قراءة في كتاب

 

 

عرض: الطيب برير يوسف

ظلَّت الإنسانية عبر مسيرتها في عمارة الأرض، تحقيقًا لمبدأ الاستخلاف الربّاني، وفيّة كلّ الوفاء لمعتقداتها وعباداتها وما يتعلّق بها من مقدسات، تبذل في ذلك النفيس والغالي، إعلاءً لشأن هذه المقدسات، من باب التقرب والزلفى، وصيانة لقيمة الانتماء في عبادتها وتحنثها لمن تعتقد فيه، وتجلّه عبادة وخضوعاً، بغض النّظر عن خطل أو صواب ذلك الاعتقاد أو تلك العبادة. فالتاريخ بكل صفاته يشير إلى مظاهر عناية الإنسان بأمر عقيدته التي يتبعها، ومن ثم اهتمامه الكبير بما يتعلق بهذه العبادة من ماديات تلحقها القداسة من منظور ارتباطها بالعبادة نفسها، وإلا كانت شيئًا من الأشياء هملاً، لا قداسة له .. وبهذا الاهتمام والعناية ترتفع قيمة الإنسانية، وتعلو عن مباذل السوام، ومساقط الهوام، وإنها لتخســـــر معناها لو أنها لم ترع للمقدسات قيمة، ولم تبذل النفيس في ســــبيل المحــــافظـــة عليها، وإعلاء شأنها..

وإن كانت الصورة هكذا لكل معتقد وعبادة، فإنها تغدو أكثر وجوباً، وأشد عزماً وحزماً إذا ارتبط المقدس هذا بعبادة إلهية المورد، ربانية الرسالة طاهرة المنبع، عظيمة الغاية والغرض..

عندئذ لا يكون أمر الاهتمام بها وتعظيمها من باب المندوب فضلاً، بل يصعد هذا الاهتمام ليغدو من المتعين فرضاً، والواجب لزوماً، وغاية غايات العناية والاهتمام في سلم التصاعد في الإجلال والتقديس تتجلى في كل ما هو مرتبط بعقيدة الإسلام كونها خاتمة الرسالات، متممة المكارم، بعالمية الخطاب الذي استوجب خضوع بقية الرسالات لها، ودخولهم في متسع براحها. وعلى هذا تبقى المقدسات الإسلامية الأوجب بالتقديس، والأحظى بالعناية، والأوفر نصيباً بالرعاية، طالما بقي الإنسان عارفاً بربه، مؤمناً بنبيه صلى الله عليه وسلم ومعظماً لشعائره .. وها هنا تبرز "الكعبة المشرفة"، بيت الله الحرام، في سنام التقديس، وسارية الاهتمام، فإليها تتجه القلوب قبلة وتهفو الأفئدة حين تشرع في الصلاة، ويبلغ الربح مداه حين تكتحل بها العيون طوافاً في مواسم العمرة والحج والزيارة وغيرها من مواسم التقديس.

