ذاكرة المكان

 

مقاهي القاهرة

ذاكرة الثقافة المصرية

منتديات الفن والأدب والسياسة.. معالم تندثر وحضارة لا تغيب. 

• القاهرة: أهلاً وسهلاً
 

§ مقهى عبدالخالق ثروت كان يلتقي فيه كبار مشاهير مصر

§ «ريش» يقود الثورة ومعقل لرافضي التطبيع

§ «جروبي» تحيي احتفالات الرئاسة

أوابد التاريخ وإن دُرست، تحفر الأطلال قصتها في عمق الذكريات.. صروح أم الدنيا تبدِّل أثوابها، لكنها ما زالت تحكي قصة صاحب نوبل، تشدو بألحان موسيقار العرب على وتر كوكب الشرق، وتطلق صرخة الثوار ساعة الحزن، لتكتب بدمائهم أمجاد الخالدين على الجدران.. مقاهي القاهرة، إرث الماضي وكنز الحاضر الغائب.

تزف الرؤية بدايتها من مقهى «التجارة أو الموسيقا» بشارع الفن، الذي جاوز من العمر ما يزيد على المئة عام، حيث يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1874، وهو تاريخ شق شارع «محمد علي» ليصل بين ميدان «العتبة» وسط القاهرة، وقلعة «محمد علي» باشا، فاختار أحد اليهود المقيمين في مصر واحدةً من أضخم عمارات هذا الشارع، ليفتح بها خمارة تكون مركزًا لتجمع تجار مصر القادمين إلى منطقة «العتبة الخضراء»، وبالفعل أنجز ذلك الخواجة فكرته بنجاح، ومع مرور الوقت أخذت مطاعم الكباب تنتشر حوله، وتمت إقامة مبيت صغير لرواد الخمارة من غير قاطني القاهرة، وبعد سنوات طوال، وفي بداية العقد الثاني من القرن العشرين وصل القاهرة قادمًا من صعيد مصر الحاج «علي فتحي الصعيدي»، فاشترى الخمارة وحوَّلها إلى مقهى، وإن كان بعض الناس يرى أن الملكية آلت إليه ليس بالشراء ولكن بوضع اليد والتقادم، حيث سافر الخواجة اليهودي من مصر، حين كان الحاج علي مسؤولًا عن المكان، فما لبث أن حَوَّل الخمارة إلى مقهى.
وبحسب كمال رمضان، عضو نقابة المهن الموسيقية، وأحد رواد المقهى القدامى، فإن المقهى سُمي «مقهى التجارة»، لأنه كان مقرًا لتجمع تجار منطقة «العتبة»، حيث تُعقد فيه اللقاءات للسهر بعد قضاء يوم مفعم بالإرهاق، ولكن الأمر تغير بعد أن تحول شارع «محمد علي» بوسط القاهرة إلى شارع تقطنه الراقصات وكبار الموسيقيين، ليكونوا على مقربة من قصر الوالي وأول مستقبلي ضيوفه في بلدان العالم كافة، ومنذ ذلك التاريخ تحول المقهى من ملتقى للتجار إلى مكان يجتمع فيه محبو الموسيقا، وأعضاء الفرق الموسيقية التي تعددت في تلك الآونة، وقد استمرت قرابة نصف قرن من الزمان، ثم قَلَّ الطلب على تلك الفرق، وكان أشهرها فرقة «حسب الله» مع بداية العقد السابع من القرن الماضي. وإن ظلت المقاهي زاخرة بهؤلاء الموسيقيين، فإن مقهى التجارة شهد الكثير من الجلسات الموسيقية المهمة، كاجتماعات أعضاء نقابة المهن الموسيقية، حيث يُذكر حضور الموسيقار أحمد فؤاد حسن إلى المقهى، ووعوده رفقاء النقابة بأن نجاحه في انتخاباتها سوف يضمن لهم معاشًا شهريًا يُصرف من النقابة، وقد كان.
ومما يَرسُخ في ذاكرة المكان المبدع «شكوكو»، وكثيرًا ما ارتادته السيدة أم كلثوم، وعقدت معهم لقاءات خاصة في أثناء توليها منصب نقيب المهن الموسيقية، كما شَرُفت مقاعد المقهى بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، ولفترة قصيرة بالمطربين الشعبيين مثل: شفيق جلال، ومحمد رشدي وغيرهما ممَّن عاصروا رواق محمد علي بساحته التاريخية التي شهدت أيامًا من الفن لم ترها عيون المعاصرين.
