دراسة

 

الشبكات العصبية الاصطناعية وتطبيقاتها

قصة الذكاء البشري ومحاولة محاكاته

الإنسان ليس مقيدًا باتباع سلوك معين بطريقة تكرارية مشابهة. 

• د.بسام بن أحمد غلمان
رئيس قسم الهندسة المدنية، كلية الهندسة والعمارة الإسلامية، جامعة أم القرى
 

§ تنتشر في جسم الإنسان ملايين الخلايا العصبية التي تتفرع بدورها إلى الملايين من الزوائد العصبية

§ الشبكة العصبية الاصطناعية تقدم أملًا كبيرة يقربنا من بناء أنظمة حاسوب ذكي حقًا

§ من المهم اكتساب المعرفة واستخدامها في حل المشاكل والقضايا التي يتصدى لها الإنسان جنبًا إلى جنب مع خبرته في الحياة

الذكاء الاصطناعي علم يبحث أولًا في تعريف الذكاء الإنساني وتحديد أبعاده، ومن ثم محاكاة بعض خواصه. وهنا يجب توضيح أن هذا العلم لا يهدف إلى مقارنة أو مشابهة العقل البشري الذي خلقه الله جلت قدرته وعظمته بالآلة التي هي من صنع المخلوق، بل يهدف هذا العلم الجديد إلى فهم العمليات الذهنية المعقدة التي يقوم بها العقل البشري في أثناء التفكير، ومن ثم ترجمة هذه العمليات الذهنية إلى ما يوازيها من عمليات حسابية تزيد من قدرة الحاسب على حل المشاكل المعقدة.

والذكاء يمكن تعريفه في نطاقه الواسع بأنه يشمل جميع العمليات الذهنية من نبوغ، وابتكار، وتحكم في الحركة والحواس والعواطف. أما في نطاق دراسة علم الذكاء الاصطناعي للحاسبات الآلية فيمكن تعريفه على أنه قدرة الإنسان على تصوّر الأشياء وتحليل خواصها، والخروج باستنتاجات منها. فهو بذلك يمثل قدرة الإنسان على تطوير نموذج ذهني لمجال من مجالات الحياة وتحديد عناصره واستخلاص العلاقات الموجودة بينها، ومن ثم استحداث ردود الفعل التي تتناسب مع أحداث هذا المجال ومواقفه. أي أنه يهدف إلى أن يقوم الحاسب الآلي بمحاكاة عمليات الذكاء التي تتم داخل العقل البشري، بحيث تصبح لدى الحاسوب المقدرة على حل المشكلات، واتخاذ القرارات بأسلوب منطقي ومرتب، وبالطريقة نفسها لتفكير العقل البشري.

وينقسم الذكاء الاصطناعي إلى عدة أقسام، منها:
الشبكات العصبية الاصطناعية (Artificial Neural Networks)
التحكم الضبابي (Fuzzy Logic)
الخوارزميات الجينية (Genetic Algorithms)

