رحلة ورحالة

 

 

 

بقــــــلم:  أحمد محمّد محمود

ولد الرحالة خلف أحمد عاشور آل سبيه في ينبع، وانهى مراحل تعليمه بالمدينة المنورة وبمدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة عام 1362هـ، وتقلد عاشور عدداً من الأعمال الحرة والحكومية، حيث عمل مديراً عاماً للزكاة والدخل بالرياض، ومديراً عاماً لها أيضاً في الساحل الغربي (جدة)، وأحيل للتقاعد عام 1400هـ، وعمل مع مجموعة "بن لادن" مشرفاً على التوسعة الكبرى للمسجد النبوي الشريف، وحالياً يعمل مستشاراً لرئيس مجلس الإدارة لمجموعة "بن لادن".

أحب عاشورالرحلات داخل المملكة وخارجها، وألف كتابين حتى الآن في حصيلتها الغنية، وسجل تفاصيلهما بأسلوب أدبي سلس، وعبارات نقية، جمع فيهما بين جمال العبارة وغنى الصورة وتنوعها. وضم كتاب رحلته هذه إلى جانب الرحلات خارج المملكة، موضوعات في قضايا ومناسبات وطنية، ورثائيات  "لأحبة رحلوا عن هذه الدنيا"، تقديراً لما تركوه من أثر، وختمه بلون من الأدب الشعبى المحبب للنفس.

قام برحلة بالطائرة حول العالم استغرقت أكثر قليلاً من شهرين، وكانت  ساعات الطيران في مجموعها 07 ساعة، رصد خلالها، "عجائب في العالم وغرائب، ودنيا حافلة بالخير والشر، وما يدخل في إطارها حتماً من رضا وارتياح يلقاه الرحالة، أو ما يشبه النفور والاشمئزاز من بعض ما يشاهده المتجول أو الجوال، طبائع متنوعة لصنوف من البشر والأجناس، يتشابه بعضها ببعض، ويناقض بعضها البعض الآخر، من ذلك ما تتقبله النفس وتقبل عليه، ومنها ما ترفضه رفضاً قاطعاً وتأباه، هناك مشاهد ومناظر ونماذج من كل متع الحياة، منها ما هو مألوف وليس من ضير الإقبال عليه أو الرضا عنه والاستئناس به، ومنها ما هو غير مرغوب تعافه النفس أو تصد عنه صدوداً.

كان هدفه من هذه الرحلة، الجمع بين تحقيق فوائد السفر، ومعرفة عالم لم يعرفه، وحياة شعوبه وعاداتها، إضافة إلى "الترويح عن النفس، والظفر بشيء من الراحة والهدوء، بعيداً عن حياة روتينية مملة". وجاءت هذه الرحلة وصاحبها على أعتاب التقاعد من العمل الحكومي، وما يتبع التقاعد من "نمط حياة جديدة، قد تصد الإنسان عن الترويح، حيث تحد عوامل السن من نشاط الإنسان، وتكبح جماح قواه، وليـــس في مقدور من بلغ هذه السن، مجاراة سن الشباب في التنقل".

 

انطلاق الرحلة

 

 وضع الرحالة قدمه على أولى عتبات انطلاقته في هذه الرحلة من "القاهرة، لتشمل عدداً كثيراً من المدن، شملت الكويت وجنـــوب شــــرقي آســــيا واليابان، وعبر المحيط إلى هونولولو، ومن هذه المدينة الصاخبة المجنونة إلـى عددٍ من المدن الأمريكية، وعبر المحيط ثانية إلى بعض المدن الأوروبية، قبل العودة إلى محطة الانطلاق الأولى القاهرة".

بدأت الرحلة والجو "شتاءً" والمحطات التي سيؤمها مختلفة الأجواء بين حار ومعتدل، وبارد إلى شديد البرودة، مع متاعب فارق الزمن بين الشرق والغرب، كما بدأ الاستعداد لها بحقيبتين ألقتا عليه بمتاعبهما، انتظارهما في مطارات الوصول "ونبشاً" لهما بحثاً عن حاجياته لا يعرف في أيهما كانت، وكانت فرحته عارمة، وقد اكتشف عدم حاجته لهما معاً، أن دفع بهما إلى المملكة في أول فرصة له في نيويورك "كان فرحاً بالتخلص من العناء الذي كابده، وظل معه في عددٍ من المدن، والقى بما يحتاج إليه في حقيبة واحدة، وشعر وقتها أنه تخلص من هم ثقيل،  سبب له الصداع.

