بقلم: إبراهيم العمار

«أهلاً وسهلاً» عبارة تقال للضيوف، والأصدقاء عند استقبالهم، ومعناها صادقت «أهلاً»، ولم تصادق غرباء، ووطئت «سهلاً» لا وعرًا. هذا إن قيلت بإخلاص كقول الشاعر:
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا
نحن الضيوف وأنت رب المنزل
والله أعلم، إن كانت «أهلاً وسهلاً» نابعة من «قلب» (المهلىّ) أو من طرف لسانه كقول بعضهم لضيفه: «أهلاً وسهلاً.. البيت بيتك، والمال مالك، والمسجد أدفأ لك».

وتقال «أهلاً وسهلًا» بحرارة مشوبة بتلهف لمن يرجى منه منفعة مادية بين البائع والزبون، أو عاطفية بين العشاق.. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.. وتقال «أهلاً وسهلاً» للزبون المدهون بالمال... في المتاجر، والفنادق، وكل مكان في المغارب والمشارق.. وتقال «أهلاً وسهلاً» بمكر خبيث للفاسق والمراهق في أماكن قال فيها الشاعر:

لم يسمعوا بالمكرمات ولم ينخ
في دارهم ضيف سوى إبليس

وإبليس لا يوجد إلا في البارات والكباريهات وما شابهما.

وتكون «أهلاً وسهلًا» مصحوبة بالزغاريد، والأهازيج عندما تتم الموافقة على الزواج.

وتكون «أهلًا وسهلًا» ذات مدلول خطر، ومخيف عندما تقال «للمجلوب المرعوب» في الإدارات الأمنية في كل دول العالم ديمقراطية كانت أو منحطقراطية.

لكن «أهلًا وسهلًا» شعار الخطوط السعودية، هي واقع ملموس يحسه بمشاعره «الراكب بفلوس والراكب البلوش»، عندما يعاني تكرار المحاولات على الحجز على أغلب الرحلات، ولا يتنفس الصعداء حتى يتبختر على كرسيه في الطائرة، وعندها يتمتع بتلك الرفاهية المصنفة «بالنجوم الخمسة».