ليس كتاباً معتاداً

هكذا تتراءى الصورة أمامك  وأنت تقلب هذا السفر البديع، وهذا المبحث العظيم والجهد الكبير الذي حوته صفحات كتاب (الكعبة المشرفة .. عمارة وكسوة) لمؤلفه الشيخ محمد بن حسين الموجان، ولن يفي وصف الجهد الذي بذله المؤلف غير ما أشار به معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، في تقديمه للكتاب حيث يقول: "الكعبة المشرفة عمارة وكسوة" ليس كتاباً معتاداً، ولا مكروراً فيه الجديد تاريخاً وصورة للكسوة المشرفة، أنفق لأجله ثماني سنوات من الترحال والبذل، يفتح المخبوء ويفتش ويرفع ويصور، ومن عرف البحوث الاستقصائية غير الوصفية عرف المعاناة وحسن النتائج..)، ولم يعدُ معاليه الحقيقة فقد لقي المؤلف مشقة كبيرة خلال رحلة البحث طوال هذه السنوات والتي قطع خلالها عشرات الآلاف من الأميال بطول العالم وعرضه ولم تخل من المواقف الحرجة والصعبة كتواجده بتركيا حين وقوع زلزال أظنه الشهير ، أو سقوطه من إحدى السقالات أثناء تصوير إحدى قطع حزام الكسوة بمصر ،ومواقف أخرى لاحصر لها ، إضافة للصعوبة الشديدة أثناء  البحث عن المجاميع الخاصة وذلك لكونها محفوظة لدى أفراد منتشرين في دول شتى من جهة ولما يحيطون به هذه القطع والصور النادرة من تكتم شديد خوفاً عليها من جهة أخرى ، فكان أن انعكست كل هذه الجهود الحثيثة والصبر الدؤوب  على هذا السفر العظيم والذي يستهله المؤلف  بمقدمة تناول فيها مكانة مكة المكرمة منذ أن دحا الله الأرض وبوّأها شرف احتضان بيته العتيق، وما تبع ذلك من حج الناس إلى هذا البيت وتقديسهم إياه على مر الزمان، ثم يعرّج المؤلف لبيان جهده في جمع وتصنيف مادة كتابه هذا، مسجلاً طي مقدمته أبرز ما توصل إليه من حقائق علمية وكشوفات آثارية وتصويبات تاريخية لم يسبق نشرها من قبل، ومن بين هذه الحقائق نشر صورة لأحد أعمدة الكعبة المشرفة الثلاثة رُكبت في الكعبة في عهد عبدالله بن الزبير ـ رضي الله عنهما-، ودراسة نشر مجموعة من أقفال ومفاتيح باب الكعبة المشرفة ونشر الباب الداخلي للكعبة المشرفة المعروف بـ(باب التوبة) والذي يعود للعصر المملوكي، مع اكتشاف لأقدم قطعة لكسوة الكعبة المشرفة من عهد السلطان المملوكي الناصر حسن يعود تاريخها إلى العام 167هـ، إضافة إلى جملة من الصور التاريخية النادرة لكساوي الكعبة المشرفة على مر الدهور والأزمان.

الموقع والموضع والوسطية

يلي ذلك تمهيد استعرض فيه الموجان مكة المكرمة من حيث الموقع والموضع والوسطية، مع إشارة لأسماء مكة المكرمة مثل بكة وأم القرى والبلد والبلدة والقرية ومعاد والوادي والحرم الآمن حسب ما ورد ذكرها في القرآن الكريم، ثم تناول فضائل مكة وخواصها، وحرمتها وحدود حرمها والحدود الداخلة في حرز مكة المكرمة، مجملاً كل ذلك برسومات ولوحات تشير إلى كل هذه المعاني التي أشار إليها وتناولها.

ويقسم المؤلف كتابه إلى بابين، تناول في أولهما "عمارة الكعبة المشرفة" مستهلاً بالفصل الأول الذي تناول فيه "الكعبة المعظمة قبل بناء إبراهيم عيه السلام" ، في الفصل الثاني من الباب الأول تحدث الموجان عن "بناء إبراهيم الخليل عليه السلام للكعبة المعظمة" بصفتها التي وردت حسب الأمر الإلهي لخليل الله عليه السلام، وينتقل المؤلف من ثم إلى موضوع "عمارة العمالقة وجرهم للكعبة المشرفة، وعمارة قصي بن كلاب مع بيان صفة بنائه لها، ويصل المؤلف في الفصل الرابع"الكعبة المشرفة في عصر الرسول صلى اللله عليه وسلم والخلفاء الراشدين"، منطلقاً من تاريخ تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة، وما حدث في الكعبة في عام الفتح، والعناصر المعمارية للكعبة المشرفة المتمثلة في الحجر الأسود والركن اليماني وحجر إسماعيل والشاذروان والميزاب ومقام إبراهيم عليه السلام، ومروراً على الحقب التاريخية نصل في الفصل الخامس إلى "عمارة الكعبة المشرفة في العصر الأموي"، استهلالاً بعمارة عبدالله بن الزبير للكعبة المشرفة في العام 56هـ/ 486م، وبيان ما تم من هدم لها وبناء مع توضيح لصفة البناء الجديد، ثم عمارة عبدالملك بن مروان في العام 73هـ/692م، وإيضاح لمظاهر الأعمال المعمارية عند نهاية العصر الأموي ومن ذلك تصفيح باب الكعبة بالذهب في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان في العام 93هـ/694م،