وفي هذه الرحلة، وجد رحالتنا أنـواعاً من الدول، منها ما يشترط "سمة الدخول ـ الفيزا، ومنها من لا تعبأ بها، وتفتح أبوابها للسائحين من كل مكان"، وهناك تفاوت كبير بين ما يلقاه السائح أو الزائر بين بلد وآخر، ففي مناطق يسرع مسؤولوها لتلمس أمور السائحين، يرشدونهم للسكن، ويهيئون ما يحتاجون إليه، ويتم ذلك بالكثير من الغبطة، والاستقبال الحسن والمريح، ومناطق أخرى ـ يدوج ـ بها القادم، وتوحي ملامحه بطلب النجدة والإرشاد، فلا يجد لذلك سبيلاً، ولا يعبأ بأمره مخلوق".

وما يكاد صاحب الرحلة يغادر القاهرة في مفتتح سفرته، وهو يعاني من وطأة الإنفلونزا،  حتى ينتابه شعور الإشفاق، ويستولي عليه الحنين لأرض الوطن، "لا يهاب السفر، ولا يخاف من البعد، ولكن تشده أرض عليها نشأ، وجذور إليها انتمى، فتسرع أفكاره بعيداً، ويغلب على نفسه شيء من اللوعة لا تخفيها ملامح أبداً، فتطوف عليها صورة دقيقة مما يعاني ويكابد، وهو إنسان تأثر بما في الجوانح ينبض، وبما في الفكر والقلب يجول".

 

من القاهرة إلى سنغافورة..

 

تتطلب الرحلة من القاهرة إلى سنغافورة، المرور بالكويت، حيث يطلب من الركاب المواصلين التزام مقاعدهم على الطائرة،  وقد بدأت بوادر الضجر والسأم تتسع على ملامح المسافرين، وبدأ الهمس يسري بينهم.. كانت المحطة القادمة بعيدة، وسوف تعبر الطائرة إليها في ست ساعات أو سبع، وهي تحلق في السماء صوب الشرق، المسافر قلق، وساعات الطيران تمر بطيئة مضنية، ولكن بدد هذا السأم خدمة مثلى في الخطوط اليابانية، وقصّر من عمر السفر تعامل في أجواء الفضاء سمح كريم.

وحتى السفر بالطائرة، ليس مريحاً دائماً، خاصة في الرحلات الطويلة، التي تضطر فيها الطائرة للتوقف في عدد من المطارات، ويظل الركاب فيها، أو في صالات "الترانزيت"، انتظاراً لمواصلة الرحلة، كما حدث لرحلتنا التي توقفت في "بانكوك"، وهنا اتسعت حدقات عيون السهارى التي أضناها السهاد، وشق عليها عدم الرقاد، بعد أن ظلت تتوسل للنوم، الذي يأتي ولا يأتي، وهبطت بنا الطائرة في سنغافورة، بعد مضي يوم كامل من مغادرتنا القاهرة، وقد كنت متعباً من ألم الحنجرة الذي بدأ معي من القاهرة، وزودني طبيب بمضاد زادني إرهاقاً على أرهاق، خفف منه علاج وصفة - في سنغافوره - وصفها له طبيبان سعوديان: عبدالعزيز محمد يوسف، وعبدالعزيز صيرفي.. وفي بلدي أطباء مهرة بارعون، إلى جانب الفضائل الكريمة والمستوى الخلقي الرفيع. وكانت "سنغافورة فرصة للرحالة يتجول فيها، ويعبر عن إعجابه بنظافتها، وجمالها، ومرافقها السياحية"، وبدأت مدينة مخضرة آية في الجمال، ونموذجاً رائعاً للذوق الحسن، والاهتمام منقطع النظير. واستعرض شرائح سكانها من ملاويين وصينيين وقلة من العرب، واندماج السكان وتضامنهم يشكل الوحدة، أو الولاء للوطن، وللعرب فيها أعمال خيرية كالمدارس، ونسبة المسلمين فيها 20%.