وعن مرحلة أخرى في تاريخ مقهى التجار يشير رمضان عثمان، المونولوجست الشهير بلقب «عندليب»، إلى أن المقهى تغير بعد اندثار ملامحه القديمة، وطرأ عليه بعض التطور والتعديلات، الأمر الذي شجع صاحبه على اشتراط أن يكون جميع رواد المقهى من العاملين في مجال الموسيقا فقط، بل أصرَّ على أن المقهى لكبار الموسيقيين، فلا يجلس فيه إلا الموسيقيِّ الذي يرتدي «البدلة السموكنج» و«الحذاء اللامع»، وهذا ما دفع بعضهم لإطلاق اسم «مقهى الشرابات أو الجوارب» عليه، حيث يتصدر الفنانون مقاعده بملابسهم الفاخرة، واضعين ساقًا على أخرى، فتظهر جواربهم الأنيقة، وكانوا يرتدون الخواتم الماسية، لكن الحال تبدلت بمرور الأيام، فقد خلقت وفاة صاحب المقهى صراعًا بين أبنائه حول الطريقة المثلى لإدارته، فآلت بهم الحال إلى تأجيره للحاج محمد سليمان، وهو فنان قديم وقائد الحفلات المشهور آنذاك، الذي توفي تاركًا المقهى في أيدي أبنائه وهم لا يزالون يعملون في هذا المجال، ولكن على استحياء، لأنهم فنانو «زفة بلدي»، وعلى الرغم من التدهور الذي حَلَّ بالشارع، وسطوة محال الطباعة والموبيليا عليه، وتحول الكثير من المقاهي إلى محال تجارية، إلا أن مقهى التجار لا يزال يلم بين جنباته أعضاء الفرق الموسيقية التي ندرت في زماننا، لتغير ظروف العصر.
أما مقهى «ريش» فقد كان ملتقى الأدباء والمثقفين أمثال أديب نوبل «نجيب محفوظ»، ويوسف إدريس، وأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبدالله، وصلاح جاهين، وثروت أباظة، ونجيب سرور، وكمال الملاح، وغيرهم ممن كانوا يحرصون على حضور ندوات نجيب محفوظ الأسبوعية التي كان يعقدها عصر يوم الجمعة منذ عام 1963، حيث يتحلق كل كُتَّاب الستينيات حول أديب نوبل الذي عُرفَ بحبه إلى الاستماع أكثر من التحدث. وشهد المكان مولد مجلة «جاليري 68» كأول مجلة مستقلة بعد عقود من سيطرة الصوت الواحد، وكذلك مجلة «الكتاب المصري» التي تولى رئاسة تحريرها د.طه حسين، وأيضًا مجلة «الثقافة الجديدة» التي ترأس تحريرها رمسيس يونان.
ووفق عبدالرحمن الرافعي في كتابه «تاريخ مصر القومي 1914-1921»، فإن ريش ملتقى «الأفندية» من الطبقة الوسطى، كما عُرف مقرًا يجتمع فيه دعاة الثورة والمتحدثون في شؤونها أو شؤون البلاد العامة. تصدر عنه الأفكار، وتُبحث في أركانه مسائل الناس أو تُرسم الأهداف التي يُرى توجيه الحركة نحوها، وبذلك تحول مقهى «ريش» إلى مطبخ سياسي، وصندوق يتم داخله اتخاذ ما يلزم من قرارات في مجالات الحياة كافة، فكان له دور كبير في تاريخ ثورة عام 1919، بل يرى الكثيرون أن صاحب المقهى في هذه الآونة كان عضوًا في أحد أهم التنظيمات السرية، حيث وُجدت فيه بعد 80 عامًا من ثورة 1919 آلة لطبع المنشورات، يجتمع فيه الضباط الأحرار ليفكروا بصوت عالٍ في مخرج من الوضع المتأزم الذي باتت فيه مصر، وفي عام 1972 انطلقت منه ثورة الأدباء، احتجاجًا على اغتيال الروائي الفلسطيني غسان كنعاني.
