارة الواحدة، والتفرغ للعبادة دون أي شاغل يشغل الإنسان عنها، فلم تكن هنالك تلفزيونات ولا فضائيات ولا مسلسلات وفوازير، ولا أسواق ومراكز تجارية بالشكل الذي نشاهده الآن، فكان كل الوقت خالصاً للعبادة من صوم وصلاة، كما كان الناس بسطاء منشرحين وبعيدين عن ضغوط الحياة والمشكلات التي تشغل أذهان الناس في الوقت الحالي من ماديات وغيرها، كنا نذهب إلى الحرم الشريف لأداء صلاة العشاء والتراويح والتهجد، وكنا نتمتع بالعبادة لعدم وجود زحام مثل الذي يحدث الآن في رمضان، فقد كنا نجلس في "الحصوة" داخل الحرم، فيأتي الزمزمي ليزودنا بماء زمزم، ونعطيه ما نجود به، مثل القرش والهللة، ولو أعطيته ربع ريال كأنك أعطيته ألف ريال بمعدل قيمة فلوس اليوم، كما كان أغلب الرجال يتناولون إفطارهم في الحرم الشريف، ويصلون صلاة المغرب فيه ثم يعودون إلى بيوتهم، وبعضهم ينتظر في الحرم لأداء صلاة العشاء والتراويح والتهجد في أواخر رمضان، ثم يعودون إلى منازلهم لتناول العشاء، ومن ثم النوم مبكرين ليصحوا مع صلاة الفجر لأداء الصلاة والذهاب إلى أعمالهم، أما النساء اللاتي كانت بيوتهن قريبة من الحرم، ويتمتعن بقوة ونشاط، فكن يذهبن أيضاً للإفطار فيه وأداء صلاة المغرب، فقد كان عامة الناس في ذاك الوقت ينامون مبكرين ليستيقظوا مبكرين ولا يسهرون إلى وقت متأخر من الليل كما يحدث الآن. وأضافت: في ذلك الوقت لم تكن المساجد منتشرة كثيراً في أحياء مكة المكرمة، بسبب صغر مساحتها ومجاورة أغلب أحيائها القديمة للحرم الشريف، فكان معظم سكانها يتناولون إفطارهم فيه، كما كانت موائد الرحمن تُقام فيه، فيأخذ أغلب الناس طعامهم إلى الحرم لإطعام الصائمين فيه، وهذه العادة - بحمد الله - لم تنقطع وظلت سائدة إلى هذا الوقت.

 

 

موائد رمضان

 

كان الناس قديماً يقدمون في الإفطار الطعام الحالي نفسه مثل التمور والسمبوسة وشوربة الحب وشوربة الزمام وشوربة الشعير والقطائف، والمختوم، كما كان بعض الناس يطبخون الخضروات، أما في السحور فكان أغلب الناس يتسحرون بالرز البخاري والرز بالحمص الذي كان لابد منه، وكذلك المختوم والسمك والخضروات، وأضافت (الخالة مقبولة) توضح: إن كان هنالك اختلاف بين تلك الأيام الماضية والوقت الحالي، فهو في طريقة تحضير الطعام، حيث كنا نُحضر مستلزمات رمضان يوماً بيوم من زقاق الوزير، دون شراء كمية كبيرة من المستلزمات وتكديسها كما يحدث الآن، كان الناس في زمننا يشترون ما يحتاجونه ليوم واحد فقط، من خضروات ولحوم وفواكه، ويحملونها في "الزنابيل" - التي ما زلت احتفظ بأشكال وأنواع منها هنا في بيتي - يشترونها من أسواق الغزة والقشاشية وسوق الليل، ومن "النوري" الكبير الذي كان يقوم ببيع الفواكه في المسعى، الذي كان فيه في ذاك الوقت سوق يبيع شتى أنواع البضائع، وأذكر منها "الهرساني" الذي كان يصنع "الأيس كريم" ونقوم بشرائه منه عندما يزورنا بعض الضيوف.

 

 

طعامنا من صنع أيدينا

 