 

الفلبين.. جزر مندناو

وكانت الزيارة التالية للفلبين  "والمسلمون فيها ـ مع الأسف ـ في شبه اضطهاد ملموس، والتخلف بينهم ظاهر في كل أسباب الحياة، وغالبيتهم في الجنوب ـ جزر مندناو، وقد حرموا من الخدمات الصحية الجيدة، كما حرموا من التعليم"، وإلى جانب هذه الصورة السلبية التي سجلها الرحالة عن شريحة من سكان الفلبين، سجل سطوراً من ذهب في الذكر العطر للسفير السعودي في مانيلا، شغلته عن تقديم أية معلومات عن هذا البلد، والسفير هو فوزي عبدالمجيد شبكشي، والذي يتميز بسمعة هي حديث الناس، أضافة إلى الرزانة والدبلوماسية التي تميز تصرفاته.

 

الصين الوطنية.. تايبيه

 

 

 وزار الرحالة "الصين الوطنية" متوقفاً في عاصمتها  "تايبيه" ومتجولاً فيها، ولاح له أنها تشبه سنغافورة إلى حد بعيد  وأعجبه إقبال سكانها على التعليم، وعلى التصنيع رغم قلة الموارد والخامات، والأفراد من الشعب لهم قوة ومكانة مرموقة عظـــمى كقـــــوة يعتد بها، أو كأنهم الأساس الذي يوضع في اهتمام الدولة.

 

هونج كونج

 

وكانت المحطة التالية في هذه الرحلة الطويلة "هونج كونج"  ومساحتها لا تزيد على 600 كيلومتر، ومطارها واحد من خمسة مطارات خطيرة في العالم، التي يحسب لها قائد الطائرة حساباً، ولقد قطعت شوطاً كبيراً في عالم الصناعة والاستثمار.

ويميز تعامل سكانها لطف، وكرم يفوق الوصف، "وعرجنا فيها على أحد مطاعمها الفاخرة، وما كدنا نستقر في مقاعدنا حتى التفت حولنا مضيفات يهيئن أطباقاً تحف بها عصي تستخدم في تناول الطعام، ثم أحضرن لفائف من قماش أخذن يطوقن بها أعناق الجالسين، ويحكمن ربطها من الخلف، فخيّل إلينا كأننا في صالون حلاقة سوف يأخذ برؤوسنا، ويصنع بها ما يصنع الحلاقون، وتتابعت أصناف الطعام تقدم في شيء من الذوق والتنسيق والنظام، إنهم يحفلون بالضيف كثيراً، أحسسنا بأنفسنا مشدودة نحو خصال فقدناها نحن بعض العرب".

ولاحظ الرحالة تشابهاً ملحوظاً بين هذه الجزيرة وبين لبنان، وفي مطعم ببحيرة "الجامبو"، قال: "كنت أطل فأرى البحر، وأرى جبالاً مكسوة بالخضرة، مياهاً منسابة تنحدر من جبال، خيّل إليّ  كأنني قريب من نهر الصفا، أو نهر الباروك، أو شلالات المرشد، ليس ببعيد من تلك الربوع، عالية وبحمدون وصوفر، أو الجانب الآخر من الجبال قريباً من "برمانا، باكفيا، بعبدا".

 

اليابان.. كيوتو

وفي اليابان زار الرحالة العاصمة اليابانية القديمة "كيوتو" والتي تبعد 50 كم من أوزاكا، والتي بنيت منذ أربعة قـــــــرون، ولا تزال قصورها الفخمة باقية، لم يترك الزمن بصمات شوهت، أو كدرت ما أقامه البناة، أو أبدعه الرسامون، وتجول الرحالة في قصورها وآثارها وغادر أوزاكا بالقطار إلى طوكيو والمسافة بينهما 006 كيلو متر  قطعها القطار في ثلاث ساعات، "وبدت ملامح العاصمة، أو هكذا خيّل إلينا قبيل أن نقطع نصف المسافة، مصانع على اليمين والشمال، وقرى ومدن سكنية بعيدة عن ضجيج الماكينات، وهالنا حجم المصانع ونحن نقترب من طوكيو وكانت الملاحظة الأولى "جدية اليابانيين"، كل فرد يركض ويجري داخل المدينة وخارجها، ترى الشخص منهمكاً في عمله لاينظر يميناً ولا شمالاً، ولا يقيم حساباً لما يدور حوله، حتى الجد يعم المارة، فلا مكان للتسكع!".