من ناحية أخرى، لم يقتصر أثر مقهى «ريش» على المجال الأدبي والسياسي فقط، بل تعداه إلى الحركة الفنية، حيث قدمت في بهوه فرقة الفنان عزيز عيد المسرحية فصولًا عدة من مسرحياته التي قامت ببطولاتها الفنانة روز اليوسف، تخللها بعض المونولوجات، يغنيها الفنان محمد عبدالقدوس، والد الأديب إحسان عبدالقدوس. وكذلك لعب مقهى «ريش» دورًا فاعلًا في شهرة المواهب الفنية من جيل الرواد في مصر أمثال: صالح عبدالحي، وزكي مراد وابنته الفنانة ليلى مراد، والشيخ أبو العلا محمد، الذي قدم سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم إلى رواد المقهى بملابسها الريفية. وفي المقهى ذاته تزوج محمد عبدالقدوس من روز اليوسف، كما كان اللقاء بين صافيناز كاظم والشاعر أحمد فؤاد نجم اللذين تزوجا فيما بعد، ثم الكاتبة عبلة الرويني والشاعر أمل دنقل.
أما الآن، فأشهر رواد مقهى «ريش» هم: الشاعر أحمد فؤاد نجم، والروائي جمال الغيطاني، والألماني فولكهارد فيندفور أقدم أجنبي في العالم، ومراسل «ديرشبيجل» ذلك العاشق للمقهى الحريص على الحضور إليه يوميًا منذ عام 1955.
وفيما يتعلق بانطلاقة المقهى في ممارسة نشاطه الفعلي عام 1908 يؤكد مجدي عبدالملاك، أحد ملاكه الحاليين، أنه كانت لدى رجل الأعمال النمساوي «بيرنارد ستيزج» على أرض قصر كان للأمير محمد علي توفيق قبل انتقاله إلى النيل، حيث قصره الجديد عام 1864 تاركًا الأرض لـ«محمد أفندي الجوارهري» جد والدة الأديب فتحي غانم الذي شيد عمارة ضخمة في موقع القصر القديم، وبعد عام قام بيرنارد ببيع المقهى لرجل أعمال فرنسي يدعى «هنري ريش»، وهو الذي أطلق عليه اسم «ريش» على المقهى.
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى قرر ريش العودة إلى فرنسا عندما استدعي للخدمة العسكرية عام 1916، فلم يجد بدًا من بيع المقهى للخواجة اليوناني «ميشيل نيقولا بوليتس» الذي سبق له أن عمل مديرًا لصالة الموسيقا بملهى «الهمبرا» وإليه يرجع الفضل في إضفاء الصيغة الفنية على «ريش»، إذ اشترى قطعة أرض خالية تفصله عن ميدان سليمان باشا بوسط القاهرة، وحولها إلى حديقة خصص أحد أركانها للموسيقا للترفيه عن رواد المكان، واستخدم لهذا الغرض «أوركسترا» تقوم بالعزف، وظل مالكًا للمقهىحتى عام 1932 عندما قام ببيعه لمواطنه «هومانولاكس» الذي باعه بدوره ليوناني ثالث عام 1942، وهو «جورج أفنانوس وسيلي»، حتى انتقلت ملكيته إلى عبدالملاك خليل 1960 الذي عَرِف قيمة المكان وحافظ عليه، وإن كان الزلزال الذي تعرضت له مصر في بداية التسعينيات أدى إلى حدوث شروخ في حوائط المبنى، فتم إغلاق المقهى، بهدف إجراء أعمال الترميم، لتعود إليه الحياة بعد سنوات عدة من وقوع الزلزال.
ويضيف عبدالملاك أنه لم يكن يُسمح بإقامة حفلات موسيقية بالمقاهي إلا بتصريح مسبق من السلطات المختصة، ما دفع الخواجة «ميشيل بوليتس» عام 1916 إلى التقدم بطلب إلى وزارة الداخلية المصرية لانتزاع الموافقة، ولكنه قوبل بالرفض، حرصًا على عدم إزعاج الجيران وقوات الحلفاء التي كانت تقطن فندقًا مقابلًا للمقهى، وكرر المالك المحاولة الفاشلة إلى أن استعان بفرقة موسيقية رغمًا عن السلطات، ليجعلها أمرًا واقعًا، حصل بعدها على تصريح بتقديم المقطوعات الموسيقية الهادئة كخدمة راقية يستعين خلالها صاحب المقهى بطاقم من أهل النوبة. وكانت المواعيد في تلك الآونة محددة تبدأ من الساعة السابعة صباحًا وتستمر إلى الواحدة بعد منتصف الليل، فغنى به سيد درويش، وصالح عبدالحي، كما شهد الملتقى حضور الشاعر أحمد رامي وسيدة الغناء العربي أم كلثوم.
