ظواهر

من عجائب البيئة

مياه البحر تضيء في الظلام

إن انبعاث الوميض من مياه البحر له علاقة بظاهرة تسمى «المد الأحمر». 

د.عبدالبديع حمزة زللي
أستاذ علم التلوث والتسمم البيئي
بجامعة طيبة، ورئيس وحدة البحوث البيئية والصحية
بفرع جامعة أم القرى بالمدينة المنورة

 

§ لم تحدد بشكل قاطع الوظائف التي يؤديها الوميض أو الضوء الأحيائي الذي ينبعث من أجسام الكائنات الحية المختلفة

§ انبعاث الضوء من مياه البحر لإخافة القشريات الصغيرة التي ترعى في العوالق الضوئية وتتغذى عليها

§ معظم المدود الحمراء التي تجعل مياه البحر تصدر الضوء الخافت أو الوميض غير ضارة

تظهر في البيئة من حين لآخر ظواهر بيئية عجيبة غريبة، فقد يرى بعض الناس ظاهرة لم يألفوها، ويتعجبون منها، فمنها ما يظهر في عالم الأرض، ومنها ما يظهر في عالم البحار، ومنها ما يظهر في عالم النبات، ومنها ما يظهر في عالم الحيوان وهناك ظاهرة عجيبة تحدث أحيانًا في عالم البحار، وهو أن نرى مياه البحر تضيء في الظلام.

منذ سنوات عدة مضت، خصوصًا أوائل ذي القعدة عام 1424هـ، طالعتـنا الصحف اليومية بعناوين كبيرة لافتة للانتباه، مثل «أنوار مشعة تنبعث من أعماق بحر جازان»، ثم توالت الكتابة عن هذا الموضوع أيامًا عدة، حيث كتبت الصحف عند بداية حدوث هذه الظاهرة، أن بحر جازان في إحدى الليالي أخذ يطلق ضوءًا ووميضًا خافتًا، ما جعل الشاطئ يكتظ بأعداد غفيرة من الناس، واستمرت ظاهرة الأنوار المشعة التي تنبعث من مياه البحر مدة أسبوعين تقريبًا، وكان هذا الأمر غريبًا على معظم الناس.
من العجائب البيئية الأخرى التي تحدث في البحار، أننا قد نرى مياه البحر قد تلونت بلون أحمر، أو بني، أو أصفر، دون أن نرى شيئًا دخيلًا في البحر أحدث هذه الظاهرة الغريبة. وهي ظاهرة بيئية تحدث بشكل طبيعي في بعض المناطق من العالم، ويطلق عليها ظاهرة «المد الأحمر»، نسبة إلى اللون السائد في مثل هذه الظواهر، ولكن الأمر المدهش هو أن نرى مياه البحر متوهجة بالضوء الفوسفوري في أثناء الليل أو في الظلام فكيف يحدث ذلك؟
إن انبعاث الضوء أو الوميض من مياه البحر له علاقة بظاهرة أخرى، يطلق عليها ظاهرة «المد الأحمر». وهذه الظاهرة لا تحدث إلا بعد أن تتكاثر، بشكل مفرط، أنواع محددة من الطحالب الصغيرة المجهرية المتحركة بوساطة الأسواط، تسمى «السوطيات الدوارة»، ويصبح المد الأحمر ظاهرًا للعيان بعد أن يصل عدد هذه الكائنات إلى ملايين عدة في اللتر الواحد من مياه البحر.
وظاهرة «المد الأحمر» تظهر بصورة أساسية في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية المجاورة لخط الاستواء، كما أنها تظهر، أيضًا، في المناطق معتدلة المناخ نهاية فصل الربيع وخلال فصل الصيف، وتكون في أحوال كثيرة قريبة من الشواطئ، ويكون المد الأحمر محصورًا، غالبًا، في منطقة المد والجزر، وهي من مناطق المياه الضحلة المجاورة لساحل البحر، ويكون عمق قاع البحر فيها أقل من 200 متر، وفي المناطق العميقة البعيدة عن الشاطئ من المحيطات لا يظهر فيها المد الأحمر.
تظهر المدود الحمراء بشكل منتظم في بعض المناطق مثل الشواطئ الجنوبية الغربية من أفريقيا، حيث تجلب المياه الصاعدة من قاع البحار إلى المياه السطحية المواد المغذية بكمية كبيرة، وفي هذه الأماكن قد تمتد المدود الحمراء على طول الساحل مئات الكيلومترات، ويمكن أن نرى من الطائرة أن منطقة المد والجزر تتكون من شريطين متوازيين من المياه متلونين بلونين مختلفين، ويستمر ظهور المدود الحمراء مدة 15 يومًا إلى 20 يومًا.
ونجد أن بعض أنواع الطحالب المجهرية التي تسبب حدوث المدود الحمراء، تكون هي المسؤولة عن انبعاث الضوء أو الوميض الفسفوري من مياه البحر.
وقد ظهر مد أحمر في مقاطعة همبرلاند الشمالية (North humberland) في المملكة المتحدة في مايو عام 1968، بسبب تكاثر جنس معين من الطحالب المجهرية المتحركة، بأعداد هائلة، شكـلت وكونت كتلة طحلبية كبيرة جدًا، وقد وصل أقصى عدد للطحالب في الكتلة الطحلبية إلى 72000 خلية في اللتر الواحد من مياه البحر، وأصبح الماء يضيء في الليل، ولكن بعد زمن قصير بدأت الطيور في المنطقة التي ظهر فيها المد الأحمر تموت. وفي نهاية مايو أصيب ثمانون شخصًا بمرض يسمى «التسمم الشللي المحاري» (psp)، نتيجة أكلهم محارات وأصدافًا تم صيدها من هذه المنطقة. وتبين أن موت الطيور وتسمم الناس يعود إلى تأثير السم الذي أفرزته هذا الطحالب التي أحدثت المد الأحمر، ما أدى إلى تحريم صيد المحارات من هذه المناطق من الساحل، ولم يُستأنف الصيد إلا نهاية أغسطس، عندما انخفض تركيز السموم في هذه المحارات إلى الحدود المقبولة.

