فنون

 

 

 

بقلم: أ.د. أحمد عبدالكريم *

 في احتفالية ثقافية جمالية جمعت بين جمهور المتذوقين والفنانين السعوديين افتتح الدكتور عبداللّه محمد العبد الكريم مدير عام المعماريين السعوديين،في معية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز السبيل وكيل وزارة الثقافة والإعلام السعودي، المعرض النوعي الأول في المملكة العربية السعودية للأعمال ثلاثية الأبعاد، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مدى ما وصلت إليه البرامج الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام من طرح فكري وتشكيلي للحركة التشكيلية السعودية من نمو وتطور يؤكد خصوصية الحياة الثقافية، حيث إن هذا المعرض تفرد وتخصص في مجال واحد فقط، هو مجال الأعمال ثلاثية الأبعاد أي الأعمال التي تمتلك بين مقوماتها الطول والعرض والارتفاع بمفهوم التجسيم، مثل الأعمال الميدانية والتي أصبحت منتشرة في معظم مدن المملكة لتعبر عن مدى الوعي التذوقي والجمالي لنشر الثقافة البصرية ولتصبح البيئة الجمالية دلالة حضارية معاصرة في مملكتنا العزيزة.

 

وقد جاء كتاب المعرض الأول تحت محورين مهمين:

 

المحور الأول: مجموعة من الدراسات حول مفهوم الأعمال ثلاثية الأبعاد.

 

المحور الثاني: أعمال الفنانين المشاركين.

 

وقد تناولت الدراسة الأولى للفنان الدكتور "يوسف العمود" دراسة بعنوان "البعد الثقافي لمجسمات الرضوى"، وقد استهل دراسته بما جاءت به منظمة اليونسكو في تعريفها لمفهوم الثقافة :"هي السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينة أو فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات، ومن هذا المنطلق تناول  د."يوسف العمود" الأبعاد الثقافية للمجسمات ثلاثية الأبعاد  للفنان الدكتور "الرضوى" الرائد الأول للحركة التشكيلية السعودية - رحمه اللّه - وخاصة عمله الشامخ في حديقة الشعراء، حيث استطاع نسج كل من النص الشعري كلغة لها رموزها ومحتواها الدلالي على هيئة مجسمات ثلاثية الأبعاد في حالة من التوافق البصري ليؤكد (الرضوى) أســتاذية جمالية رائعة بين الفـن التشكيلي والشعر العربي وإضافة لمسة من المتعة البصـرية للمتذوقين، كما اســتطاع استثمار الثقـافات التي تلقى فيـها تعليمه خلال بعثته الدراسية في إيطــاليا، والمزج بين الثقافة الســعودية التي يحملها وثقـافة الغرب، حيث احـتك بها احتــكاكاً مباشراً في ضوء دراسة وتحليل أعمال كل من "مايكل أنجلو" والنص الشعري للشاعر الكبير "دانتي" في لوحة "يوم الحساب" في مدينـة روما، كما اسـتعرض د. يوسف العمود بعضاً من المجسمات التي تؤكد ريادة الفنان "الرضوى" في العمل القابع شامخاً أمام وزارة الخارجية بجدة والذي يعبر عن التضامن الإسلامي الحلم، الذي ينتظره الجميع.

 

 

فن النحت

 

أما الدراسة الثانية فكانت بعنوان "طرق وتقنيات فن النحت" وهي من إعداد الفنان الدكتور "محمد الرصيص" الذي قدم التعاريف الأكاديمية للنحت، حيث عرفه بأنه فن إيجاد الأشياء ذات الثلاثة أبعاد بحيث تبدو مجسمة في حالة الـدوران حـولها (أي رؤيتها من جميع الجهات) أو تبدو مجسمة عن طريق النحت البارز (Relief) وهي مثبتة على الحائط، كما أضافت الدراسة الطرق التقنية المتبعة في النحت وهي كالتالي:

 

الطريقة الأولى: وهي علمية النقش والإزالة، كما هو متبع في النحـت على الأخـشاب أوالصخور والأحجار.

 

الطريقة الثانية: وهي طريقة صب القوالب وهذه الطريقة تصـلح لعمـليات إنتاج نسـخة واحـدة أو تكرارهــا.

 

الطريقة الثالثة: وهي طريقة تجميع الخامات المتنوعة في إطار موحد ثلاثي الأبعاد.

 

ويؤكد الدكتور "الرصيص" أن المضامين الفلسفية في العصر الحديث للفــنان جعلته حراً في استخدام ما يناسبه من خامات وأدوات وتقــنيات لتحقيــق حلمه وهــدفه الفني، وخير دليل على ذلك الأعمال ثلاثية الأبعاد المنتشرة على شواطئ مدينة جدة للفنانين المحليين والعالميين.

 

 

الإنسان والخامة

 

كانت الدراسة الثالثة من نصيب الفنان الدكتور "صالح الزاير" بعنوان "لمحة عن الخزف في المملكة العربية السعودية"، حيث استعرض حوار الإنسان مع الخامة وكيفية الحصول على ما يحتاجه الإنسان من أدوات في حياته اليومية فكان للخزف نصيب وافر منها فأنتج الأواني الفخارية حيث قدم حضارة دولة "كندة"، والتي تقع في قرية "الفاو" في صحراء المملكة العربية السعودية، وتم اكتشاف عدة أشكال من الخزف، منها الخزف الخشن والفخار الرقيق والخزف المزجج، كما استعرضت الدراسة أنواع الخزف التي تم العثور عليها في منطقة جغرافية أخرى تعرف باسم "الربذة" والتي أُنتج فيها الفخار المطلي وغير المطلي، وكذلك الخزف ذو البريق المعدني والخزف الشعبي المتوافر في القطيف والأحساء والمدينة المنورة وجيزان وعسير.

 

أما الخزف السعودي المعاصر والذي تم إنتاجه بعد تخريج دفعات متخصصة في مجال التربية الفنية بكل من الرياض ومكة المكرمة، فقد بدأ ينشر المدارس في جميع أنحاء المملكة، وكان لجامعة الملك سـعود وجامعة أم القرى الدور الريادي في العصر الحديث لتقديم خزفيات معاصرة.

 

أما الدراسة الرابعة فجاءت بعنوان "فن التجهيزات في الفراغ المعد"، للفنان الدكتور "أحمد عبدالكريم" حيث قدم نبذة تاريخية معاصرة عن خروج مفهوم النحت بخامة واحدة، إلى استخدام الأشياء جاهزة الصنع للتعبير عن فلسفة المجتمع أو الفنان أو كليهما، وقدم تعريفاً إجرائياً لمفهوم (Jnstalltion) بمعنى فن التجهيزات في الفراغ المعد، واستعرض مصادره ومفرداته الإنشائية، وهي المكان والزمان والضوء، والمضامين الفلسفية والصوت والتقنيات والجمهور والقيم الجمالية المنبثقة عن تلاحم وتوافق تحقيق الفكرة الفلسفية.

 

 

الخامات المحلية

 

قدمت الدراسة الخامسة للفنان الدكتور محمد الفارس وكانت بعنوان "خامات البيئة السعودية"، استعرض فيها الخامات المحلية الصالحة للأعمال ثلاثية الأبعاد، مثل خشب السدر والزيتون البري والسمر والطلح والصخور النارية والرسوبية، وكثيراً من الخامات التي تحتاج إلى معاملات خاصة بالحرارة أو التقنيات الصناعية للسيطرة عليها لتصبح خامات صالحة لإنشائية الأعمال الفنية.