أما جغرافية المكان، فلم يكن «ريش» بصورته الحالية، بل كان ممتدًا إلى ميدان سليمان باشا، يجاوره، في ذلك الوقت، مسرح غنائي وصالة مصارعة، ومكان للعب النرد. كما انتشرت آلات للقمار كالموجودة في مدينة لاس فيجاس الأمريكية.
وقصة «العم فلفل» تبرز كأشهر علامة تاريخية في «ريش» بل في مقاهي مصر كلها، فهو صاحب الصورة المعلقة على جدار المقهى، والمعنونة بـ«القدوة» حيث انضم إلى مفردات المكان عام 1943 كوجهٍ نوبي من أسوان بصعيد مصر، تدور عنده فناجين القهوة، وقد اعتاد مرتادو المقهى إطلاق لقب «فلفل» عليه، وهو لا يزال يعمل فيه حتى الآن.
وفي استطلاع لسلسلة مقاهي القاهرة نجد مقهى «جروبي» يتوسط القاهرة تحت مسمى آخر وهو «الأمريكين» الذي أسسه الخواجة السويسري «جروبي» عام 1891، وبذلك يكون الأصل في صناعة الحلوى الفرنسية منذ أكثر من قرن مضى. فقد كان «جروبي» يحتكر الحفلات الملكية كافة في القصور، كما أنه متعهد شوكولاتة ملوك منطقة الشرق الأوسط وباشواتها، ممن كانوا يتباهون بحمل هدايا عبارة عن صناديق من الحلوى في رحلاتهم. فيُحكى أن الملك فاروق أهدى أميرة بريطانيا العظمى مئة كيلو من حلوى «جروبي»، عُبئت في صناديق طُبع عليها الشعار الملكي، وفي ذلك اعتراف صريح بمكانة القائمين على هذا الكيان.
ويوضح محمد عيسى، مدير الفرع الرئيس لـ«جروبي»، أن بداية سلسلة «جروبي» انطلقت من ميدان سليمان باشا، ثم قام الخواجة «جروبي» بإنشاء فرع ثانٍ، وهو مقهى عبدالخالق ثروت الذي كان يلتقي فيه كبار مشاهير مصر في اتجاهات الحياة كافة، حيث يعقد اتحاد المحامين العرب اجتماعاتهم فيه، كما اعتادت رئاسة الجمهورية المصرية وجامعة الدول العربية إقامة حفلاتهما فيه.
ومن العلامات المميزة لهذا الفرع عامل الاستقبال «عم عبده» الذي يعد موسوعة تشهد على تحولات تاريخية مهمة في تاريخ مصر بداية من حرب عام 1948، ثم حريق القاهرة وثورة عام 1952 وحروب مصر الثلاث مع إسرائيل. وفي أواخر العقد الرابع من القرن الماضي تم إنشاء فرع جديد في شارع عماد الدين، وأطلق عليه اسم « الأمريكين» ثم تفرع منه فرع آخر بشارع طلعت حرب، وكان أحدث فروع «جروبي» ذلك الذي خرج من نطاق منطقته وسط البلد، وهو «جروبي» مصر الجديدة، سعيًا وراء المناطق الراقية بمصر.
وعرفت جميع فروع «جروبي» بتقديم خدماتها للرواد على طراز فريد فهي مقر للأمراء والباشوات، لذا كان من شروط دخولها حتى قيام الثورة ارتداء الملابس الرسمية، ويمنع الدخول بغيرها حفاظًا على هوية المكان وحمايته من المتسولين.
وقد بحث القائمون على إدارة السلسلة عن صيغة تُقبل بها بقية الفئات المجتمعية أو من لا يفضلون ارتداء الزي الرسمي، فكان الأمريكين بفرعيه مختلفًا بجلساته عن «جروبي»، يرتاده الشباب، بينما «جروبي» غاية كبار السن. ففي «جروبي طلعت حرب» كان نجيب محفوظ يدير جلساته الصباحية، بينما المسائية فكان يعقدها في المقهى المقابل لـ«ريش». أما رواد «جروبي» من مشاهير السياسة، فكان وزير الحربية عبدالحكيم عامر، أحد أهم الفاعلين في الحقبة الناصرية، وكذلك المشير أحمد إسماعيل أحد أبطال حرب أكتوبر عام 1973، وأما مشاهير الفن فنجد أحمد رمزي، وعمر الشريف، ويوسف شاهين، فقد شهد «جروبي» لقاءاتهم الدائمة.