أين يمكن مشاهدة ظاهرة «الوميض» في البحر؟
بالقرب من السواحل الأوروبية الشمالية، والسواحل الجنوبية الأفريقية، والسواحل الفلبينية، فإن ظاهرة انبعاث الضوء من مياه البحر هي من الظواهر المألوفة، ولو رجعنا إلى الاستطلاعات التي أجريت في الصحف، إثر ظاهرة انبعاث الضوء من مياء بحر جازان، لأدركنا أن هذه الظاهرة مألوفة تمامًا لأولئك الذين يسكنون المناطق التي ذكرناها، فهذه الظاهرة لم تكن غريبة على بعض الصيادين السعوديين، وهواة الصيد، خصوصًا عندما يصيدون في شهري ديسمبر ويناير، أي نهاية العام وبداية العام التالي، ربما يرون ظاهرة وميض مياه البحر.
ولو تحققنا من الأمر، لوجدنا أن مياه البحر لا تصدر أبدًا أي ضوء أو وميض، وإنما الضوء أوالوميض ينبعث أصلًا من أنواع محددة من الطحالب المجهرية «أي التي لا يمكن رؤيتها إلا بوساطة المجهر، إثر عمليات تسمى «الوميض الأحيائي الفسفوري» (Phosphorescence bioluminescence).
ولصغر حجم الطحالب التي ينبعث منها الضوء، لا نستطيع أن نرى هذه الكائنات بأعيننا المجردة أبدًا، وإنما نرى أثرها فقط كضوء ينبعث من المياه، وعندما نأخذ عينة من هذا الماء ونفحصها تحت المجهر، نرى تلك الأعداد الهائلة من هذه الكائنات والضوء ينبعث من أجسامها.
ولكي تصدر الخلايا الطحلبية الضوء، يلزم حثها أو إثارتها. ويمكن فعل ذلك بطرق ووسائل مختلفة، أهمها الإثارات الآلية «الميكانيكية» بوساطة الأسماك التي تسبح حولها، والأمواج المتكسرة، والأشخاص الذين يمشون على الرمال الرطبة الملاصقة لمياه البحر وبالإثارات الكهربائية، والكيميائية، والإسموزية.
وعبر الإثارة المناسبة، تصدر كل خلية ضوءًا خاطفًا من مصادر نقطية صغيرة جدًا، تنتشر خلالها تدوم عُشر ثانية. ويعود إنتاج الضوء إلى إنزيم يسمى «المومض»، يحفز عملية أكسدة مواد معينة مولدة للضوء توجد في أجسام الكائنات الحية المضيئة.

