عبادات وتأملات

 

 

 

إن الله يفعل ما يشاء ويختار، فهو سبحانه يعطي ويمنع، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل، فقد فضل الله بعض الشهور على بعض، وفضل بعض الأيام على بعض، وفضل بعض الأوقات على بعض، وبعض البشر على بعض وبعض الرسل على بعض {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات}.( البقرة):"253".  وكما هو الحال في الرجال، نجد النساء أيضاً على نفس الشاكلة فهناك نساء طبقت شهرتهن الآفاق، وأريد في هذه السانحة أن أسلط الضوء على محاسن وفضائل عدد من النساء حزن في عالم الناس شهرة، ولا أزعم أني سأحصي من النساء كل ذات فضل ولا كل من لهن في الحياة تميز وشهرة، ولكني سأذكر نماذج من هؤلاء بالقدر الذي يحقق الغرض إن شاء الله، وقد حرصت على انتقاء نساء مختلفات في نوع تميزهن وفضلهن، علّ بناتنا يقتدين بهن وينهلن من مناهلن ويقتفين أثرهن، ويكن قدوة حسنة يقتدي بأخلاقهن فتياتنا، يتتبعن آثارهن ويتخلقن بأخلاقهن الحميدة.

 

السيدة هاجر

 

هي هاجر زوج إبراهيم عليه السلام: هذه السيد المباركة التي جعلها الله سبباً مباشراً في أن ينعم المسلمون بأطهر ماء وأكثره بركة، فلأجلها أولاً هي ورضيعها، ثم لأهل المنطقة والمسلمين جميعاً نبع هذا الماء منذ القدم ومازال وسيظل بحول الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولو لم يكن لهذه السيدة المباركة من فضل إلا هذا لكفاها.

قدمت هاجر وزوجها يصطحبان ابنهما الرضيع إسماعيل عليهم السلام إلى مكة المكرمة، لتفاجأ بترك زوجها لهما في تلك الفلاة بجانب البيت المحرم وحيدين لا أنيس ولا رفيق، وحينما قفل إبراهيم عليه السلام راجعاً، تبعته فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس به أحد؟ إلى أن قالت له: آلله أمرك بهذا؟، فأشار برأسه، أي نعم، عندها هدأت هذه النفس المؤمنة وقرت، واطمأنت، فقالت: إذن فحسبي. تركتنا إلى كاف. فما دام الأمر بتقدير الله ومشيئته، فلا خوف ولا حزن، وإن كان كل ما حول هذه السيدة وابنها لا يبشر بخير. فقد نفد الماء الذي كان بصحبتها وجفف الظمأ صدرها، وبلغ الطفل من الظمأ والجوع حداً ظنت معه أنه يجود بنفسه، وأقسى ما يلاقي المرء إيلاماً أن يرى فلذة كبده يموت بين يديه جوعاً وما في استطاعته توفير الغذاء له، فمضت آخذة في الأسباب علها تجد لأزمتها فرجاً، ولتقدم لنا بذلك الدرس العملي في ضرورة السعي والعمل ليضع الإنسان نفسه موضع تكريم الله واستحقاق رزقه، فمع إيمانها الكامل بأن الله لن يضيعها وطفلها، لم تجلس جلسة العاجز المنتظر للكرامة وخوارق العادات.

فبعد سعيها بين الصفا والمروة سبع مرات وهي مجهدة منهكة أتاها الفرج إذ سمعت صوتاً وهي على جبل المروة، فخاطبت نفسها قائلة (صه) ثم قالت إن كان عندك غواث فاغثنا، فإذا هي بجبريل عند موضع زمزم، يضربه بجناحه فينبع الماء، فنزلت مسرعة تقصده وجعلت تحوضه ليجتمع الماء، وتقول زم، زم ..فسمي زمزم لذلك.

كانت هاجر السبب الرئيس في زمزم المبارك، ومن فمها أخذ اسمها. وجاء الجراهمة ليستأذنوها في الجوار فاشترطت عليهم أن ليس لهم حق في الماء، وهذا يوقفنا على مدى إدراكها لفن إدارة المياه، إن بقاء الماء تحت ملكها ليس حباً للتملك، فما اشترطت أن يكون الماء ملكاً لها ولابنها ذلك النبي الرسول بعد موتها، إلا لضمان أن يكون الماء لكل المسلمين، فقد قال صلى الله عليه وسلم "إنا معشر الأنبياء لا نُوَرَث ما تركناه صدقة"(مسند أحمد)

 

ملكة سبأ

 

هي بلقيس بنت شراحبيل بن مالك الريان (ملكة سبأ)،

اتسمت هذه السيدة الفاضلة برجاحة عقلها ورصانة فكرها وحسن تقويمها للأمور وعواقبها، والتريث في أخذ القرار، والحرص الشديد على سلامة شعبها وتجنيبه ما قد يجلبه الاعتداد بالقوة. وسنتعرض لقصتها مع نبينا سليمان عليه السلام والهدهد علنا نخرج بحكم وعبر تنير لنا الجادة وتضع أمامنا نموذجاً يحتذى في سياسة الأمور وتدبير الشؤون.