 

 

 الفصل السادس أفرده المؤلف (للأعمال المعمارية للكعبة المشرفة في العصر العباسي)، منتقلاً في السابع إلى العصر المملوكي ثم العصر العثماني في الفصل الثامن، وصولاً إلى العصر السعودي في الفصل التاسع بدءاً بأعمال الملك عبدالعزيز بن عبــــــدالرحمن آل سعود ثم أعمال أبنائه سعود وفيصل وخالد وفهد، وفي كل هذه المراحل التي عبرها المؤلف في مجال الأعمال التي تمت في عمارة البيت العتيق يشرح بالتفصيل المدعم بالصور ما تم من إنجاز وزيادات ومظاهر معمارية حديثة هدفت كلها إلى التشرف بتزيين الكعبة المشرفة والدخول في فضل عمارتها.

كسوة الكعبة على مر العصور

 

الباب الثاني تناول (كسوة الكعبة المشرفة) وينقسم هذا الباب إلى عشرة فصول، ففي الفصل الأول نمضي مع المؤلف الموجان لنعرف "كسوة الكعبة المشرفة قبل الإسلام" مبيناً أنه لم يرد نص يشير إلى أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كسا الكعبة بعد رفع قواعدها هو وابنه إسماعيل عليهما السلام-، فيما يشير الكاتب إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني فيما أورده بشأن أول من كسا الكعبة المشرفة وهم إسماعيل وعدنان بن إد وتبع. ويتتبع الكاتب من كسا الكعبة بعد ذلك مشيراً إلى كسوة قصي بن كلاب وكسوة أم عمرو بن الحكم وخالد بن جعفر بن كلاب الذي تشير الروايات إلى اتخاذه الديباج كسوة للكعبة المشرفة، الفصل الثاني أطر فيه المؤلف كسوة الكعبة المشرفة في الفترة منذ فجر الإسلام وحتى نهاية العصر المملوكي، وتتابع الفصول في أمر كسوة الكعبة لنصل في الفصل الثالث إلى "كسوة الكعبة المشرفة في العصــــر العثماني" الذي شـــهد تطوراً جمالياً في زخارف وخطوط الكسوة.

الفصل الرابع تتبع "تطور كتابة وزخارف الكسوة وتعدد قطعها"، منذ بداية ظهور الكتابة والزخرفة عليها والتي لم تكن حاضرة في فجر الإسلام، الفصل الخامس انفرد بالحديث عن "إنشاء دار خاصة بكسوة الكعبة المشرفة"، وأماكن صناعتها، ومن بين ذلك دار الكسوة بالخرنفش بالقاهرة مع بيان نظام عملها، وخاماتها التي تصنع منها، الفصل السادس قدم فيه المؤلف وصفاً لكسوة الكعبة المشرفة في العصرين المملوكي والعثماني مقدماً مع وصفه نماذج لقطع من الكسوة، في الفصل السابع يتحدث الكاتب عن "الاحتفال بكسوة الكعبة المشرفة في العصرين المملوكي والعثماني"، وصولاً في الفصل الثامن إلى "كسوة الكعبة المشرفة في العصر السعودي" مع بيان وصف لها في ذات العصر في الفصل التاسع، ليختم المؤلف كتابه ببيان "مراسم تسليم كسوة الكعبة المشرفة وتركيبها" في الفصل الأخير.

صفوة القول في هذا المرور العجل أن كتاب "الكعبة المشرفة عمارة وكسوة" سفر ماتع جمع فيه مؤلفه فرائد في ما يخص الكعبة المشرفة، وقدم فيها إيضاحات لا غنى عنها لكل مسلم تتوق نفسه وتتشوق لمعرفة أسرار وتاريخ وحاضر القبلة التي يهفو إليها ويتوق لرؤيتها.

شـاعر ســوداني

 
  © يونيو 2007 مجلة " أهلا وسهلا ."