مركز الملك عبدالعزيزفي الرياض
صرح يسمو بعظمة التاريخ السعودي

  • يحتضن المركز مجموعة من التحف والآثار والوثائق القديمة والمخطوطات، ويستنهض ذاكرة السنين الخوالي.
  • المتحف الوطني حجر أساس المركز
  • قصر المربع روعة تلتصق بمجد الملك عبدالعزيز
  • ثمان قاعات تستشرف التدرج الزمني للأحداث
  • كلفة بناء المركز بلغت 182 مليون دولار

في عام 1996 أصدر خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، يرحمه الله، مرسومًا ملكيًا يقضي بإنشاء مركز تاريخي يجسد نقطة محورية تنطلق منها احتفالات المملكة المئوية. الهيئتان المسؤولتان عن إطلاق المشروع، الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، والهيئة العليا للاحتفال المئوي، قررتا حينئذ أن مبنيين اثنين ستكون لهما الأولوية القصوى على غيرهما من الأبنية الأثرية الأخرى.. المصمك والمربع حصنان يخلدان إشراقات الدولة السعودية.
قصر المصمك، قلعة برزت كنقطة انطلاق الملك عبدالعزيز لاستعادة الرياض، أجريت عليه عمليات ترميم وتجميل سابقًا، ولكن اهتمام المنظمين تحول تلقائيًا نحو قصر المربع التاريخي الذي بني في وسط مدينة الرياض القديم، ليكون معقلًا للاحتفالات بالذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية.

وقد بدأت عمليات البناء والتشييد لترميم القصر في أبريل عام 1997، حيث دأب خمسون من المهندسين و4 آلاف من العمال يحاولون إتمام مهمتهم قبل موعد الانطلاق في 22 يناير 1999. فلم يكن القصر هدفهم الوحيد، وإنما كان جزءًا فقط من مشروع أكبر ضم مباني أخرى، بما فيها متحف، وصالات عرض، ومكتبة، وملحقات وغير ذلك. ولكن المهندسين والعمال، المسلحين بسلاح العزيمة والحماس، صمموا على إنهاء العمل قبل الافتتاح الذي تم في الخامس من شوال 1419هـ، حيث كان الناس على موعد مع تدشين مركز الملك عبدالعزيز التاريخي ، وقد كلف بناؤه 182 مليون دولار، وهو إحياء لذكرى مئوية، كمعلم على خارطة تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث، في استرداد الرياض على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.

 

تاريخ

ومن جهة أخرى، فإن صفحات التاريخ تنجلي أمام الزائر عند ولوجه المساحات الواسعة لمركز الملك عبدالعزيز التاريخي، تعكس بإطلالتها رومانسية جميل ، وسط الحدائق الغناء والممرات المائية الجذابة. فعلى هذه الصفحات الواسعة يندمج خليط من المباني القديمة التي أعيد ترميمها، مع مبان أخرى تم تأسيسها من عدم، والنوعان يتمازجان في تناسق ليس بينهما تنافر، كرمز لتكريم الرجل الذي أسس المملكة العربية السعودية.
إذ يذكر المركز الشباب الناشئ بالأيام الخوالي، يحق لهم أن يفتخروا بتراثها الماثل أمامهم وحضارة الدين الإسلامي وتاريخ الجزيرة العربية.
جملة من المباني تؤلف بكتلتها المعمارية ما يسمى «مركز الملك عبدالعزيز التاريخي»، وهي:
المتحف الوطني، قصر المربع ودارة الملك عبدالعزيز، بالإضافة إلى وكالة الآثار والمتاحف، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، وجامع الملك عبدالعزيز، وأخيرًا المتنزه العام.

المتحف الوطني

أما المتحف الوطني فهو حجر الزاوية للمجمع بمساحته التي تغطي 321 ألف قدم مربعة، كما أنه ودون منازع، أكبر متحف في المملكة على الإطلاق.
يتميز المبنى وملحقاته بتناسق سلس يتناغم مع البيئة الأوسع للرياض، طبيعة الصخور والرمال التي تغلب على نجد، أوسط الأقاليم السعودية. وقد تم تشييد جدرانه الخارجية من طوب الحجر الجيري المتوافر هناك. وواجهته مغطاة بالكامل بهذا الطوب الذي يلف المبنى من الخارج في تماوج رشيق. ولأن المتحف يجسد مركزًا لإثراء الثقافة المتعلقة بالمملكة العربية السعودية، فإنه يركز على تاريخ جزيرة العرب.