خالد السهيل
suhail@srpc.com

جنية غازي القصيبي

جلست جنية غازي القصيبي إلى جواري أيامًا عدة. كنت خلالها أتشاغل عنها بقراءة كتب أخرى. لكنني  عدت إليها من جديد محملاً بإرث من الحكايات والقصص عن تلك العوالم التي يغلفها الغموض والخوف وهواجس الأطفال المسجونين في غرفهم خوفًا من مخالفة تعليمات الوالد والوالدة حتى لا يقعوا في المحذور، ويصبحوا فرائس سهلة لا تعلم إن هي واجهت كائنًا جنيًا أين ينتهي بها الأمر؟!
عندما بدأت في قراءة الرواية، وجدتني أستعيد تلك المخاوف والمسميات، وأكاد أضع يدي على قلبي من التهيب.
«الجنية» هي إحدى آخر إصدارات الأديب الوزير الدكتور غازي القصيبي، ويحلو له أن يسميها بالحكاية، رغبة منه ربما في التخلص من جدلية التصنيف الروائي، والوقوع في الخلاف النقدي بهذا الشأن. بدت هذه الرواية، أو الحكاية سيان، وكأنها تستحث في النفس كل تلك المخاوف.
ما من شك أن «جنية» غازي القصيبي، عائشة قنديشة، قد حملت الكثير من الرسائل الإنسية والجنية.
لكن القصيبي، كعادته دومًا، استطاع أن يحمل حكايته جملة من الرسائل التي يستطيع كل قارئ وقارئة أن يسبر أغوار النص على طريقته، ووفقًا لما يضمره داخل نفسه. هنا نحن نخوض في هامش من هوامش النقد الثقافي الذي أسس له لدينا د.عبدالله الغذامي، الذي يرى أن النص يتباين بين أكثر من رؤية: الأولى ترتبط بالمؤلف وما يرغب أن يقوله، وليس شرطًا أن يعيه القارئ ولا أن يتمكن المؤلف من إيصاله، وهنا تبدو الإشكالية التي تنقلنا إلى مستوى ثان يتعلق بالقارئ الذي يقرأ وفقًا لمعطياته المعرفية، وليس شرطًا أن يكون النص مترجمًا أمينًا لهذه المعطيات، ثم هناك المستوى الثالث الذي يتعلق بالنص وهو هنا الشيء الثابت الذي لا يستطيع لا المؤلف ولا القارئ أن يحيطا به!
الطريف هنا، أن جنية غازي القصيبي المغربية المدعوة عائشة قنديشة، حظيت بمحام بارع، استطاع من خلال شخصية فاطمة الزهراء، وفيما بعد عائشة التي جاءت في أعقاب رحيل فاطمة الزهراء الذي أجهض الزواج المنتظر بين الفتاة المغربية والشاب السعودي الدارس في أمريكا، لكن هذا الإجهاض كان مؤقتًا فالقنديشة قررت أن تتقمص شخصية فاطمة الزهراء كنوع من التطوع وفاء لوعد قطعته لفاطمة، لتفاجأ عند استقبالها للشاب في المطار أن الوله تسلل إلى روحها هي الأخرى.
في إسهابه، يلمس الكاتب نوعًا من الاختلاف بين المرأة المغربية وكل نساء الدنيا. وهذا ما يشرحه له، أيضًا، ابن أخت عائشة قنديشة الذي كان رجل المهمات الصعبة عندما يحتاج الأمر إلى تدخله. وهو إلى جانب هذه المهمة باحث مهتم بالشؤون الإنسية، يكشف من خلاله المؤلف رؤية الجن وتشريحه للشخصية الإنسانية!
إن اللافت هنا، أن نص غازي القصيبي يسير بطريقة أو بأخرى باتجاه تقدير أصيل وغير تقليدي للمرأة، ولا شك أن هذا التقدير يتجلى شعرًا ونثرًا لدى القصيبي في كتاباته الأخرى، حتى وهو يصوغ رثاءه العذب في الليدي ديانا التي نشرها إثر وفاتها على حلقات في مجلة سيدتي، ثم أعاد نشرها فيما بعد في كتاب مستقل.
غير أن «الجنية» لا تنقل لنا في أفقها الأوسع مجرد نظرة للمرأة، بقدر ما تسبر أغوار البحث باتجاه غير المرئي من الحيوات الأخرى. وغير المرئي أو المسكوت عنه فيما يتعلق بالقيم الإنسانية بمجملها، والرغبات الدفينة باتجاه السلطة والمال والحب أيضًا.  ويمنحنا القصيبي الكثير من الوقت للتأمل، من خلال الاتكاء على سلسلة من الأساطير سواء التراثية والمعاصرة، ومن بينها أسطورة عائشة قنديشة في المغرب وأسطورة أم الشعر والليف وسواها في السعودية والخليج. إناث الجان، كن المدخل الذي ولج منه المؤلف إلى محاكمة عالم الإنس بداية، والتفتيش في هذه العوالم عن الحقيقي وغير الحقيقي من الأفكار والقيم. هو لا يقدم لنا إجابة حتمية في نهاية الأمر، لكنه يحرضنا على مزيد من التفكير، وربما استجلاب جانب مما أسماه الغرب الليالي العربية، عندما نقل إلى لغاته ترجمة «ألف ليلة وليلة» بكل ما فيها من حكايات يختلط فيها الإنس والجان والحيوانات الخيالية مثل العنقاء بكثير من الأجواء الرومانسية، وبطولات سندباد.
