برائحة العطارة.. وعبق الحضارة
خان الخليلي.. سوق الشرق

أشهر أسواق قاهرة المعز.. بناها الأمير جركس الخليلي منذ 625 عامًا.منذ 625 عامًا، يربض شامخًا في مكانه، بكل ما تحمله السنون من بصمات المماليك وأمرائهم والدولة العثمانية وولاتها، والتاريخ الحديث الذي وضع مصر على رأس قائمة أهم المناطق السياحية في العالم.. سوق خان الخليلي... نفحات من عمق الماضي وحكاية تراث.

·   مقهى الفيشاوي شاهدٌ على إبداعات نجيب محفوظ
·   رائحة البخور والعطور الشرقية والشاي بالنعناع تجذب أفئدة السواح
·   السبح والأحجار الكريمة والنحاسيات.. أهم منتجات الخان
·   أعقاد اللؤلؤ والزفير والزمرد تضفي على المرأة أنوثة تفوح بسحر الشرق

في زيارة لمصر تستجدي الأماكن التي تحلّق بسحرها إلى أبعد ما يصبو إليه الخيال، فإن الخان يأتي على رأسها.. وقد سماه بعضهم «سوق الشرق»، لما تعرضه حوانيت الخان من أحجار ومنتجات ومقتنيات نحاسية وذهبية وفضية تعبر عن فنون الشرق الأصيلة.. وهي دكاكين تقبع بين بوابات ووكالات أثرية تعطي قيمة تاريخية عظيمة للمكان الذي يحوطه المشهد الحسيني من ناحية، وشارع المعز لدين الله الفاطمي أقدم شوارع القاهرة التاريخية من الناحية الأخرى.
ومع بداية خان الخليلي، تبدأ الرحلة من القرن الثالث عشر الهجري، حيث توجد على ناصية السوق سبيل وكتاب أحمد باشا طاهر الذي بني عام 1282 هجرية على الطراز التركي وهو الوحيد في القاهرة الذي اتخذت واجهته الرئيسة الشكل المقوس المقعر، ويتكون من طابقين السفلي للسبيل، والعلوي للكتاب. وقد شيدت الواجهة من الرخام الأبيض، ونوافذه محلاة بمشغولات نحاسية ذات زخارف نباتية، تتوجها قطع خشبية بها رسومات ملونة.
روعة الإبصار لهذا السبيل، وتذوّق بعض الحلوى الشرقية من البائع الذي يفترش أسفله، بانطلاقة تذعن الجولة في سوق خان الخليلي والسير على أرضيته ذات الأحجار البازلتية والقطع الرخامية، ومشاهدة حوانيته المغطاة بأخشاب بنية تطفو فوقها أعمال الأرابيسك تحكي قصة الفن العربي الأصيل.
ورائحة البخور والعطور الشرقية والشاي بالنعناع، ترتحل بالذاكرة إلى الماضي والعيش مع الأجداد الذين تفننوا في إتقان أعمالهم ليتركوا لنا اليوم تراثًا هائلاً لا ينضب، طالما بقي الصانع الماهر ذو الأصابع الذهبية يعشق العمل في الأحجار الكريمة والمعادن لتخرج من بين يديه أجمل التحف وأروع المقتنيات.