واستطردت تحكي: الاختلاف الآخر إننا كنا نعد كل المأكولات والمشروبات في البيت، ولا نقوم بشرائها جاهزة من الأسواق والمطاعم كما تفعل أغلب الأسر حالياً، حتى الخبز لا نقوم بشرائه جاهزاً من الأفران، إنما نقوم بتحضير عجينته في البيت بصفة يومية ونبعث بها إلى الفرن ليتم خبزها، كما كنا أيضاً نصنع المخللات والطرشي في البيت، وكذلك كنا نقوم بإعداد التمور في البيوت أيضاً، وذلك بشق حبة التمر وعجنها وكبسها بالسمسم ووضع اللوز الحجازي عليها، وكذلك صُنع جميع أنواع الحلويات مثل الكنافة التي كنا نفركها في البيت ونضعها في الصينية ونخبزها في "بابور الفحم"، كنا نعد منها عدة أنواع مثل الكنافة بالجبنة العربي، والكنافة باللوز البدوي "الحجازي" وبالموز، وبالسمن ماركة "الشوكة والملعقة" الذي نشتريه من الأسواق، أو السمن الذي نحضره في البيت من "لية" الخروف التي نشتريها من الجزار، ونقوم بتقطيعها إلى قطع صغيرة جداً، ونقوم بتحميصها لكي يخرج السمن من شحمها، ونصنع منها "فتوت"، وكذلك كنا نصنع "السادوقانا" والمهلبية والتطلي وكريمة البيض، كما كنا نعد الزبادي في البيت، وذلك بشراء حليب البقر والغنم من "أبو النجا" بالشامية وكذلك من بيت غلمان بأجياد، ونقوم بشراء "زبدية" لبن من عندهم أيضاً لتخمير الحليب في البيت، ولم نكن نتخلص من بقية الطعام الفائض كما يفعل بعض الناس اليوم  هداهم الله ، فعندما يفيض اللبن كثيراً عن حاجتنا، كنا نصنع منه "مش" وذلك بأن نقوم بإحضار كيس مخدة ونقوم بخياطة حبل فيه ونقوم بتعليقه في حبل الغسيل، نتخلص بذلك من المياه، ويتبقى المش، وعندما يتبقى لدينا خبز لا نلقي به في القمامة، وإنما نقوم بتنشيفه وبله بالماء لأكله، كانت العافية نعمة كبيرة، فقد كنا وقتها شابات صغيرات في السن ونشيطات. كانت هناك بركة كثيرة، كما كان للأكل طعم ونكهة خاصة، وذلك لأنه يُطبخ في البيوت على "البوابير" وكذلك "الكوانين"، والآن "البوتجازات" التي تُستخدم للطبخ قضت على تلك النكهة والطعم الخاص، كنا مجموعة من الأخوات نتعاون في مساعدة والدتنا في القيام بهذه الأعمال دون الاستعانة بأحد مثل الشغالات وغيرهن، ودون اللجوء إلى شراء مأكولات جاهزة من الأسواق، كما يفعلن "حريم" هذا الزمان الله يصلحهن.

 

 

تعاون أسري

 

أهل الحارة كانوا أسرة واحدة، يلتقون في السراء والضراء ويقفون وقفة رجل واحد في أية مناسبة تحدث لأي فرد منهم، سواء كانت فرحاً أو ترحاً، فقد كانت الجارة بمثابة الأخت لك، بيتها هو بيتك، وأكلها هو أكلك، وولدها بمثابة ولدك، وبيتها مفتوح لك في أي وقت، فكان أطفالنا ينامون مع أطفال الجار ونحن مطمئنون غاية الاطمئنان، كما كان غنيهم يساعد فقيرهم خاصة في رمضان، شهر الخير والبركات، وذلك بحكم مجاورتهم لبعضهم البعض لسنوات طويلة، وكذلك لأنهم كانوا من "بيوت" وأسر معروفة في مكة المكرمة، فكانوا بجانب المساعدة بالعمل، يحضرون بعض المواد التموينية "كرفد" للإسهام في مناسبات الزواج، مثل أكياس الأرز و "تنك" السمن، وصناديق الشاي، كما يقف الصبيان وقفة رجل واحد ل "الفزع" لأهل الفرح، وذلك بتنظيف أسطح المنازل وفرش الجلايل "السجاد" وعمل الكرويتات "الكوشة" للعروسين، كما كنا نستجلب "ماتوراً" للكهرباء أو نستخدم الأتاريك للإضاءة. وفي حال حدوث وفاة لأية أسرة، كما كانت مراسم العزاء تتم في ليلة واحدة فقط يأتي فيها الناس لتقديم واجب العزاء، أما "القراءة" فقد كانت تستمر لعدة أيام.

 

"الطشت" ثلاجة معتبرة!

 

ورداً على سؤالي عن أشهر الأواني التي كانت تُستخدم في إعداد الطعام في شهر رمضان في ذالك الوقت؟ أجابت ضاحكة: قدور الضغط والطناجر الفخمة، وأطقم المطابخ الراقية مثل الكريستال والميلامين وغيره لم تكن متوافرة في ذلك الوقت، فكنا نستخدم القدور "التوتيا" والصحون المدهونة، فكنا لو فاض نوع من الطعام في يوم من الأيام، نضعه في الصحون التوتيا الصغيرة ونحفظه تحت "الطشت"، ثم "نكشكشه" ونتناوله في وقت آخر، فكان الطشت بمثابة الثلاجة في وقتنا الحالي، حتى الفواكه مثل "الحبحب" وغيرها كنا نحفظها بهذه الطريقة تحت "الطشت". وأضافت: ماذا أقول لك يا ابنتي: الزمن كان زمناً جميلاً وطيباً، فكنا نتناول هذه الأطعمة دون خوف من أي تلوث أو ميكروب أو بكتيريا مثل الذي يحدث الآن، فأي طعام نتناوله الآن نسمع محاذير كثيرة عنه، مثل أضرار المواد الكيميائية والمواد الحافظة وغيرها مما نسمعه الآن من مشكلات تتعلق بالأطعمة والمأكولات والمشروبات، كما كنا نتناول الماء من "الزير" الذي كان يقوم السقا بملئه بواسطة القربة أو "الزقة"، والكهرباء لم تكن متوافرة في ذلك الوقت، فكنا نستخدم "القمريّة" والفانوس والأتريك للإضاءة

 

* صحفية سودانية

 
العودة
 
  © أكتوبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ."