شخصيات فنية

 

 

بقلم: أحمد أبو زيد *

يعتبر الفنان والمستشرق الفرنسي "جان ليون جيروم" من أشهر الفنانين المستشرقين الذين قدموا إلى الشرق العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر، فشغفه بالرحلات الطويلة استمر حتى قارب الثمانين من عمره، وقد زار مصر عام 1854م، وأكثر من الترحال إلى الشرق الأدنى وطاف بالعديد من بلدانه، وعشقت ريشته ملامح الشرق فانطلقت في نقل كل ما شاهده هذا الفنان المبدع من معالم حضارية وعمارة إسلامية في مصر وغيرها من بلدان الشرق، وصورت جوانب من التاريخ والتراث وصخب الحياة، في الشوارع والبيوت والأسواق المقاهي، ولوحاته عن الشرق هي أبرز أعماله التي احتلت الصدارة في معارض (صالون باريس) لمدة ثلاثين عاماً.

وقد جاءت رســــومه نابضة بالحــياة، وكثيراً ما شددت الموضوعات التي اختارها على النواحي التقليدية للحياة في الأقطار الإسلامية، والتي كان الأوروبيون على دراية بها، ولكن رسومه بدت أكثر واقعية بسبب أسلوبه الدقيق في نقل ما شاهده في الشرق الإسلامي بكل تفاصيله.

وقد عاش جيروم في باريس التي ضمت مرسمه العريق، وأحاط نفسه بمجموعة كبيرة منتقاة من أجود الفنون والذخائر الشرقية، وغدا مقصد الفنانين من جميع أنحاء العالم، يتتلمذون عليه في مرسمه، وصارت لوحاته عن الشرق الإسلامي من أبهظ المصورات ثمناً.

 

 

على نيل القاهرة

 

ولد جيروم في فيزول بفرنسا سنة 1428، وعاش ثمانين عاماً حتى توفي في باريس سنة 1904م، وقد بلغت موهبته الفنية والتشكيلية الآفاق، حتى صار أستاذاً في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وقد طاف بالعديد من بلاد الشرق، إلا أن مصر ظلت هي معشوقته الأثيرة، وأمضى أكثر من شتاء في (ذهبية) على النيل بالقاهرة، يدرس بعناية فنون العمارة الإسلامية، ويفتش بعيون الفنان والمؤرخ وعالم الآثار عن تفاصيل الحياة اليومية، والأحداث التاريخية وتجار السجاد، والوكالات والمساجد والسواقي!

وكانت أولى زيارات جيروم لمصر عام 1854م، وقد كتب يوميات رحلته الأولى في ثلاثين صفحة، تولى نشرها (موروفوتييه)، كما وصف تلميذه (بول لينوار)رحلة جيروم في كتابه المنشور عام 1872م، واستخدم الكاتب الصحفي (إدموند آبوت) الذي شارك جيروم في رحلته (الجزء المصري من الرحلة)، كلوحة أساسية لقصته (الفلاحة) التي نشرت عام 1870 وأهداها إلى جيروم.

 

 

وقد ضم فريق هذه الرحلة، بعض الصحفيين والمصورين من أصدقاء جيروم، منهم: ألبير جوبيل، وليون يونات، وفامارس تيستاس، وريتشارد جوبي، وفردريك ماسون، الذي روى جانباً من ذكريات هذه الرحلة في بعض مقالاته، وقد وصف جيروم قائلاً: "كأن جيروم ولد خاصة لهذه الرحلات النائية، التي تتطلب بنياناً قوياً وفكراً حازماً، يقف دائماً دون كلل أو ملل، يقود القافلة بطريقة لا يمكن لأحد الاعتراض عليها، مع إشراقية كل صباح كان يتولى الإشراف على أدق الأمور، وتوزيع المهام، ثم يمضي ساعات طويلة، يدخن.. يصيد.. يدوِّن بعض ملاحظاته.. ويفتش بعيون الفنان والكاتب وعالم الآثار.. وما يكاد يصل إلى المعسكر، حتى يبدأ العمل، ولا يحول بينه وبين عمله مطر أو رياح، ثم ينظف (الباليت) وفرش الرسم.. ويالها من صحبة رائعة، حول مائدة تحت خيمة".

وكتب جيروم في يوميات رحلته الأولى: "رحيلي إلى القاهرة.. إقامتي القصيرة في القسطنطينية فتحت شهيتي، كان الشرق هو حلمي الجميل، كان أحد أجدادي من البوهيميين، لأني أميل إلى الترحال ومولع بالتنقل.. أرحل مع أصدقاء، أنا خامسهم، الجميع لا يحملون الكثير من المال، ولكنهم يفيضون نشاطاً وحيوية، الحياة المادية في مصر - في تلك الفترة- قليلة التكاليف، ولم تكن قد وقعت في براثن الغزو الأوروبي بعد، نستأجر قارباً شراعياً، قضينا أربعة أيام على صفحة النيل، نصطاد ونرسم في ترحالنا من دمياط إلى فيلة.