قال الله تعالى على لسان هدهد سليمان: {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} (النمل): "23 ".

كانت بلقيس من بيت ملك وسلطان، وكان لها مجلس شورى يضم ثلاثمائة واثني عشر رجلاً، كانت بأرض مأرب على ثلاثة أميال من صنعاء.

"وأوتيت من كل شيء" أي من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن "ولها عرش عظيم"، وكان العرش في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم فيه ثلاثمائة وستون طاقة من مشرقه ومثلها من مغربه وقد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة وتغرب من مقابلتها، وكان يخدمها فيه ستمائة امرأة.

والملفت للنظر هنا أن خدمها كانوا من النساء، وهذا مسلك المرأة الحيية العاقلة، فمع أنها كانت امرأة وثنية إلا أن الاعتداد بالنفس جعلها تترفع عن أن يراها رجل وهي على حال لا تحب أن يطلع عليها الرجال.

كما أنه من الملاحظ أن تلك الدولة قد بلغت من العلم ما بلغت {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون} (النمل): "32". أي حتى تحضــــروا وتشــيروا علي. إنه مبدأ الشورى الذي يجنب الوقوع في الخطأ. 

{قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} (النمل): "33".

أطلعوها على مدى جاهزيتهم للحرب، وأوكلوا إليها أمر السياسة واتخاذ القرار، فلما قالوا لها ما قالوا كانت هي أحزم رأياً منهم وأعلم بأمر سليمان وأنه لا قبل لها به، فاختارت ما فيه حفاظ على نفسها وعلى مملكتها.

لقد عدلت إلى المصالحة والمهادنة، وذلك أيضاً من رزانتها ورجاحة عقلها وحسن تصرفها وتدبيرها. {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} (النمل): "35".

أي سأبعث إليه بهدية تليق بمثله وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، قال قتادة رحمه الله: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال "تهادوا تحابوا" (موطأ مالك) وقال ابن عباس وغير واحد قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.

إنها الحنكة والحكمة التي تنم عن خبرة وذكاء، لكن كان رد سليمان صارماً جعلها تعيد حساباتها، قال تعالى: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} (النمل): "37".

فلما رجعت رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة متابعة له على دينه.

 

ابنتا شعيب

 

من النساء اللاتي يشار إليهن بالبنان ويعطر بذكرهن اللسان بنت شعيب زوجة موسى عليه السلام، هي وأختها اللتان أسبغ الله عليهما من الأدب والعفة ما يرقى لأن يكون منهاجاً لكل مسلمة في الأدب والحياء، قال تعالى في سورة القصص مخبراً عن سيدنا موسى {فلما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} يقول الشيخ الشعراوي ـ رحمه الله-: لقد تخلفتا بغنمهما حتى يصدر الرعاة بدوابهم عن الماء فلا تخالطان الرجال في الزحام على البئر، وما أخرجهما إلا (وأبونا شيخ كبير) لا يقوى على العمل، وليس لهما من الرجال ما يقوم على أمر دوابهما. وتعود الفتاتان إلى أبيهما وتحكيان له ما كان من أمر موسى معهما وسقية غنمهما، ويرسل شعيب عليه السلام إلى موسى {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} تقول له {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} فيصحبها موسى عليه السلام، وقد طلب منها أن تمشي خلفه وتدله على الدرب، ولما وصلا خاطبت والدها: {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}. وصفته بالقوة حينما رأته يرفع الحجر الضخم (غطاء البئر) ووصفته بالأمين حينما أمرها أن تمشي خلفه.

 

السيدة خديجة

 