أما الدراسة السادسة والأخيرة للدكتور عبدالعزيز النزاوي فكانت بعنوان: "لمحة عن حياة كل من الفنانين الراحلين الرواد "عبداللّه العبداللطيف ومحمد السليم"، استخلص فيها أهم مميزات الأعمال ثلاثية الأبعاد كالتالي:

 

الجمع بـين الجانب البصري والتجريدي.

العناية بالصلابة، والتوفيق بين المعاني الرمزية.

الإحــساس بالنعــومة والامتلاء والحركة الإيقاعية.

اسـتثمار الأقواس والمنحنيات كقيمة جمالية.

 

فنانون مشاركون

 

في المحور الثاني وهو الخاص بأعمال الفنانين المشاركين، شارك في العرض أربعة وأربعون فناناً وفنانة بين مصور ورسام ونحات وخزاف من أجيال متنوعة دون قيد أو شرط، وقد قدمت منطقة الدوادمي الكثير من الأفكار والأسماء، في مقدمتهم الفنان الكبير علي الطخيس وأحمد الرحيم، كما كانت مشاركة الفنان الكبير على الرزيزا لفتة جميلة من حيث الشكل والمضمون حيث  قدم ألواحاً من الصاج تفاعلت مع عوامل التعرية في الصحراء، واستطاع بقدرة التخيل والتعامل معها أن يقدمها في بساطة وبلاغة في إيقاع بصري وحوار مع الفراغ يمكن استثماره في أعمال أخرى كبيرة، وتكون نواة لتوظيفها جمالياً في المدن الصناعية الكبرى بالمملكة.

 

أما الفنان "عبدالرحمن العجلان"، فاستطاع باقتدار السيطرة شبه الكاملة على خامة الحجر والصخر واستثمار معطياتها الجمالية ليؤكد أن الصبر وامتلاك الفنان لأدواته هما مفتاح نجاح النحات في التعامل مع الخامات الصلدة، كما أن خبرة الفنان تزيد في قدرته على احتواء الأعمال والســيطرة عليها في حوار دائر لا ينتهي إلا بالرضــا عنها وعـرضها أمام جمهور المتذوقين.

 

ومازال الفنان "علي الطخيس" يؤكد أستاذيته في مجال النحت على الصخور والأحجار، وأعماله تستحق التكبير في الميادين العامة في جميع أنحاء المملكة، ومازال مرسمه بالدوادمي يختزن بداخله الكثير والكثير والذي يحتاج إلى إخراجه إلى نور العرض للاستمتاع الجمالي، ونشر الثقافة البصرية من أبناء الوطن للوطن ذاته.

 

والجديد أيضاً في هذا المعرض ما قدمه الدكتور "صالح الزاير" من فيلم تسجيلي عن الكيفية الإنشائية للأعمال الخزفية الكبيرة داخل مرسمه الخاص بالقطيف، وقدم للمعرض أيضاً قطعتين كبيرتين بارتفاع ثمانين سنتيمتراً من الفخار الشعبي، حيث استطاع تسجيل الرموز والعلامات الشعبية السعودية على السطح الخزفي في حالة نمو وتوالد لمشاعر الفنان، وقد كان للفنانات السعوديات نصيب من المشاركة أيضاً في المعرض،  وأتمنى أن يكون لهن تواصل في المستقبل القريب في مجال الأعمال ثلاثية الأبعاد، وهن: منال الحربي، مها العويفي، هدى الشهري، وأماني الجحدلي.

 

وإذا كان هناك فضل في إقامة هذا المعرض، فيرجع - سببه - إلى تكاتف كل من رجالات وزارة الثقافة والإعلام السعودية، والفنانين والفــنانات الذين استطاعوا في وقت وجيز إنجاز هذا الحدث الجميل ليكون نواة للمعـارض القــادمة في مجال يحتاج إلى الكثير من الدراسة والتوثيــق والاهتمام

 

*  أستاذ أسس التصميم الإسلامي

بجامعة الملك سعود

 

  © أكتوبر 2006 مجلة " أهلا وسهلا ."