معروضات سوق الشرق

وتعرض الحوانيت العديد من المنتجات الشرقية، أهمها السبح المصنوعة من المرجان والفضة والكهرمان، ومنها ما يطعم بالفيروز والأحجار الكريمة. وبعض السبح قد يصل طولها إلى متر ونصف صنعت لتكون قطعة ديكور فريدة مكتوب عليها أسماء الله الحسنى، أو أسماء أشخاص محددة بحسب طلب العميل.
ووفقًا لأحمد حسن، صاحب أحد حوانيت بيع السبح والأحجار الكريمة في الخان، فإن أكثر السبح التي تلقى رواجًا لدى زبائن الخان سبحة تسمى «اليسر»، وهي مصنوعة من المرجان الأسود وتطعم بالفضة، أو الفيروز، أو الصدف.
سبحة خشب الكوك الخالص، والتي يقال إنها تبارك من يملكها وتحميه من الشيطان، وكذلك السبح الكهرمانية بجميع ألوانها الأصفر، والبرتقالي، والأسود الشفاف.
أما الدهشة فتتملك من تلك الأحجار التي تسمى «الزروف» بألوانها الشفافة الأبيض، والأصفر، والأحمر، والأخضر، والأزرق، والبنفسج، التي يمكن استخدامها في خواتم الذهب، أو الفضة أو تعليقها كما هي.
وأما الأعقاد الموجودة في خان الخليلي فتُصنع من أحجار متنوعة من اللؤلؤ، والمرجان، والزفير، والزمرد، والروبي، والتي تضفي على من ترتديها أنوثة يفوح منها سحر الشرق وجماله الذي لا يقاوم.
وهناك الدّلال والمعلقات التي يخبر بائعها عنها أساطير تناقلها الناس، فهذه هي عين حورس يقال إنها تحمي من يرتديها من الحسد، وتصنع غالبًا من الفضة وتطرز بالأحجار الكريمة.. وذاك مفتاح الحياة الذي يقولون إنه يجلب السعادة لمن يملكه ويصاغ من الفضة، عادة، ومن الممكن وضعه في ميدالية أو تعليقه في سلسلة.. أما الجعران، وهو كائن يشبه الخنفساء، فيقال إنه يجلب الحظ وينحت من الفضة أو الجرانيت.. وهؤلاء الثلاثة من موروثات قدماء المصريين «الفراعنة».
وبحسب هيثم جمال، تاجر النحاسيات في الخان، فإن السائحين الذين يزورون خان الخليلي تبدو على وجوههم علامات الإعجاب والافتتان بالمكان وسحره التاريخي، إضافة إلى ما يتميز به من رخص أسعاره، وتجلي مهارة الصانع المصري في النحت على النحاس والبرونز وتشكيل أعمال مختلفة منهما كالأطباق، وفازات الورود، والمباخر، والسيوف، والخناجر ذات الأحجام المختلفة.
وجدير بالذكر أن كثيرًا من حوانيت خان الخليلي، وبخاصة محال المصوغات والمجوهرات، قد تم تجديدها وتغليفها بالرخام والجرانيت ووضع مقتنياتها في واجهات زجاجية حديثة تتلألأ بداخلها المعروضات من أجل جذب أعين الزوار والسائحي
ن.

مقهى نجيب محفوظ

وفي داخل الخان يقبع مقهى نجيب محفوظ الذي أنشئ عام 1989 بعد حصول الأديب المصري على جائزة نوبل في الآداب بعدة أشهر.. ويرتدي مضيفوه الأزياء والطرابيش، في عودة إلى عصر الوالي محمد علي باشا الذي تولى حكم مصر عام 1805، وبدأ معه عصر التحديث في البلاد.
الشبابيك والمشربيات الخشبية فوق الحوانيت، تهيئ لناظرها بإطلالة تلك الفتاة الجميلة ذات العينين الساحرتين يغلف وجهها البرقع الأبيض، كما وصفها الأديب المصري نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة السكرية، وبين القصرين، وقصر الشوق.

آثار خان الخليلي

خان الخليلي، هذا المكان التاريخي العتيق، اكتسب شهرته مذ كان واحدًا من ثمان وثلاثين سوقًا وزعت أيام المماليك على محاور القاهرة، وقد بناه الأمير المملوكي «سيف الدين جركس الخليلي» عام 1382 ميلادية فوق بقايا تربة الزعفران الفاطمية التي ضمت رفات آباء المعز لدين الله الفاطمي التي جاء بها من المهدية إلى القاهرة عندما تم لقائده جوهر الصقلي فتح مصر.

وظل هذا الخان باقيًا حتى قام السلطان الغوري بهدمه وتجديده عام 917 هجرية، وأنشأ في موقعه حواصل وحوانيت ورباع ووكالات يمكن الوصول إليها من ثلاثة أبواب.

وعن أهمية الخان التاريخية يوضح علاء عاشور، مدير عام آثار خان الخليلي، أنها لا تكمن في كونه سوقًا قديمة تعدى عمرها ست مئة عام فحسب، وإنما نجد أنها تحتوي على عدة بوابات ووكالات أثرية ترجع إلى عصور مختلفة، فهناك الأثران المواجهان لبعضهما في منتصف الخان وهما بوابتا الغوري بواجهتيهما الحجريتين المحفور عليهما أشكال هندسية، وقد شيدا بأمر من السلطان الملك الأشرف قنصوه الغوري في عام 917 هجرية.

ومن آثار خان الخليلي بوابة البادستان التي تقع في الطرف الغربي المؤدي إلى المشهد الحسيني، وتتكون عمارتها الخارجية من حجر غائر يغطيه عقد ثلاثي ذو صدر بمقرنصات مقعرة ذات دلايات، وقد نقشت طاقية هذا العقد بزخارف زجزاجية جميلة مزينة بزخارف هندسية بسيطة تتألف من مثلثات ومعينات ودوائر.. أما عمارته الداخلية فهي عبارة عن منطقة مربعة ذات أرضية مربعة يغطيها قبو مروحي تزينه زخارف زجزاجية بلون أبيض على أرضية حمراء، ويعلوها نص إنشائي باسم السلطان الغوري وتتوسطها ثلاثة شبابيك سفلية متماثلة.

أما وكالة سليمان أغا «السلحدار» والتي أنشأها الأمير سليمان أغا عام 1253 هجرية فتتكون عمارتها الداخلية من ثلاث واجهات، أولها رئيسة في الناحية الشمالية الشرقية تطل على شارع خان الخليلي، ويتوسطها مدخل رئيس عبارة عن حجر غائر وله فتحة باب ذات مصراعين خشبيين بكل منهما شريطان معدنيان، أحدهما سفلي والآخر علوي، ويعلوهما عقد تزينه زخارف زجزاجية، وفوقه لوحة رخامية تأسيسية بها كتابات نسخية من أربعة أسطر بكل منها شطران كتابيان نصهما في السطر الأول «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» وفي السطور الثلاثة الأخرى باللغة التركية.

ومن داخل الوكالة هناك الحوانيت الحديثة، والتي كانت قديمًا حواصل خُصص أجزاء منها لعرض بضائع التجار، وأجزاء للإبل التي كان يأتي عليها هؤلاء التجار من بلادهم، وبالأعلى كانت هناك غرف يقيم بها التجار ليستريحوا من عناء السفر، ويقيموا فيها طيلة مكوثهم في الخان لبيع بضاعتهم.

وهناك وكالة أخرى في خان الخليلي ولكنها غير متكاملة، وهي وكالة «البدوية بنت شاهين»، والتي تقع في نهاية الخان من ناحية شارع المعز، وقد تعرضت إلى التعدي من قبل أصحاب المحال الذين أخفوا واجهتها بلافتاتهم وبضائعهم، ومع ذلك فما زالت أحجار تلك الواجهة تنبض بالحياة.

سحر الوداع

في حال مغادرة خان الخليلي من جهة شارع المعز سيشهد الوداع محلات العطارة وقد أشعل أصحابها البخور فتسبح مع نسيم العود، والصندل، والمسك، والجاوي إلى عصور قد مضت من التاريخ، وكانت خير شاهد على إبداع الحضارة العربية والإسلامية وعظمتها.. وإلى جانب ذلك يعرض أصحاب هذه الحوانيت البهارات والعطارة بأنواعها المختلفة كالحبهان، والمستكة، والزعتر، وجوز الطيب، والخولنجان، والفلفل الأسود، والشطة، وزيت الزيتون، وحبة البركة.

ووفق تجار العطارة بالمنطقة فإن الكثير من السائحين الأجانب يتهافتون على شراء العطارة العربية ويطلبونها بالاسم. ويتندر أحدهم بأنه في إحدى المرات قامت سائحة روسية بتذوق الشطة الهندي التي تشبه حبة البندق وهي شديدة الحرقة، وظلت تتأوه حتى ركبت حافلتها، ومع ذلك كانت تعلو الابتسامة فوق وجهها الأبيض ذي الحمرة حتى فارقت المكان.

وأما الرحيل من حيث البداية عبر المشهد الحسيني فسوف ينحني إجلالًا للمقاهي ذات الطراز العربي ، فيحكي التاريخ نفسه على إحدى المناضد الشاغرة في مقهى الفيشاوي، الذي يزيد عمره على مئتي عام، عن إبداعات نجيب محفوظ المولود بحي الجمالية الذي يربض خان الخليلي بين أحضانه.

ويبقى أن «خان الخليلي» هو أحد أهم المعالم المصرية، بل والعربية التي تشهد جنباته تناغمًا وتواصلاً بين مختلف الحضارات وشعوبها.. فليس المصريون والعرب فقط هم عاشقي هذا المكان، بل الأجانب من الجنسيات المختلفة يتجولون فيه، يذوبون للحظات في المكان، يمارسون ذات الطقوس في أحد مقاهي الخان، يدخنون النارجيلة، ويحتسون القرفة والزنجبيل، ويدخلون في حوارات ضاحكة مع الجميع.