كيف يتعلم الإنسان؟
تنتشر في جسم الإنسان ملايين الخلايا العصبية التي تتفرع بدورها إلى الملايين من الزوائد العصبية، حيث تنقل هذه الخلايا العصبية الإحساس وردود الفعل من العقل البشري وإليه بوساطة الحبل الشوكي. ومن خلال هذه الخلايا العصبية يتم تخزين المعرفة عن العالم الخارجي في العقل البشري، وذلك عن طريق ضبط الأوزان داخل هذه الخلايا. لو أخذنا مثالاً بسيطًا، ويحدث دائمًا دون أن نشعر بذلك في حياتنا، وهو تعلّم الطفل للتعرف على صور الحيوانات والطيور في السنوات الأولى من عمره، فمثلًا لو عرضنا على طفل في الثالثة من عمره صورة لأسد، ثم عرضنا صورة لكلب، ثم صورة لدجاجة مع ذكر اسم كل حيوان أو طائر أمامه، وكررنا هذه الصور لعدة مرات. بعد ذلك تأتي مرحلة الاختبار ويتم فيها عرض الصور السابقة مع صور حيوانات وطيور أخرى مثل صورة عصفور، بحيث يطلب منه معرفة اسم الحيوان أو الطائر الذي في الصورة، نلاحظ أن الطفل سيتعرف على صور الحيوانات التي تعلمها في أثناء مرحلة التعليم، ولكن عند عرض صورة العصفور فإن الطفل سيتعرف على الصورة على أساس أنها صورة الدجاجة! وذلك لأن صورة العصفور مشابهة في كثير من الخصائص الخارجية لصورة الدجاجة والتي تم تخزينها في عقله. ومع تنويع الصور وتكرارها سيتعلم الطفل أكثر في كل مرة. لذا فكّر العلماء في طريقة يستطيعون من خلالها محاكاة هذه العملية التي تحدث في العقل البشري، وتوصلوا إلى علم الشبكات العصبية الاصطناعية، بحيث يجعلون من أجهزة الحاسب الآلي أجهزة ذكية، بإمكانها أن تكتسب المعرفة بالطريقة نفسها التي يكتسب بها الإنسان المعرفة، وهي طريقة ضبط الأوزان في أثناء التعلم.
والشبكات العصبية الاصطناعية عبارة عن نماذج مبسطة للجهاز العصبي المركزي عند الإنسان. إنها شبكات بعناصر حساب عصبونية عالية الوصلات الداخلية فيما بينها، لها المقدرة على الاستجابة لإشارة المدخلات (input stimuli) والتعلم لتتلاءم مع الوسط المحيط. ويعتقد الكثير من الباحثين في هذا المجال أن الشبكة العصبية الاصطناعية تقدم أملًا كبيرة يقربنا من بناء أنظمة حاسوب ذكي حقًا.

خصائص الذكاء البشري
تنقسم خصائص الذكاء البشري التي يحاول الإنسان محاكاتها إلى: اكتساب المعلومات والقدرة على التعلم والفهم من خلال الممارسة الفعلية، والتطبيق العلمي، والخبرة المكتسبة. والقدرة على الاستجابة بمرونة تامة وسرعة لمختلف المواقف، مع عدم الانحياز الخاطئ. بمعنى أن الإنسان ليس مقيدًا باتباع سلوك معين عند تعرضه للموقف نفسه بطريقة تكرارية مشابهة، لأن ذلك يعد سلوكًا آليًا ونمطيًا، وليس سلوكًا ذكيًا.
ويأتي بعد ذلك اتخاذ القرارات الصحيحة بناءً على الإدراك الحسّي والعقلي لجوانب المشكلة، والاحتمالات الواردة، ونتائج كل هذه الاحتمالات، ومعرفة النتائج المنشودة، وأفضل القرارات التي تؤدي إلى تحقيق هذه النتائج. ثم القدرة على استنباط القوانين العامة من الأمثلة المحدودة ومعرفة جوهر الأشياء، وذلك بالتمييز بين أنواع المعلومات المختلفة.
ومن المهم اكتساب المعرفة واستخدامها في حل المشاكل والقضايا التي يتصدى لها الإنسان جنبًا إلى جنب مع خبرته في الحياة وتقديره للمواقف. ثم نقل التجربة والخبرة الذاتية إلى مواقف ومجالات جديدة للتعرف على أوجه في هذه المواقف والتعامل معها، واكتشاف الأخطاء وتصحيحها وصولًا إلى تحسين الأداء في المستقبل. ثم نأتي إلى فهم المواقف الغامضة وغير التقليدية وتحليلها باستخدام الاستنتاج المنطقي، كذلك القدرة على ربطها بالمواقف المشابهة.