ومن النساء اللائي بلغن مبلغاً عظيماً وشأوا فريداً بين نساء العالمين أم المؤمنين خديجة بنت خويلد سيدة نساء قريش، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم أولاده، تلك التي أعطيت من الشرف والفضل، ورجاحة العقل والكرم والمروءة بل والفصاحة والبلاغة ما لم يعطه إلا القليل من ذرية آدم عليه السلام، حين عاد الرسول خائفاً من غار حراء مخبراً إياها بما كان من أمر جبريل معه في أول لقاء به حين ضمه إليه مرات كاد نفس الرسول فيها أن ينقطع مع ترديده {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم} (العلق): "1-3". ويخبرها بأنه قد خشي على نفسه، فكان أول كلماتها: كلا والله لا يخزيك الله أبداً. وفي استهلالها بهذه الكلمات براعة وبلاغة عظيمة حيث إن لها تأثيراً عظيماً على نفس من خشي على نفسه الهلاك، فوقعت في نفسه صلى الله عليه وسلم وقع ضمة الأم الحنون. ثم إنها تبدي حيثيات حكمها هذا التي جعلتها تقطع بإجابتها في اطمئنان وثقة فقالت: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (الضعيف)، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". لقد كان لكل عبارة من هذه العبارات القليلة المبنى، الكثيرة المعنى ما هدّأ من روع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ليت نساءنا وبناتنا اليوم يتخلقن بشيء من خلق أم المؤمنين خديجة في الوقوف بجانب أزواجهن، فجزاها الله خير الجزاء. وقد جزاها بالفعل، فكانت أول من أسلم من النساء بل قيل إنها أول من أسلم على الإطلاق. بل إن الله يرسل جبريل ليطلب من الرسول إبلاغها سلامه ويقول يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب". نعم الجزاء لهذه الزوجة العظيمة التي يقول عنها صلوات الله عليه وسلامه رداً على عائشة رضي الله عنها حين قالت قد أبدلك الله خيراً منها: "والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، ورزقني منها الله الولد".

لهذا كان لها في قلب الرسول منزلة أي منزلة وأكرمها حتى بعد موتها. قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح الشاة فيعضيها أعضاء ويقسمها في أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها رداءه، فسألته عن ذلك، فقال: هذه كانت تأتينا في زمن خديجة وحسن العهد من الإيمان. وقصة زواجها رضي الله عنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكشف مدى رجاحة عقل هذه السيدة، فهي الغنية ذات الأموال والتجارة، لكن عندما تريد الزواج فإنها هي التي تبعث في طلب الزواج من محمد لما عرفت من أمانته وصدقه وخلقه الفاضل الكريم.

 

السيدة فاطمة

 

سيدة نساء العالمين على الإطلاق سيدة لا تجارى ولا تبارى في الفضل والحسب والنسب والكرم، تزوجت علياً رضي الله عنه على مهر يسير وأسكنها رسول الله هي وزوجها في حجرة مجاورة لبيت عائشة، ومع ذلك فإن من يقرأ قصة حياتها رضي الله عنها يقف على قصة صبر واحتساب مما يدل على هوان الدنيا وحقارة شأنها، فكم عانت من العمل في خدمة زوجها وبيتها، في عصر كان عمل البيت مرهقاً للزوجة ما لم يكن لها خادم، وتشكو رضي الله عنها إلى أبيها ما أصاب يديها جراء الطحن بالرحى، فينصحها الوالد الحنون بأن تستعين على كثرة أعمالها بالتسبيح ثلاثاً وثلاثين والتكبير ثلاثاً وثلاثين والحمد ثلاثاً وثلاثين عند النوم مخبراً ابنته والمؤمنات في صورتها بأن هذا الذكر خير لها من خادم. فلنجرب نفع هذه الوصية لأنها مبادرة عن: {حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}. وتطيع فاطمة وتصبر وتحتسب، ويوصيها ليوصي نساء المسلمين في شخصها، بل والمسلمين جميعاً بالصبر والاحتساب والتلذذ بذكر الله الذي يُنسى الهم ويزيل التعب ويشرح الصدر. ثم درس آخر من حياة فاطمة رضي الله عنها في زواجها من الإمام علي كرم الله وجهه بهذا المهر القليل، إذ يجب على فتياتنا وأوليائهن عدم المغالاة في المهور وأن يعلمن أنه ليس معياراً يوزن به الرجال، وإنما المعيار هو التقوى التي يكون بها الإكرام عند الحب، وعدم الظلم عند فقده.

 

السيدة صفية

 

صفية بنت عبدالملطلب القرشية، تزوجت العوام بن خويلد بن أسد بعد موت زوجها الأول، فولدت له الزبير والسائب وعبدالكعبة. شاركت صفية رضي الله عنها في غزوة أحد، وحين انهزام الناس جاءت قائلة: انهزمتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان أخوها حمزة بن عبدالمطلب قد قتل ومثل به، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلة قال لابنها الزبير: أرجعها لكيلا ترى أخاها. فذهب إليها الزبير وقال: يا أماه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي. فقالت صفية: ولم؟ لقد بلغني أن أخي مات، وذلك في الله، لأصــــبرن ولأحتســــبن إن شاء الله. فلما جاء الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بقول أمه قال النبي صلى الله عليه وسلم: خل سبيلها، فأتت صـــفية فنظرت إلى أخيها حمزة، وقد بقرت بطنه، فاسترجعت واستغفرت له.

كان لها رضي الله عنها في غزوة الخندق موقف لا مثيل له في تاريخ نساء البشر، فحين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال عدوه وضع الصبيان ونساء المسلمين وأزواجه في فارع (حصن حسان بن ثابت)، قالت صفية: "فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، ناقضة عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في قتال عدوهم، قالت: فاحتجزت ثم أخذت عموداً، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته.

