حوار

 

د.عبدالقدوس أبو صالح، رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية:

الأدب الإسلامي ليس مقصورًا على العربية

لا يمكن أن تنقرض المواهب الأدبية في أي أمة من الأمم.

• الرياض: محمود عيسى
تصوير: خالد محمود

§ ليست هناك تجربة أو موضوع يُحظر على الأديب الإسلامي تناوله

§ لـو كنت أملكُ ما يملكه الشعراء الآخرون من قدرة على النظم لكنت شاعرًا

يعد الأدب من أهم العناصر المكونة للوجدان الإنساني، وتؤثر درجات الاهتمام بالثقافة واللغة بالمجتمع في المشهد الأدبي، فضلًا عن تأثر الأدب بالظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية لهذا المجتمع. وقد ظهر العديد من المصطلحات، والمذاهب، والمفاهيم الأدبية على مر العصور، ونظَّر لها المنظِّرون، وكان ما ظهر على الساحتين الأدبيتين العربية والإسلامية أواخر القرن العشرين مصطلح الأدب الإسلامي، ونادت به رابطة الأدب الإسلامي التي أسست أوائل الثمانينيات من القرن الماضي.
د.عبدالقدوس أبوصالح يلقي الضوء على العديد من الجوانب الأدبية المثارة على الساحتين الأدبية والثقافية الآن.


مر على تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية أكثر من ربع قرن من الزمان. فهل هناك تحديد واضح لمفهوم الأدب الإسلامي؟
لم يكن هناك ما يمكن أن يسمى خلافًا حول مفهوم «الأدب الإسلامي» بين أعضاء الرابطة ونقادها، وإن كانت هناك اجتهادات من بعض هؤلاء النقاد، لا تخرج عما يُسمى بـ«التنوع في إطار الوحدة»، وهذا مظهر حيوي في الرابطة، لأنها لا تهدف إلى مصادرة آراء أعضائها، ولا تسعى إلى جعلهم «قوالب» جامدة.
مفهوم الأدب الإسلامي واضح في تعريف الرابطة هذا الأدب، وهو أن الأدب الإسلامي «التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفق التصور الإسلامي».
ففي عبارة «التعبير الفني» تأكيد ضرورة الالتزام بالشروط الفنية في هذا الأدب، إذ لا تكفي إسلامية المضمون في النص الأدبي إلا إذا تحقق التجويد الفني. ولقد قلنا دائمًا: «إن النص الأدبي الذي لا يتحقق فيه ذلك يعد حجة على الأدب الإسلامي وليس حجة له، وخصوصًا أن بعض النقاد المعارضين للأدب الإسلامي يتهمونه بأنه يهتم بإسلامية المضمون ويهمل فنية الشكل.
وفي وصف الأدب الإسلامي بأنه «أدب هادف» تأكيد الالتزام في هذا الأدب. وأعني بـ«الالتزام» الالتزام العفوي النابع من إيمان الأديب المسلم بالإسلام طواعية، حيث لا تفسد عفوية الالتزام تجربة الأديب، لأن التجربة ليست مفروضة عليه من الخارج، كما كان الشأن في الإلزام الذي أخذت به الواقعية الاشتراكية، وفرضته على الأدباء والنقاد بسلطة الحزب أو الدولة.
وفي عبارة «عن الإنسان والحياة والكون» تأكيد أن الأديب الإسلامي يستطيع أن يعبر عن أي تجربة كانت، وليس صحيحًا ما يقوله بعض المعارضين من أن الأدب الإسلامي محدود في بعض الموضوعات الدينية أو المواعظ، أو حتى فيما يُسمى بـ«أدب الدعوة». ونستطيع أن نقول: «إنه ليست هناك تجربة أو موضوع يُحظر على الأديب الإسلامي أن يتناوله، إذا كان هذا الأديب يملك الأدوات الفنية والقدرة على الإبـداع، وبشرط واحد هو أن يصدر في أدبه عن التصـور الإسلامي، أو على الأقل ألا يكون في أدبه ما يُصادم هذا التصور ويضاده.