ولمس الرحالة طبيعة الأدب عند الياباني، فأنت قادم إلى الفندق أو خارج منه "يصطف المضيفون عن اليمين والشمال ينحنون للداخل والخارج، هذه الانحناءة تراها في المطاعم والكافتيريات في بهو الفندق، وفي كل ركن تقدم فيه الخدمات، بل في سائر المدينة، وليس في هذه الانحناءة استجداء أو توسل أو رجاء، بل هي انحناءة عزة وشموخ وإباء.

ولاحظ  الرحالة نمط البناء الذي يراعي كثرة "الزلازل" عمارات ضخمة، صممت على طوق من ـ السست ـ لترقص مع الزلزال ذات اليمين وذات الشمال، أما القرى البعيدة عن المدن، فقد احتاطت للزلزال وُأنشئت المساكن بها من الأخشاب دون تطاول في البنيان، والحياة في القرى تزخر بكثير من الجمال الطبيعي الأخّاذ، دون تكلف أو تنميق، أبداً لا يدنو منه التصنع أو التمثيل، الكرم الشرقي الأصيل يبدو في أسمى معانيه.

وشملت جولات الرحالة أسواق العاصمة، وبهره نمط العروض ،يتفنون في إظهار معروضاتهم بصورة مثلى بسيطة، دون ضجر أو سأم أو تكلف "لا ترى ما يضايق أي عامل في إحضار ما تريد. بل يؤدي إليك ما ترغب في نشاط عجيب، لا يستجديك من أجل الشراء، كل ما يهمه أن تثق بجودة ما ترى، وأن تقدم على الشراء بثقة"، وأعجبه انضباط السكان في حياتهم وأعمالهم، وحرصهم على الإتقان "شبّوا عليه"، مما جعلهم نموذجاً عالمياً متفوقاً في الصناعة والتجارة والتقنية الحديثة. وفاجأه رفض العاملين والمضيفين في فنادق اليابان قبول  "البقشيش"الذي نراه شائعاً في عدد من البلدان، كإتاوة على النزيل، يدفعها شاء أم أبى".

 

جزر هاواي

 

ومن اليابان واصل الرحالة إلى "هاواي" حطت الطائرة في هذه الجزر فجر الجمعة "وكنا ودعنا الجمعة ونحن نغادر طوكيو منذ يوم مضى، فارق الوقت هنا طويل، وإلى جانب فوارق أخرى للوقت متفاوتة صحبتنا أو عايشناها منذ مغادرتنا ديارنا، ذلك يدعو الإنسان ليسبح في جلال خالق هذا الكون وصانعه، وينظر في تقديس وانبهار لعظمة الخالق وقدرته في كل وقت وحين، وسبحان من تسطع آياته دوماً على كل شبر من أرض الله الواسعة. وهذه الجزر "هُيئت لتكون متنفساً على البحر، وهذه اليابسة بجبالها ورقعتها الصغيرة أعدت متعة للقادمين، كل شيء فيها يبدو بسيطاً، ويغلب على أزيائها التحرر، ووسائل الترويح متاحة على بواخر وطائرات وعربات تجرها الخيول، أو يجرها آدميون، من الجنس اللطيف. كل ما في هذه المدينة يصور شيئاً يغلب عليه الجنون، نقطة صغيرة في المحيط جذبت العالم، وخلعت عليه من طبيعة أرضها، وهوائها، ومناظرها، وحياتها، ما يبعث في النفوس شيئاً من الهوس".

ولا يخفي الرحالة ما انتابه من "قرف" لكثرة القادمين إليها من السياح لم تطل إقامته في هذه الجزر، فغادرها إلى "لا فيجاس" في رحلة استغرقت 01 ساعات ونزلنا في واحد من أعظم الفنادق، باستثناء فنادق طوكيو، و"لافيجاس" مدينة مصغرة، لا يفكر الداخل إليها في الخروج، إلا إلى السفر، والفندق فيه كل ما يحتاجه السائح من ترف، تشده إليه وسائل الإغراء المتنوعة.