فالمتحف- كما يراه الزائر شامخًا يقف عند الطرف الشرقي للمركز- يحوي الكثير من التحف، والآثار، والوثائق القديمة، والمخطوطات. وتصاحب كل معروضة من المعروضات تعليقات وأوصاف مناسبة باللغتين الإنجليزية والعربية. ثم تتوسع في سرد هذه التفاصيل الأشرطة السمعية والبصرية المصاحبة.

وحيث إن تاريخ الجزيرة شائع متنوع، فُضل أن يتم عرض تفاصيلها في أقسام منفصلة، ضمن قاعات مستقلة، هي ثمان قاعات على وجه التحديد، رتبت حسب تسلسلها الزمني.

من هنا كان لابد أن يكون من أوائل القاعات قاعة التاريخ القديم للجزيرة التي تتناول بمفرداتها معلومات تتخصص في وصف صحاري الجزيرة العربية ونباتاتها، وحيواناتها، وسكانها القدامى، وأسلحتهم وأدواتهم العربية وبزوغها لغة مسموعة ومكتوبة، تم توثيقها بشكل جيد. والعروض المرئية الحية «المتفاعلة مع الزائر» تسمح له بأن يستقطع عينة من الإنسان الأول الذي كان يفرش المكان هنا جيئة وذهابًا.

تفاصيل القاعة تغطي فترة زمنية تمتد حوالي أربعة آلاف سنة، بالتقريب من عام 6000 قبل المسيح وحتى الألفين قبله، عليه السلام، يطلع الزائر من خلالها على العديد من الممالك التي كانت بؤر نشاط وحياة في أنحاء الجزيرة العربية، كل حسب تسلسلها. فيجد أولًا الحضارات القديمة، ثم الممالك الوسطى، وأخيرًا يجد الممالك المتأخرة، بالإضافة إلى الآثار الجيولوجية الحية الأصلية، المنتشرة هنا وهناك، والتي تخلق بيئة من الواقع والحقيقة، تقرب الزائر من أحقاب شهدت ظهور ممالك مثل العبيد، والدلمون، والقدار، والإيدوم، ومدين، وقرية، وتيماء. وواكبت تشييد مدن شهيرة مثل الحمراء، ودومة الجندل، وتيماء، وتاروت.

قاعة العصر الجاهلي

وأما قاعة العصر الجاهلي- وكما يوحي اسمها- تستعرض مع الزائر الفترة التي سبقت ظهور الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وولادة الإسلام في الجزيرة، تسلط الضوء على الممارسات الاجتماعية والسياسية والدينية التي كانت سائدة في تلك الحقبة. وكما هو متوقع، فإن المدن الرئيسة التي استقطبت اهتمام الناس حينئذ تجد في هذه القاعة ما تستحقه من الاحترام. ومدينة مكة تحديدًا تأخذ نصيبًا وافرًا من هذا.

قاعة البعثة النبوية

في حين تتميز قاعة البعثة النبوية بمادة العرض فيها، وهي شخص الرسول، صلى الله عليه وسلم. الفترة، كما تعرضها محتويات القاعة، تبدأ من مولد الإسلام والإذعان بظهور رسول جديد مرسل. وجل المعروضات، سواء الآثار منها أو الأشرطة أوالتعليقات المرافقة، تقتفي أثر الأحداث المهمة والحوادث التي صاحبت النبوة. إنها سرد للسيرة الذاتية لرسول الإسلام.

قاعة الإسلام والجزيرة العربية

وفي احتضان لتفاصيل فترة زمنية أوسع تبدو قاعة الإسلام والجزيرة العربية جلية الملامح مع بداية وصول الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى موطنه الجديد ومكان هجرته المبارك في المدينة المنورة، بعد أن صده قومه في مكة. ثم تستشرف مزيدًا من معالم الأحداث التي شهدتها الفترة وحتى وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم. ولكنها تأخذ في التوسع بعد ذلك لتلحق بزمن الخلفاء الراشدين، الذين خلفوا الرسول مباشرة، صحابة رسول الله: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي.