الشيء الذي يلفت الانتباه هنا، وهو ما يخص موضوعنا هنا، أن عائشة قنديشة التي أخذت أجمل ما عند نساء الأرض من عطاء، فقدمته لزوجها الإنسي. غير أن الأمر بدا  غير مقنع للزوج الإنسي، فهو في إبهاره جعله يكتشف أنه مختلف عن الآخرين المحيطين به، إذ إن زوجته لم تكن تتشاجر معه، وكانت تنفذ ما يتمناه بمجرد أن يخطر على باله.
هنا انتهت مرحلة من المراحل، لتبدأ مرحلة أخرى يغوص من خلالها الرجل، بعد انفصاله عن عائشة قنديشة، تجربتي زواج من سيدتين أولاهما زميلته الأمريكية في الجامعة، والأخرى قريبته التي أوصى والده بأن يتزوجها. كانت تجربة زواجه من قريبته مليئة بالمرارة، إذ لم تتأقلم قريبته مع واقع حياتها إلى جوار زوجها الطالب في أمريكا. ولم تتوفر علاقة طبيعية بينه وبين زوجته الأمريكية بسبب اختلاف الرؤى والثقافة التي جعلت الزواج يتأرجح وينتهي دون أي مشكلات.
تفاصيل كثيرة، تفضي إلى تأكيد أن كل العوالم تمارس التجربة حتى تصل إلى الأمثل. ولعل الأمثل هو الشيء الذي أوحى به إلينا الكاتب عقب زواجه من المغربية غزلان، وهي قريبة فاطمة الزهراء، بل ربما هي عائشة قنديشة مرة أخرى، بعد أن انفصلا للمرة الثانية في أعقاب تسللها إلى جسده واستقرارها فيه إمعانًا في العشق الذي كاد يودي بحياته لولا أن أنقذه شيخ يقيم بالقرب من مراكش.
أضفت أجواء المغرب الكثير من التشويق للحكاية، وأعادت الحوارات والمعلومات التي تتعلق بالسحر والشعوذة وعلوم ما وراء الطبيعة. لكنها حملت، حتمًا، صورة ساحرة عن مغربيات لا يتعاطين السحر، فالمرأة المغربية إذا عشقت، وفقًا لحكاية الجنية، لا تماثلها أي امرأة أخرى.
هنا ننتقل إلى الخيال الشعبي الذي ساد لفترة عن ذلك السحر، الذي جعل أشخاصًا عديدين في الخليج مع سيادة ثقافة السفر، يرتهنون لهذه العذوبة، ويعودون وهم يتأبطون في أذرعتهم زوجات مغربيات. ولعل الشيء الطريف، أن الزواج من الأجنبيات، لا يخضع لنسبة السعودة التي يطبقها غازي القصيبي بمنتهى الحزم والصرامة في وزارة العمل، بل هي تخضع لقرار وزارة الداخلية، وأحيانًا يصدف أن يبادر الرجال إلى هذه المغامرة حتى قبل الحصول إلى إذن، الأمر الذي يعرضهم لعقوبات يتحملونها. أتراه بفعل السحر الحلال أم لأمر آخر؟!!
نص الجنية، باعتماده تقنية الإحالة للمراجع في بعض الأحيان، يجعلك تدلف مع الكاتب في مغامرة البحث والتفتيش عن الحقيقي وغير الحقيقي في الأمر، مع عدم إغفال مسألة التسلية والتشويق، وهو الأمر الذي يؤكد المؤلف أنه دافعه للكتابة.
\وبينما تعاني نساء كثيرات في الخليج والعالم العربي العنوسة، نجد أن فكرة البحث عن ملاذ من شواطئ أبعد، تتحول في بعض الأحيان إلى أمر واقع. رغم كل الإغراءات التي تضعها دول الخليج لمصلحة المواطنات، سواء من خلال تضييق هذا الأمر نوعًا ما، أو من خلال منح حوافز مادية، كما هو الحال في الإمارات، للشباب الذين يرغبون في الزواج من مواطنات.
يأتي هذا وسط سلسلة من الإحصاءات التي تؤكد أن الخليجيات بدأن يأخذن خطوات أوسع في عوالم عمليات التجميل، وفي الوقت نفسه أكدت الإحصائيات،أيضًا، أنهن الأكثر اهتمامًا بالعطور والمجوهرات.
لا تنسوا أنني أكتب هنا، وأنا أستحضر رؤية د.عبدالله الغذامي في مسألة النقد الثقافي، وبالتالي فمن المؤكد أن المؤلف لم يقل هذا، وإنما أنا قولبت الفكرة بهذا الشكل، وبالتأكيد أنتم ستفهمون ما كتبته بشكل مغاير أيضًا!