نعود إلى القاهرة حيث نقضي أربعة شهور أخرى، في أحد منازل سليمان باشا المؤجر لنا، وبصفتنا فرنسيين، فهو يستضيفنا في ود وترحاب، زمن الشباب السعيد والأمل والمستقبل أمامنا، الكثير من اللوحات سواء منها ما سيحظى بنجاح كبير أو ضئيل، أو تحوز إعجاب الجمهور بدرجات متفاوتة، سوف أنتهي منها بعد هــذه الإقامة علـى شاطـئ نهــر النيل.

وكان (إميل أجييه) مؤلف المسرحيات الناجحة بصحبة جيروم، و(أوجست بارتولدي) مبدع تمثال الحرية، والذي حمل معه ما يحتاج إليه من مواد التصوير الفوتوغرافي، وكان معه رسامان هما: بابي ونارسيس بيرشير، ولا مراء في أن جيروم قد احتفظ بالصور الفوتوغرافية التي صورها بارتولدي لاستعماله الشخصي.

 

معالم إسلامية

 

وكان جيروم قد أعد نفسه لرحلة طويلة إلى مصر وآسيا الصغرى، لذا فقد طلب إجازة مفتوحة من مدرسة الفنون الجميلة بباريس -التي كان أستاذاً بها- تبدأ من أول ديسمبر سنة 1868م وكلف صديقه"غوستاف بولانجيه" برعاية مرسمه لحين عودته.

وفي التاسع من الشهر نفسه سنة 1868م غادر جيروم مرسيليا متوجهاً إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة، وقد روى (لينوار) تفاصيل زياراته المتعددة للجوامع الأثرية مع جيروم، وسجل انبهاره بروعة العمارة الإسلامية ودرس ورسم كل ما وقعت عليه عيناه، كما التقطوا صوراً فوتوغرافية، وكان لجيروم لقاء بالخديوي إسماعيل الذي تحدث عن أهمية عمل الرسام ورسالة الفن، ولذا. فعقب عودة جيروم إلى باريس أرســــل إلى إسماعيل باشــــا ألبوماً يتضـــمن صــــوراً فوتوغـــرافيــة لكل أعماله.

قضى جيروم شهراً مأخوذاً بمعالم القاهرة الإسلامية، ثم اصطحب رفاقه مرشداً وترجماناً، وتحت قيادته توجهوا إلى الجيزة في 30 فبراير على ظهور الحمير، وأقاموا معسكراً لمدة ثلاثة أيام، ثم اتجهوا جنوباً حتى وصلوا إلى (قنوات يوسف) الأسطورية المؤدية إلى واحات الفيوم، وطـوال ترحالهــم لم يتوقف جيـروم عن الرسم.

ثم واصلوا رحلتهم بعد ذلك إلى مدينة الفيوم، وعلى مسافة أكثر من مائة كيلو متر من القاهرة، اكتشفوا بعض المناطق التي يقطنها قليل من البدو، ثم وصلوا إلى النيل عن طريق السكك الحديدية الجديدة، وفي مواقف كثيرة كانت العربة التي يستقلونها تفصل عن القاطرة وتتوقف على الطريق بوسط الصحراء، بينما السائق يذهب بالقاطرة ليعود بالوقود!.

 

جيروم في سيناء

 

بدأت المسيرة في 22 مارس بمحاذاة الضفة الشرقية لخليج السويس، وفي السادس من أبريل وصلوا إلى دير سانت كاترين وجبل سيناء، بعد أن كابدوا كثيراً من الأمطار والبرد القارص والعواصف الرملية، وضاعف جيروم من استكشافاته، فكانت مبهرة في كثير من الأحيان، وبعضها ساذح، وقال صديقه "جورنو" إن جيروم كان يشعر بأن هذا آخر عبور له للصحراء، فرسم احتياطياً كبيراً كان كافياً لتغذية لوحاته لسنوات طويلة، ارتقوا جبل سيناء، حيث قام جيروم برسم (اسكتش) لمعركة "علميك" وواصلوا رحلتهم إلى خليج العقبة ثم إلى مدينة (البتراء) حيث وقعوا فريسة لعصابة من قطاع الطرق لمدة أربعة أيام، يفرضون عليهم إتاوة يومية باهظة على ما يحملون من مؤن، ويزعجونهم أثناء جلساتهم للعمل والرسم أو التصوير الفوتوغرافي، وقد كتب جيروم في يومياته: "عند الرحيل، كان قطاع الطرق يصحبوننا ويقودوننا خلال طرق مخيفة حتى حدود أراضيهم، دائبين في طلب النقود، حتى الترجمان كان مضطراً لمنحهم المزيد حتى أفلس، غير أن أحدهم لم يكن راضياً عما حصل عليه، فـــاعترض الطريق بحصانه متكئاً بإحدى ذراعيه على رمحه، والأخرى يلوح بـ(سبينجوك) ..بندقية من طراز القرن السادس عشر، لقد كان مشهده رائعاً"، ثم واصلوا الرحلة الشاقة إلى القدس، حيث تولى (بونات) قيادة القافلة التي واصـــــلت السير إلى ســــوريا، بينـــما توجه جيروم إلى يافا ليســتقل مركباً عائداً إلى مرسيليا.