وفي مكان آخر من القاعة، تتسع دائرة الضوء الذي تسلطه لتشمل فترات ومراحل متلاحقة. فهناك الدولة الأموية، والدولة العباسية، ثم دولة المماليك، وأخيرًا الدولة العثمانية.

قاعة الدولة السعودية الأولى والثانية

وبينما يتابع التدرج الزمني تفاصيل الأحداث، ينتقل للقاعات التي تمثل فترة عاشت فيها الدولة السعودية الأولى. والدولة السعودية بالطبع مرت بثلاث مراحل، تغطي القاعة أولًا قيام الدولة أول مرة بتحالف الإمام محمد بن عبدالوهاب، والإمام محمد بن سعود وعاصمتها الدرعية، حيث تركز المعروضات في هذا القسم من المتحف الاهتمام على مدينة الدرعية، وتستعرض بشكل مناسب جميع أحداثها الفاصلة وحتى نهايتها على يد إبراهيم باشا.
ثم تعرج على معالم الزمان والمكان للدولة السعودية الثانية التي أسسها الإمام تركي بن عبدالله، فتتابعها حتى آخر أيامها، عندما غادر الإمام عبدالرحمن الرياض

قاعة توحيد المملكة

وأما قاعة توحيد المملكة فتسرد قصة الملك عبدالعزيز واسترداده لمدينة الرياض في الخامس من شوال 1319هـ، حدث يعده الجميع نقطة انطلاق للدولة السعودية الثالثة، أو ما يسمى بالمملكة العربية السعودية حاليًا. هذه القاعة مميزة عن غيرها في شكلها البيضوي، حيث تصطف مناطق المملكة المختلفة حول محيطها الخارجي بشكل أنيق، وبحسب ترتيب انضمامها إلى قافلة التوحيد.
قاعة الحرمين الشريفين
وفيها يمكن تتبع تطور معمار الحرمين الشريفين عبر العصور. كذلك ترسم لوحة للحج ومناسكه، وتسلط الضوء على مشاريع التشييد والتوسعة التي شهدها الحرمان الشريفان خلال فترات الدولة السعودية.

قصر المربع

وفي سياق آخر، فإن في الرياض صرحين يرتبط اسمهما بالملك عبدالعزيز ارتباطًا وثيقًا، أحدهما قصر أو قلعة المصمك التي استعادها الملك عبدالعزيز ورفاقه في ليلة مشهودة من ليالي عام 1319هـ (1902م). أما الآخر فهو قصر المربع، كان مسكنًا للملك ومركز حكم له من عام 1938 وحتى عام 1953، حينما انتقل إلى جوار ربه.

وقد شيد القصر في عام 1355هـ عندما قرر الملك بناء مجمع سكني له ولعائلته يحوي في جنبات ساحاته الكثير من الوحدات المساندة أمثال بناية «الخدمة»، والديوان الملكي، والقصر نفسه الذي كان محاطًا من جميع جنباته بجدار عال مزين بالأبراج النجدية التقليدية. وانتهى بناؤه في عام 1357هـ فانتقل الملك وعائلته إلى المقر الجديد الكامن في منطقة المربع.

وعندما انطلقت أعمال ترميم هذا القصر التاريخي، كان معظم الجدار المحيط به انهار، ومنذ زمن ليس بالقريب. فاستعملت الطرق التقليدية في صنع الطوب الذي بني به السور، مكون من الطين والقش والماء. واستعمل ذاته لترميم القصر والمسجد والخزينة والوحدات الأخرى التي كانت جزءًا من القصر القديم. وبعد الانتهاء من عمليات الترميم كان القصر، بجميع أبراجه المشهورة، لا يختلف كثيرًا عنه عندما كان الملك عبدالعزيز يعيش فيه.