وبذلك كانت أول امرأة مسلمة تقتل رجلاً في سبيل الله.

 

السيدة أسماء

 

هي أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، مهاجرة جليلة كبيرة ولدت سنة 27 قبل الهجرة. تزوجت من الزبير في مكة وهو رجل فقير لا يملك سوى فرسه، وهاجرت وهي خامل بولده عبدالله، وفي ذلك تقول: تزوجني الزبير وما له في الأرض مال ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤونته وأسوسه، وأدق لناضحه، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير، وأدق النوى، أعجن ولم أكن أحسن الخبز، فكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق. وجدها الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً في مكان فترك ناقته لها لتركب ولكنها أبت قائلة يا رسول الله إن الزبير رجل غيور. إنها ترعى حق زوجها حتى ولو رفضت عرضاً للرسول صلى الله عليه وسلم، مقدمة حق زوجها على ما يريحها ويسرها لتعطي بذلك درساً للزوجة المسلمة في تقديم رغبة زوجها على كل شيء.

 

السيدة زبيدة

قبل أن أعرِّف بهذه السيدة الفاضلة أحب أن أذكر أني لم أعرف من بين النساء من ذاع صيتها بالخير والنفع في عالمنا الإسلامي حتى طبق الآفاق، طيلة اثني عشر قرناً مثل هذه المرأة المباركة، بل ولا أعرف مشروعاً أفاد المسلمين لقرون عديدة مثل مشروعها المائي الكبير عين زبيدة، وكذلك مشروعها الآخر الكبير وهو درب زبيدة، فما من حاج أو معتمر أو مجاور أو مقيم في مكة المكرمة إلا وقد شرب من الماء الذي أجرته من وادي نعمان إلى مكة المكرمة طوال هذه القرون. إن ما يسمى من أعمالها بدرب زبيدة مشروع أقامته على طول طريق الحجاج الذي يربط بغداد بمكة المكرمة، حيث بنت محطات استراحة لنزولهم والتزود بالماء لهم ولدوابهم. ولقد درست مواقع هذه المحطات بعناية فائقة، ولمست ما فيها من براعة هندسية، وإتقان في التصميم والتنفيذ.

ومما ميز هذه السيدة الفاضلة أنها كانت ذات رؤية بعيدة ثاقبة، فلكي تضمن بقاء ودوام عطاء هذه المشروعات العملاقة أوقفت عليها العديد من الأوقاف وجعلت ريعها لتشغيل وصيانة هذه المشروعات، ولم تكتف بذلك بل فتحت أبواب الخير على مصاريعها لكل من يريد الخير والثواب.

"ولو كل النساء كمثل هذي لفضلت النساء على الرجال".

 

خاتمة

 

تلك صور مشرفة لنماذج نسائية عظيمة أردتها علامات على درب الحياة تسترشد بها بناتنا، تتأمل أعمالها، وتستنطق حكمتها حتى تكون لهؤلاء متبعة ولهن مقلدة.  وليس معنى ذلك أن تاريخ الأمجاد توقف، أو أن النساء عقمن عن مثلهن، ولكن معلوم أن فترة ركود كبيرة قد أصابت العالم حينما خبت أنوار العلم وجفت ينابيع البحوث بتوقف التفاعل بين الحضارات وضعف أو انعدام الترجمة وسيطرة الأفكار الدخيلة،  والتقليدية على العالم الإسلامي. وأخذ يدور في حلقة مفرغة، يكرر ما قيل ويناقس أموراً ثانوية لا أهمية لها، ودخل في صراع الجدل حول إرث الأئمة، وانصرف من ينتسبون للعالم عنه وتأخر ركب العلم في العالم، خاصة في بلاد الإسلام ردحاً طويلاً من الزمن.

وبرع في عصر النهضة هذا نساء كثيرات في جميع العلوم، زخرت بهن الجامعات العالمية الكبرى. وسأذكر عدداً محدوداً ممن تقلدن أرفع الأوسمة وحصلن على أشهر وأعظم الجوائز كجائزة نوبل الشهيرة وجائزة دي رويال وجائزة الملك فيصل. وقد حرصت على أن أشير إلى هؤلاء العالمات النيرات لأبين أني لا أدعو إلى التقوقع ولكني وإن كنت أدعو إلى القيم العالية والأخلاق الفاضلة فإني في الوقت نفسه و بالأهمية نفسها أدعو إلى الأخذ بأسباب العلم والبحث والمعرفة بكل مشاربها.

 

 

مدير أبحاث المياه  بجامعة الملك عبد العزيز

 

 

 
  © يونيو 2007 مجلة " أهلا وسهلا ."