 

إلى برشلونة عبر نيويورك

 

وعند هذا الحد من الرحلة شعر الرحالة بالإرهاق من تتابع السفر وطوله، فاختزل زياراته لعدد من المدن الأمريكية، وقرر التعريج على أوروبا، وفي طريقه إلى أوروبا توقف في "نيويورك" وفي منزل مضيفه قنصل المملكة العام محمد علي الشويهي، شعرلأول مرة في هذه الرحلة الطويلة بشيء من الاطمئنان، أسلم نفسه إلى نوم طويل، في أعقاب ليال طوال من السهر والسفر، ولم تطل إقامته أكثر من ثلاثة أيام واصل بعدها السفر إلى "برشلونة في إسبانيا". واستدعت ذاكرته تاريخ العرب والمسلمين المجيد في الأندلس، وضياع الفردوس بعد ثمانية قرون من الإبداع والحضارة التي ما زالت شاخصة، تلقى إعجاب ملايين السياح ممن يؤمون إسبانيا. حيث ذهب الرحالة لمشاهدة مصارعة الثيران، وقال"لست أدري كيف قادتني قدماي لمشاهدة مصارعة الثيران، وندمت كثيراً على ذلك، وقطعت متابعة المصارعة، وعدت إلى نزلي وفي قلبي وقلب بناتي معي ألم ممض من قسوة الإنسان".

 

لندن العاصمة البريطانية

 

وتوجه الرحالة إلى لندن طلباً للعلاج، وانتظاراً لموعد الطبيب، "كان بحاجة إلى الراحة في أعقاب رحلة متعبة، ومع أن الراحة موفورة بفضل الله، إلا أن النوم مطلب عسير للمعلق بين السماء والأرض"، وكانت أولى تجاربه خلف الطبيب للموعد الذي ضربه مسبقاً، "ولا يدري كيف مرّ على ذهنه القول الشائع حينما تضرب المواعيد "وعد إنجليزي"، ضاع هذا المثل كما يبدو منذ زمن طويل، منذ أصبحت الوعود في خبر كان". وتجول الرحالة في عدد من معالم لندن، ومنها "حديقة الورود  بألوانها المتعددة"، وأعجبه احترام الناس لها والمحافظة عليها، كل شيء هنا مقدس، ويتساوى في ذلك الجماد والنبات والحيوان، ولكن لأمد محدود، ومع ذلك  قد يكون هناك امتهان أخلاقي فاضح من الإنسان للإنسان، كما قام بزيارة واجب للسفير "ناصر المنقور" وكل زائر له يشعر عند لقائه بذلك الود الصافي،  ينبع  في بساطة العربي الأصيل.

 

ألمانيا.. وقصة المعطف

 

وجذبه الحنين لزيارة ألمانيا التي تردد عليها منذ 40 عاماً، يأتي إليها في كل عام مرة، أو أكثر من مرة، الكثير منها طلباً للفحص الطبي ولعلاج بعض أفراد أسرته.

وبعد دقائق من الإقلاع من لندن رأى الليل قادماً من بعيد، فيولي النهار أمامه ببطء عجيب، تنظر أمامك فترى ظلاماً حالكاً قادماً إليك، وتنظر خلفك فترى نوراً وإشراقاً وشعاعاً قوياً ما يزال يمتد في الفضاء بالضياء، ووصل إلى ميونيخ  في مقاطعة "بافاريا"  التي تزخر بالمنتجعات، والمشافي، والجبال والبحيرات والأنهار، والشلالات القريبة من قمم جبال الألب، إنها أروع منطقة يسعى إليها السياح لتوافر مميزات كثيرة بها.

كان الرحالة في طريقه لأحد المشافي في ميونيخ، وتوقف لشراء بعض الصحف من محطة القطارات، ولم يهتد إلى مكان وقوف السائق الذي ترك على مقعد سيارته معطفه الثمين، ولما أضناه البحث استقل تاكسياً آخر إلى المستشفى لزيارة ابنته، وقص على صاحبة التاكسي قصة المعطف، فتناولت هاتف سيارتها واتصلت بجهات مختصة على ما يبدو، وكذلك فعلت الممرضة التي تعنى بابنته لما سمعت القصة، هذا الاهتمام أرضاه كثيراً، وأحس أن القوم يحبون بلدهم، ويحاربون كل ما يسىء لسمعتها، أو يغضب الغريب"، وبعد عودته من زيارة المستشفى إلى الفندق كانت المفاجأة أن وجد "المعطف" لقد أحضره سائق التاكسي إلى حيث استقله أول مرة، وكانت فرصة ليروي قصصاً مشابهة تجسم ما عليه سائقو التاكسي في أوروبا من أمانة، على عكس آخرين في بعض البلدان، ممن لا هم لهم إلا ابتزاز الراكب واستغلاله أواستغفاله. وكان وقت زيارته لميونيخ ـ عاصمة الرايخ قديماً - مناسبة لأحد الأعياد المهمة في المدينة في مطلع أكتوبر من كل عام، حيث يحتفلون به احتفالاً يمتد أسبوعين أو أكثر، تسير خلاله مسيرات حاشدة، وفرق متنوعة صاخبة بالموسيقى والأناشيد، يشارك فيها الناس من مختلف الأعمار، وتحت مختلف الأعلام، وبشتى الأزياء، وتتحرك في المواكب صنوف من العربات تجرها خيول من شتى الأصناف، ويشارك في هذه الأعياد من المقيمين والوافدين 7 مـــلايين من النــاس، حيث ترى وتلمس تقديس المواطن الألماني لمعنى الانتماء إلى وطنه!.