ويبدو داخل القصر لزائره واسعًا رحبًا أكثر مما يتصور قبل أن يدخله. فالغرف بخلاف أنها واسعة للغاية، فإن أسقفها عالية، أيضًا، تمتد عبرها العوارض الخشبية الكبيرة فتعطي السقف مسحة من الخشونة والمتانة في آن واحد. داخل القصر بارد البيئة عمومًا، وهذا يعود إلى طبيعة مادته، الطوب المصنوع من الطين. ثم إن جميع القصر مصبوغ باللون المائي الأبيض، ما يزيد من لطافته. في هذه الغرف البيضاء كان الملك عبدالعزيز يقابل مواطنيه وقادة الدول، على حد سواء.

دارة الملك عبدالعزيز

وفيما يتعلق بدارة الملك عبدالعزيز، فإنها تقوم في الجانب الغربي من المركز، وتمتد على مساحة سبعة آلاف متر مربع. وهي كيان مستقل أنشئ في عام 1392هـ، للاحتفال بذكريات الملك عبدالعزيز أساسًا والمملكة العربية السعودية عمومًا. كما تبرز الدارة تاريخ البلاد وجغرافيتها وأدبها وأبنيتها. فتغطي، إلى حد ما، تاريخ الجزيرة والعرب.

وتعد أيضًا، بمنزلة نقطة تجميع لأي مقتنيات تاريخية يمكن الاهتداء إليها وتصنيفها، ولها علاقة بكل مراحل الدولة السعودية. لا غرابة إذًا، بالنظر إلى هذا التحديد، أن تحوي قاعة الملك عبدالعزيز التذكارية تراث الملك عبدالعزيز، وتحتضن الكثير من مقتنياته الشخصية الأصلية مثل ثيابه، ونظارته، ونسخته من القرآن، وساعاته، وخواتمه، وسيفه، وأشياء أخرى كان المليك يستعملها في حياته اليومية.
كما تحتل القاعة الجزء العلوي من الدارة، أما الطابق السفلي فيعرض مجموعة من المعروضات لا تقل أهمية وتشويقًا كالسيارات التي كان يستقلها الملك عبدالعزيز، بما فيها سيارة الرولز رويس المشهورة التي أهداها إياه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل.

مكتبة الملك عبدالعزيز العامة

وأما المكتبة فتقع في الجهة الجنوبية للمركز. وتمتد على رقعة لا تقل مساحتها عن 95 ألف متر مربع، والكتب التي تقتنيها تلبي عادة حاجة الرجال والنساء والأطفال على حد سواء. وبجانب صالات القراءة المعتادة، فإن في المكتبة صالة للاستعمال العام يمكن استغلالها للأغراض الثقافية.

المتنزه العام

وفي ختام الجولة على المباني الغنية التي يوفرها مركز الملك عبدالعزيز التاريخي للزوار، قد يرغب بعضهم في قضاء وقت من الراحة والاسترخاء. والمتنزه الملحق بالمركز مكان مناسب جدًا لهذه الغاية، فهو مكون في الأصل من 6 حدائق تتكامل فيما بينها.

يشغل المتنزه الأنيق مساحة 5 هكتارات، إذ يقطع المركز بكامل طوله من الشمال إلى الجنوب. وتمتد ممرات المشاة موازية لجدول من الماء يجري الهوينا في كل مكان، تحف جوانبه الأزهار والشجيرات لينتهي في شمال المتنزه، حين يصب في بحيرة تحت مصب مائي جذاب روعي فيه أن يشبه الطبيعة إلى حد كبير.

وجدير بالذكر أن الماء الذي يجري في الجدول والمستعمل لأغراض أخرى في المتنزه، يُستقى  من بئر قديمة تم ترميمها حديثًا ويعود تاريخها إلى الثلاثينيات من القرن الماضي حينما تم حفرها، من أجل سقاية قصر المربع نفسه. كما تغطي المتنزه مسطحات لا نهائية من الحشائش الخضراء التي تنتشر عليها الكثير من مقاعد الجلوس. لذا، وفي نهايات الأسبوع عمومًا وفي أيام العطل الرسمية تحديدًا، يصبح المتنزه هدفًا للطامعين في اصطياد الراحة والمتعة.