لك عـدد من القصائد المنشورة وغير المنشورة، ومع ذلك تقول عن نفسك: إنني شاعر مقل.. ماذا تعني بذلك؟
أقول بكل وضوح: لو كنت أملك ما يملكه الشعراء الآخرون من قدرة على النظم لكنت شاعرًا، وكثيرًا ما كنت أضحك حين أسمع بعضهم يقول: «القصيدة تنظمني»، وأقول في نفسي: ما هذا الهراء! بعد ذلك رأيت الأمر ينطبق عليَّ.
أما عن تجربتي الشعرية فأقول: إن كل إنسان له علاقة بالأدب يمر بمرحلة أسميها «المراهقة الشعرية»، ويحاول أن ينظم الشعر، فإذا رأى زميلًا آخر ينظم الشعر أحسن منه يسكت. وهذا ما حدث معي في أثناء المرحلة الجامعية، حين شجعني أحد الأساتذة على الشعر، ثم رأيتني أتمثل مقولة ذي الرمة الذي كان تحقيق ديوانه موضوعي في الدكتوراه، حين تعرض لينافس الشعراء الرُّجَّاز في العصر الأموي، فقال هذه المقولة الطريفة: «رأيتني لا أقع من الرجز موقعًا أرتضيه، فتركت الرجز». وأنا رأيت نفسي لا أقع من الشعر موقعًا أرتضيه، فسكت عن الشعر ربع قرن، لم أقل بيتًا واحدًا، ثم جاءتني قصيدة من الشاعر الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، رحمه الله، يصف فيها نفسه في غرفة العناية المركزة بمدينة الرباط، وأرسلها إليَّ هنا في الرياض، فتأثرت بهذه القصيدة، وإذا بي أقوم في الليلة نفسها بمعارضة هذه القصيدة، وإرسالها إليه، وأعجبته المعارضة، ثم ردَّ عليَّ بقصيدة معارضة ثانية. وهذه القصيدة أعادتني إلى الشعر، وقد تجمع عندي ما يكوِّن ديوانًا من الشعر، والآن أكتب قصيدة كل سنة أو سنتين عندما «ينظمني الشعر» كما قلت.

ألا تتفق معي حول أهمية أن يغلِّب الشاعر الكيف على الكم في نتاجه الشعري؟ وهل الشعراء متساوون في القدرة على نظم الشعر؟
صحيح، لكن حتى نكون منصفين، فالشاعر المطبوع هو من يقول شعرًا صادقًا، ولديه القدرة على أن يقول الشعر كلما أراد أن يعبر عن تجربته أو طُلب منه نظم الشعر، فهذا في الدرجة الأولى، وفي الدرجة الثانية الشاعر الذي لا يواتيه طبعه ليعبر عن تجربته عندما يريد أو عندما يُطلب منه نظم الشعر.

لم يرق لكثير من النقاد والأدباء مصطلح «الأدب الإسلامي»، ورفضوا تصنيف الأدب إلى إسلامي وغير إسلامي.. وما زال هناك تباين كبير بين من يتبنون المصطلح ومن يرفضونه.. في رأيك كيف يقل حجم هذا التباين؟
حين بيَّنا مفهوم «الأدب الإسلامي» والمراد منه، خفت كثير من الأصوات المعارضة للأدب الإسلامي، التي أثارت حوله الكثير من الشبهات.
والشبهة التي تقول: «إن الأدب العربي موجود فلماذا الأدب الإسلامي؟» تعد من أبسط الشبهات. نحن نقول: إن الأدب العربي نسبة إلى اللغة العربية، والأدب الإسلامي ليس أدب لغة، وإنما يُنظر إليه كمذهب أدبي مثل المذاهب الأدبية الموجودة في اللغات الأخرى كالأدب الإنجليزي، والأدب الفرنسي. والأدب العربي أدب من ينطق العربية، والأدب الإسلامي ليس مقصورًا على العربية، وهو أدب لكل المسلمين، وهو أدب يقوم على المضمون، ولذلك في تعريفنا له لا نذكر اللغة. ورابطة الأدب الإسلامي العالمية تُعرف الأدب الإسلامي بأنه «التعبير الفني الهادف عن الإنسان والكون والحياة وفق التصور الإسلامي».
ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي فنيًّا حتى يكون أدبًا، ولكن يصدر عن التصور الإسلامي. والأدب الإسلامي بدأ منذ أن نزلت سورة «الشعراء»، وبعدما جاء شعراء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستخدم الرسول الخطابة والشعر: «إنََّ الْقَوْم الَّذِينَ نَصَرُوا بِأَيْدِيهِمْ أَحَقُّ أَنْ يَنْصُرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ» «صحيح البخاري».

هل تأثر الأدب خصوصًا الشعر بمزاحمة اللغة العامية اللغة الفصحى في الساحتين الأدبية والثقافية، ما أفسح المجال للشعر العامي الذي غلب على كثير من الصفحات الأدبية هذه الأيام؟
منذ سنوات، وربما أكثر من عشرين سنة، سمعت حديثًا إذاعيًا للمحقق الكبير الأستاذ عبدالسلام هارون في إذاعة الكويت، تحدث فيه عما يُسمى في منطقة الخليج «الشعر النبطي»، وهذا يقابله في مصر ما يسمونه «الزجل»، وكذلك في الشام.
الأستاذ عبدالسلام هارون قرر أن الشعر النبطي كان في الأصل شعرًا فصيحًا، وعندما أنشئت مجلة «الفيصل» وجه سمو الأمير خالد الفيصل الدعوة إلى الشعراء والأدباء بمناسبة صدور هذه المجلة، وطُرح موضوع الشعر النبطي، وقلت يومها رأيي الذي رأيته عند الأستاذ عبدالسلام هارون، وهو أن الشعر النبطي يمثل انكسار اللغة الفصحى، ودخول العامية الشعر الفصيح بصورة تدريجية حتى ولد الشعر النبطي، وهو شعر فيه شاعرية، وصور، وموهبة، ولكن الأداة انكسرت عند هؤلاء الشعراء. إلى جانب التوسع في بحور الشعر على سبيل التشعيب.