 

كوريا الجنوبية..سيول

 

وعاد الرحالة من ألمانيا إلى أرض الوطن، فرحاً بعودته، وليستعد للرحلة الجديدة عام 1411 هـ، والتي كانت أولى محطاتها "كوريا الجنوبية"، وبعد 24 ساعة من مغادرة جدة، والتوقف في البحرين وبانكوك، وصل الرحالة إلى "سيول" وهي تقوم على تلال وهضاب، وتزاحمها السكاني ـ 11 مليوناً - على أشده.

"يخيل إليَّ أن "سيول" تشبه "هونج كونج"، وقام بجولة داخل العاصمة بزحام شوارعها، وكثافة سكانها، والتصاق الدور والمنازل بعضها ببعض، والحركة التجارية الكبيرة قد لا تعطي انطباعاً متكاملاً عما تعيشه القرى والأرياف من حولها، وطاب له أن يتجول حول هضابها وتلالها. ليرى الحياة كيف تجري، حيث لم ير ما تعود أن يراه في أوروبا من أبقار ترعى، أو حظائر أعدت لها، واقترب من النهر الكبير "هان" الذي يخترق العاصمة، ومدت عليه كباري للمرور" ولم يعجب الرحالة ما هو سائد بين الباعة في الأسواق، كبيرها وصغيرها، من عدم التقيد بالأسعار، وترك الباب على مصراعيه "للمساومة" التي يمكن أن تخسف بالأسعار إلى النصف فما دونه، كما لم تعجبه ظاهرة "تخاطف" أصحاب الحوانيت للزبائن، حيث يتحرك البائع من متجره ليقاطع المارة، عارضاً ما عنده من سلع، وما تكاد تتركه حتى يتلقفك جاره وبسرعة، يستوي في ذلك البائع من الجنس الخشن والناعم، مع الفارق في أسلوب الإغراء. ولاحظ الرحالة تعدد الديانات لدى الكوريين "وكون الإسلام آخر دين دخل إلى هذه البلاد على يد الوعاظ الأتراك، الذين كانوا مع الجيش التركي الذي أسهم في الحرب على الأرض الكورية، كما أسهم في نشر الإسلام وتعاليمه بين السكان، ولا أعتقد أن المسلمين في كوريا يزيدون على 30 ألفاً من بين السكان وعددهم 40 مليوناً.

وبعد زيارة استشفائية لأوروبا عاد الرحالة إلى أرض الوطن  حيث تحلق النفس دوماً في رحاب الأرض الطاهرة، بلد القداسات والطهر والأمجاد. ومع اختلاف البلدان التي شملتها  الرحلة، لا بد أن يختلف ما يلقاه الانسان من صور، "إن المسافر يجد صنوفاً عجيبة في بلد وبلد، وبين بشر وبشر، حيث يجد الطيبة والمروءة، والكرم، والخصال الحميدة، ويجد الإهمال وعدم الاكتراث، وسوء الخلق، كما يعثر على التعامل الحسن  في البيع والشراء، والقول الجميل، ويجد القبيح، .. في الشرق:"يحس المسافر أنه بين قومه وأهله".

 

المصدر : ما لم تقله الأيام ـ لمؤلفه : خلف أحمد عاشور سبيه ـ الناشر : دار المفردات للنشر والتوزيع والدراسات ـ الرياض ـ عام 1425 للهجرة .

 

كاتب سعودي

 

 
  © يونيو 2007 مجلة " أهلا وسهلا ."