 

 

إلهامات من الشرق

 

ولقد أذهل جيروم معاصريه باتساع الموضوعات التي تناولها، فكان مفتوناً بالشمال الأفريقي والشرق الأدنى، مؤمناً بأنه قد وقع فيهما على الأسس الحية للحضارات الكلاسيكية، واستهل نشاطه مصوراً لأحداث التاريخ، غير أن استجابته لإلهامات الشرق غلبت عليه، وأخذت بنواصيه فلم يكد يعود إلى فرنسا، حتى أخذ يستعين بحصيلته الوافرة من التخطيطات الأولية التي أعدها ومن الصور الفوتوغرافية التي التقطها، ومن معدات مرسمه المجهزة تجهيزاً عصرياً لإعادة تشكيل رؤاه في لوحات شدت الناس إليها، وما زالت تشدهم حتى الآن، وكانت دقته شبه الفوتوغرافية تعطي للصور أحياناً أكثر من حظها.

والواقع أن جيروم كان مصوراً واستعان بالصور التي التقطها هو وغيره عندما كان يعمل على رسم لوحاته في الأستديو، وحسن من دقة لوحاته الكبيرة الحجم باستشارة خبير في الرسم المنظوري،  وقام برسم مسودات تخطيطية عديدة للأشخاص والأجسام والأماكن التي شاهدها في أسفاره، وأصبحت هذه المسودات التخطيطية بدورها مصدراً مستمراً من مصادر إلهامه ومراجعه، وقام جيروم شأنه في ذلك شأن معظم الرسامين المستشرقين الأوروبيين في القرن التاسع عشر بجمع الملابس والأثاث والتحف العربية لنفس الغرض.

وحين عرض جيروم لوحته الشهيرة "بونابرت يطل على أبي الهول"، وجاء رسم أبي الهول ناطقاً لأول مرة بما وقع له من شدوخ بفعل الزمن، هنأه "تيوفيل جوتييه" الأديب المشهور والناقد الفني الذائع الصيت على دقته التي تشــــبه الدقة الفـــوتوغرافـــية، وما أكثر ما كان جيروم يذهب إلى مدى أبعد من المشاهد البديعة التنسيق والمثيرة للخيال، فيضفي على لوحاته شــــاعرية آســـرة، مثـــل لوحته الرائعة "السجين".

لقد تميزت لوحاته المصورة بصفة خــــــاصة (بالتشطيب) النهائي المجود وبتـــفاصــــيلها الدقيقة، واحتلت لمدة ثلاثين سنة مكان الصدارة في معارض "صالون باريـــس"، وخاصة لوحاته الاستشراقية التي كانت بلا جدال أفضل إنجازاته.

 

لوحات جيروم

 

وإذا وقفنا عند عدد من لوحات ورسوم جــــيروم التي صور من خلالها الشرق وعمارته وحضارته وتفاصيل حياته اليومية، نجد منها على سبيل المثال ما يلي:

● لوحة المـــؤذن، بمؤســـــسة كريستي بلندن.

● الصـــلاة فـــــوق سطح أحد المساجد بالقاهرة.

● الصلاة في بيت قائد أرناؤوطي، ويبدو المصلون خلف الأمام من جنسيات وأعراق مختلفة، والبنادق معلــــقة على الحــائط ، بمتحف جاليري بلندن.

● الصلاة في جامع عمرو بن العاص بالقاهرة، بمتحف المتروبوليتان.

● مـــدينة الفيـــوم، بمتــحف جاليـــري بلندن.

● فلاحات يملأن جرارهن من بحر يوسف عند قرية سنورس بالفيوم، بمتحف جاليري بلندن.

● شــــيخ مسن يمتطي حماره بمســـاعدة خــدمه، يتقدمه المكاري ومن خلــفه حــارسان، بمتحف جاليري بلندن.

● نـابليون يطل على أبي الهول بالجيزة - محفوظة بالنادي الدبلوماسي بالقاهرة.

● رقصة السيف في مصر الفرعونية، بمتحف جاليري بلندن.

● شارع بالقاهرة يضم عناصر عديدة من البشر يُعبرون عن الحياة اليومية بالقاهرة في القرن التاسع عشر، بمتحف جاليري بلندن.

● تاجر السجاد بالقاهرة، بمعهد مينابوليس للفنون.

● الانتظار حول المدفأة في قصر عثماني، بمعرض المتحف بلندن

---------------------------------------------------------------------------------------

* كاتب وصحفي مصري

المراجـــــع:

1- مصر في عيون الغرباء من الرحالة والفنانين والأدباء - ثروت عكاشة- دار الشروق- الطبعة الثانية- القاهرة 2003م.

2- صخب الشارع الشرقي في لوحات جان ليون جيروم- عرفه عبده علي- جريدة البينة على الإنترنت-8-9-1426هـ.

3- موقع رسوم المستشرقين على الإنترنت- 15 نوفمبر 2006م.

 

  © فبراير 2007 مجلة " أهلا وسهلا ".