هل انقرضت حقًا، كما يقول بعضهم، المواهب الأدبية فلم نعد نرى من يستحق أن يكون رمزًا أدبيًا مقارنة برموز الأدب في النصف الأول من القرن العشرين؟
لا يمكن أن تنقرض المواهب الأدبية في أي أمة من الأمم مهما كان شأن الأدب فيها، لأن الموهبة إنما سميت موهبة، لأنها هبة من الله، سبحانه، الذي لم يخص أمة دون أخرى بالمواهب الأدبية.
ولكن هذه المواهب الأدبية أشبه ما تكون بالبذرة الطيبة التي تحتاج إلى تربة صالحة، وسقيا منظمة، وشمس وهواء، وإلا فإنها لا تنبت أصلاً. وإذا نبتت فإنها قد تذبل وتضمحل.

كيف تصف لنا واقع الأدب الآن في عالمنا العربي؟
من المؤسف أن الأدب العربي اليوم يعيش حالة من فوضى المذاهب والتيارات التي تتصارع فيها، وإن كان معظمها ناجمًا عن تيار التغريب الناتج عن شعور المغلوب بالنقص أمام الغالب، حتى إننا لا نجد مذهبًا أدبيًا قام في الغرب إلا قام له في بلادنا مريدون يؤمنون به ويهللون له دون أن يتساءلوا: هل يوافق هذا المذهب ذائقتهم وينسجم مع هويتهم وتراثهم وثوابت دينهم؟
من المؤسف، أيضًا، أننا نأخذ المذهب الأدبي بعد أن تتخلى عنه الأمم التي نشأ فيها، ونأخذ هذا المذهب دون أن نعرفه على حقيقته، ولذلك نجد بعض الكُتَّاب المستغربين يتحدثون عن المذاهب النقدية المعاصرة معتمدين على فهمهم القاصر، وترجمتهم الرديئة، فيكتبون كتابة غامضة وكأنها طلاسم وألغاز.
هذه هي الحداثة. لها أتباع كثيرون ما زالوا متمسكين بها بعد أن أعلن موتها في أوروبا وأمريكا، وبعد أن قام مذهب «ما بعد الحداثة» منقضًّا على الحداثة، ومحاولاً أن يكون الوارث لها، ولا ندري هل إذا لحق مذهب «ما بعد الحداثة» بمذهب «الحداثة» فسوف يأتي مذهب «ما بعد ما بعد الحداثة» حتى ندخل في «مأمأة» لا تنتهي.
وهكذا أمام فوضى المذاهب الأدبية الدخيلة قام مذهب الأدب الإسلامي من وجدان الأمة العربية الإسلامية، ومن تراثها الأصيل وذائقتها السليمة، ومن ثوابت دينها القويم، ليكون شاهدًا على تلك المذاهب الدخيلة، ووارثًا لها، إن شاء الله.
الأدب الإسلامي يصدر عن التصور الإسلامي الذي هو أعلى من أي فلسفة مثالية أو مادية تقوم عليها المذاهب الأدبية في العالم، وهو لا ينبعث من تعصب وانغلاق مذمومين، بل يأخذ من المذاهب العالمية إيجابياتها، ويرفض سلبياتها، إيمانًا بأن «الحكمة ضالة المؤمن، وحيثما وجدها فهو أحق بها».
وها هي رابطة الأدب الإسلامي العالمية تثبت أقدامها في الساحة الأدبية، وتقيم أحد عشر مكتبًا في أنحاء العالمين العربي والإسلامي، مبشرة بأدب إسلامي عالمي يصدر عن مشكاة الوحي، وهدي النبوة، وتراث الأمة وذائقتها وهويتها، وأصالتها، وتاريخها المجيد.

د.عبدالقدوس أبوصالح في سطور

• عمل أستاذًا للدراسات العليا في قسم الأدب بكلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكان عضوًا في المجلس العلمي للجامعة وفي لجنة الدراسات العليا. انتقل إلى التدريس في كلية المعلمين بالرياض، كما عمل مستشارًا غير متفرغ في جامعة الأمير سلطان بالرياض.
• من مؤسسي رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ويشغل منصب رئيس الرابطة ورئيس تحرير مجلة الأدب الإسلامي.
من كتبه وبحوثه:
«تحقيق شرح ديوان ذي الرُّمة» لأبي نصر الباهلي.
«تحقيق كتاب العفو والاعتذار» للرقَّام البصري.
«يزيد بن مُفرِّغ الحِمْيريِّ: حياته وشعره».وله عدد كبير من البحوث في مجال الأدب الإسلامي، منها:
«قضية الأدب الإسلامي».
«دور الأدب الإسلامي في الوحدة الإسلامية».
«شبهات حول الأدب الإسلامي».