الشبكات العصبية البيولوجية
لقد استلهمت الأبحاث وتأثرت في مجال الشبكات العصبية الاصطناعية بمعرفتنا عن الأجهزة العصبية البيولوجية عند الكائنات الحية. وتعد الخلية العصبية عنصر الحساب الأساسي في الأنظمة البيولوجية الحية. والخلية العصبية عبارة عن خلية صغيرة جدًا تستقبل تنبيهًا إلكتروكيميائيًا «مدخلات» من منابع عديدة «من الخلايا الحسية أو من الخلايا الأخرى»، وتستجيب بتوليد نبضات كهربائية «مخرجات» ترسل إلى الخلايا العصبية الأخرى أو خلايا مؤثرة (effector cells). وهناك ما يقرب من 1012 خلية عصبية في الجهاز العصبي للإنسان، كل منها تخزن عدة (bits) من المعلومات.
وتتألف الخلية العصبية من نواة (nucleus)، وجسم الخلية (soma)، وخطوط عديدة متفرعة شجريًا (dendrites) تعد وصلات الإدخال من الخلايا الأخرى عبر الألياف (synapses)، ومحور (axon) يحمل المخرجات إلى الخلايا الأخرى عبر خطوط النهايات والألياف.

تاريخ البحث العلمي
بدأ الحديث عن الشبكات العصبية الاصطناعية عام 1943 عندما نشر العالمان (McCulloch and Pitts) مقالتهما التي تصف خلية عصبية بسيطة ثنائية الحالة. وفي عام 1949 اقترح (Donald Hebb) قاعدة لطريقة تعلم الخلية العصبية، وما زال الكثير من الباحثين يستعمل تلك القاعدة. وفي عام 1956 قام (Rochester) بعمل أول محاكاة (simulation) للشبكات العصبية الاصطناعية على الحاسب الآلي، وخلال السبعينيات قام عدد من الباحثين بالبحث في الشبكات العصبية الاصطناعية كذاكرة مترافقة أمثال (Kohonen وAnderson)، وكانت النماذج المستعملة في هذه الأبحاث خطية. وفي عام 1977 طور (Anderson) ذاكرة مترافقة قابلة للعنونة وقد اعتمدت على قاعدة تعليم (Hebb). وفي عام 1983 اكتشف (Grossberg) شبكات الطنين المتكيف.
ويعد اكتشاف خوارزمية التعلم بتعديل الأوزان في شبكة التغذية العكسية (Back Propagation) متعددة الطبقات واحدًا من أهم التطورات في الشبكة العصبية الاصطناعية. وفتحت تلك الطريقة الباب أمام الشبكات العصبية الاصطناعية لزيادة تطبيقاتها، وذلك لأن الشبكة أصبحت قادرة على التعلم لحل المسائل غير الخطية. وما زالت الأبحاث في مجال الشبكات العصبية وتطبيقاتها جارية على قدم وساق بخطى واثقة وسريعة في التطبيقات العملية، وذلك في شتى مجالات الحياة.
مكونات الشبكة العصبية
كما أن للإنسان وحدات إدخال توصله بالعالم الخارجي وهي حواسه الخمس، فكذلك الشبكات العصبية تحتاج إلى وحدات إدخال، ووحدات معالجة يتم فيها تنفيذ عمليات حسابية تضبط بها الأوزان، وتحصل من خلالها على ردة الفعل المناسبة لكل مدخل من المدخلات للشبكة.
فوحدات الإدخال تكوّن طبقة تسمى طبقة المدخلات، ووحدات المعالجة تكوّن طبقة المعالجة، وهي التي تخرج نواتج الشبكة.
وبين كل طبقة من هذه الطبقات هناك طبقة من الوصلات البينية التي تربط كل طبقة بالطبقة التي تليها، والتي يتم فيها ضبط الأوزان الخاصة بكل وصلة بينية. وتحتوي الشبكة على طبقة واحدة فقط للمدخلات، وطبقة واحدة للمخرجات.. ولكنها قد تحتوي على أكثر من طبقة من طبقات المعالجة.