ما وظيفة الوميض الأحيائي؟
لم يحدد بشكل قاطع الوظائف التي يؤديها الوميض أو الضوء الأحيائي الذي ينبعث من أجسام الكائنات الحية المختلفة، لكن من أهم وظائفه إغراء الفريسة وجذبها إليه أو إخافة الأعداء، والضوء قد ينبعث من عضو أو جزء من جسم الكائنات الحية، قد لا يكون المنتج لهذا الوميض، فكثيرًا ما تحتوي الأعضاء التي يصدر منها الوميض، على بكتريا متكافلة(symbiotic bacteria)، تكون مسؤولة عن الوميض الأحيائي.
وذكر بعض العلماء أن وظيفة الوميض الأحيائي في السوطيات الدوارة التي تسبب انبعاث الضوء من مياه البحر، هي لإخافة القشريات الصغيرة التي ترعى في العوالق الضوئية وتتغذى عليها، وتدل نتائج التجارب التي أجريت على سلالات وضاءة من أنواع السوطيات الدوارة، وأخرى غير وضاءة من النوع نفسه أن عمليات الافتراس بوساطة القشريات كانت أقل في أثناء وجود الوميض الأحيائي.
على أية حال، إن الوميض الناتج عن أجسام الكائنات الحية لا يقتصر على هذه الطحالب المجهرية الوضـاءة فقط، وإنما يوجد، أيضًا، حيوانات عدة تسكن قاع المحيطات، تقوم أجسامها بإطلاق الضوء، كما توجد في البر حشرات مختلفة ينبعث منها الوميض أيضًا.
إن معظم المدود الحمراء التي تجعل مياه البحر يصدر الضوء الخافت أو الوميض غير ضارة، ولكن يوجد منها السام، وسبق أن مر بنا كيف أدى ظهور المد الأحمر في مقاطعة همبرلاند الشمالية بالمملكة المتحدة إلى موت الطيور والتسمم من أكل المحارات التي تم صيدها من تلك المناطق. وتختلف سمية المد الأحمر حسب جنس الطحلب ونوعه، وتأثير هذه السموم قد يصل إلى الإنسان بطريق غير مباشرة من خلال أكل المحارات، والقواقع، والأصداف، وبلح البحر، لذا ينبغي عدم أكل الكائنات البحرية التي تصطاد من منطقة المد الأحمر حتى وإن لم يظهر لنا نفوق الأسماك والكائنات البحرية الأخرى، إذ إن التركيزات السمية المميتة تتسبب في شلل الجهاز التنفسي وتوقف القلب خلال 12ساعة من تناول الوجبة السامة.
ويحرم، عادة، صيد المحارات لشهور عدة في المناطق التي تظهر فيها المدود الحمراء بعد اختفاء المد، إلا أن ذلك يعتمد على الزمن الذي تختفي فيه السموم من أجسام الكائنات البحرية.
ولشدة خطورة المدود الحمراء السامة، بحث العلماء العوامل التي تساعد في تكوين الكتل الطحلبية الهائلة، التي تتسبب في حدوث هذه المدود، ومنها تلك التي تسبب انبعاث الضوء من مياه البحر، وذكر بعضهم أن أهم هذه العوامل تتمثل في الآتي:
• الإمدادات الوفيرة من الأملاح المعدنية، وربما يكون ذلك عن طريق تلوث مياه البحر.
• ارتفاع درجات الحرارة.
• توافر الطقس الهادئ.