أماكن

في ربوع الأردن

عصية على النسيان

تستلب الألباب بسحر جمالها، ولمناخها تميز يجذب الزائرين. 

• عمان: نسيم عنيزات
تصوير: هشام شمّا

§ تعلو عن سطح البحر 900 متر

§ يحيط بها شجر البلوط من جميع الاتجاهات

§ في الشتاء تغطي الثلوج جبالها ووديانها

§ في يؤمّها الكثير من الناس هربًا من شمس الصيف الحارقة

على ربى من الجنان تمتد إليها الدروب، وللبلوط حكايات ترويها جنبات الأسياج، تستشرف للمآقي إطلالة الروعة من سفوح الجبال، تهمس في الآذان نداء الشغاف لنسمة عليلة، تستطيبها النفوس الحائرة، لعلها تجدّ من اللحن ضالتها. عجلون.. رفيقة الذاكرة أينما حطت الرحال.

في علو يزيد على سطح البحر بـ900م، ترقد مدينة عجلون بأحد المرتفعات الجبلية، التي تبعد 65 كم عن العاصمة الأردنية «عمان» شمالًا، تجذب طبيعتها الخلابة السياح إليها، للتمتع بخضرة الأرض، وقد افترشتها الأشجار حدائق زمردية، تعبق الأرجاء بعليل الهواء الصيفي.
يؤمّها الكثير من الناس هربًا من شمس الصيف الحارقة وأمنيةً بجلسة هادئة تستظل بفيء إحدى شجرات البلوط التي تحيط المدينة من جميع الاتجاهات. والقادم إليها من العاصمة الأردنية، يسلك طريقًا واسعًا معبدًا ومحاطًا باللون الأخضر الزاهي يمنة ويسرة، لا سيما بعد الوصول إلى مدينة جرش الأثرية عبر بوابتها الجنوبية. ومع استمرار المسير باتجاه الشمال، تحلو المتعة برؤية جبالها المكسوة خضرة، ورائحة أزهارها العطرة التي تنعش القلوب اللاهثة للوصول إلى قلب المدينة، فيستقبلها الجامع القديم بمأذنته العالية العتيقة، وقد سمي بمسجد عجلون الكبير.
عصية على النسيان معالم عجلون، تتماهى في حلتها نفائس التراث والحضارة مع ابتكارات الحداثة من خلال البيوت القديمة المشيدة بالطين، وقد جدد تصميمها بالحجر.
وفي جنوب المدينة، ترحب منطقة «اشتفينا» السياحية بروادها في لوحة طبيعية جميلة، ترسم خطوطها غابات أشجار البلوط والسنديان الكثيفة بمنظر يسحر ألباب أعداد كبيرة من المتنزهين الذين قصدوا المكان من مختلف مناطق المملكة والدول العربية ليقضوا أحلى أوقات الإجازة الصيفية، في التحافٍ للظلال الوارفة على جنبات الطريق، التي تحجب حرارة الشمس، فتزهو لكبار السن عُقَلُ السامرات، تفوح معها رائحة الشواء ونفثات النارجيلة، وتلفظ عناء الصدور من تعب السنين.
كما تمتاز «اشتفينا» بوجود محمية غابات عجلون الطبيعية التابعة للجمعية الملكية لحماية الطبيعة التي تكفل استراتيجية جادة في جهود حثيثة للحفاظ على الأنواع النباتية والحيوانات البرية.
أما في وادي راجب الواقع على بعد 5 كم من مدينة عجلون، فتطيب للزوار المتعة بخرير المياه المتجمعة من الأمطار المتساقطة من أعالي الجبال الشاهقة المحيطة به.
بينما في فصل الشتاء، تتحول إلى عروس غناء في حلتها البيضاء، فالثلوج تغطي جبالها ووديانها، وإلى قلعة عجلون في الجنوب الغربي من المدينة، تقلب الرواية صفحاتها، تسرد للزوار قصة انطلقت بداياتها من بناء القلعة عام 1184م بأمر من عز الدين بن أسامة بن منقذ، أحد قادة صلاح الدين الأيوبي، لرصد تحركات الصليبيين من حصن كوكب الهواء، واستغلال مناجم الحديد في جبال عجلون لموقعها الاستراتيجي، كونها تسيطر على طريق المواصلات بين سوريا، وجنوب الأردن.
وقد بنيت القلعة بشكل شبه مربع يحتوي على أربعة أبراج، يرتفع الواحد منها طابقين، حيث تم إضافة برجين آخرين يقعان إلى يمين مدخل القلعة الواقعة على جبل شامخ يطلّ على البحر الميت. كما يشرف على الأراضي الفلسطينية، وخصوصًا مدينة القدس. ويمكن رؤية أجمل صورة لجبال عجلون على أحد الأبراج الشرقية للقلعة المحاطة بغابات من أشجار السنديان، تمتاز بعمرانها الجميل والمتين لتجسد صرحًا حضاريًا صلبًا أقامت جدرانه أحجار كبيرة لم تستطع الظروف الجوية والمناخية رغم قسوتها تغيير ملامحها.
كما تحتوي القلعة على أبراج لمراقبة تحركات الصليبيين من جميع الاتجاهات، إضافة إلى مستودعات وبئر ماء، وإصطبلات للخيول، وقاعة واسعة.
والزائر لقلعة عجلون يمكنه الدخول إليها عبر جسر خشبي معلق يدلف به إلى ممر مرصف بالحجارة القديمة، ليصعد بعد ذلك إلى امتداد طويل لدرج ٍعال، تنبلج ذروته إلى خيارات عدة في الاتجاهات لمشاهدة الأبراج والقاعات، وكل ما تحتضنه من تفاصيل التراث التي اعتمدت وزارة السياحة منهجًا تطويريًا للحفاظ عليه، والنطق بمكامن كنوزه، إذ قامت بإنارة القلعة من جميع جوانبها حتى يستطيع الزائر مدينة عجلون التاريخية مشاهدة قلعتها من مسافات بعيدة. كما أنشأت ثلة من الفنادق والمطاعم السياحية التي تمتاز بزهد أسعارها مقارنة مع المطاعم الأخرى المنتشرة بالمملكة بشكل عام.