زوايا

 

صنع الإنسان الأبواب خوفًا من الجديد

من يحرس الأبواب؟!

سلسلة الأبواب، صناعة الإنسان، عدّها ضرورة حتمية ليحافظ على عقله وروحه، ويمنح حياته فرصة الاكتشاف. 

الرياض: أهلًا وسهلًا
 

§ يسكن الحرص جوانب تربيتنا، ويغلفنا القلق على مستقبل أجيالنا

§ إدارة الأقفال على النفيس من عالمنا ما زالت تأخذ حيزها من الاهتمام

§ الإيمان بالتنوع يفتح لنا آفاقًا منعشة لتجريب الارتحال

§ يغلبنا استجداء محبي خوض البطولات، ويرهقنا منهم محاولات التسلل

 

جُبل الإنسان على رسم الحدود، وحب بناء الأسوار، وتعلق بفكرة الخصوصية، فاشتغل على إثبات ملكيته لكل ما أثار فضوله، وبسط نفوذه على كل ما سد حاجته واستهوى رغباته.
بدأ بتوثيق وجوده، فاهتم بأن يكون له اسم لا يتطابق مع غيره، حارب مخاوفه، وتغلّب على وحدته، حرص على إنشاء جسر الألفة بما يحيط به، ابتكر القوانين لحمايته، ورصف طرقاته بالشرائع ليتسنى له البقاء في حمى ما يسيطر عليه وبعد أن اعتادته الأشياء من حوله، وعرف طريقة التخاطب معها، تجرأ على مشاكستها وتصدى لما قد يصدر عنها من أذى، حصن نفسه، وأورث تلك الحصانة لأجياله من بعده.
أدرك أن الأشياء لا تبدو واضحة إلا إذا اقترب منها، تيقن أن من الغباء بقاءه داخل القلاع دون محاولة الوصول إلى روافد جديدة، فافتعل صناعة المخارج، وابتكر الأبواب، أحب الشرفات، وصادق النوافذ وبدأ الخروج نحو أكوان أخرى، ليحرض نفسه على التعلم، ويشجع كل آخر على التعرف إليه.

جهل الإنسان.. بؤرة صد وخذلان

قالوا: «الإنسان عدو ما يجهله» لهذا كان الرفض نصيب الدعوات الأولى، والصد والمنع «حصة» كل ما يستجده العقل، وتثبت منفعته التجربة. وربما عدّها بعضنا حجة دامغة لكل من يستنكر تأخر وصول عادة اجتماعية، أو صحية أو حتى ثقافية مستحدثة إلى مجتمع يتطاول في بناء أسواره، ويعتمد المعدن الثقيل في صنع أبوابه، والصحيح أن الجهل دليل إدانة، ولم يكن يومًا ما عذرًا شرعيًا ولا تعليلًا مقبولًا يمكننا أن نغفر من أجله تأخرنا وعجزنا، لأن البحث عن الأفضل هو صبغة العقلاء، وسمة المنتجين.
ولا يمكن هنا تجاوز ما لقيته الرغبة الأولى منذ زمن لفتح مدارس البنات في المملكة، كمثال على ما تعنيه تلك المقولة، وكيف تصدى لها الكثير وعدّها خروجًا عن المألوف، ولربما وصل الحد إلى استخراج فتاوى دينية تمنع هذه الخطوة، وبعد أن أدرك المعارضون فداحة الخطأ، بدأ الجميع في الدعوة لتعليمهن جهرًا، وتعتقد السيدة أم حسن «57 سنة» أن حرمانها من التعليم كان ضريبة التعنت وصلابة الرفض وعدم الاقتناع بأهميته في ذلك الوقت، بينما نالت أختها الأصغر سنًا الفرصة الكاملة، وتفكهت الأجيال التي تبعتهم من الحال وعدّوها خزعبلات توارثتها حكايات الجدات.

التدحرج والتحليق والتأرجح بينهما

يسكن الحرص جوانب تربيتنا، ويغلفنا القلق على مستقبل أجيالنا، فنحكم عليهم القيد، ونكبل خطواتهم، ظنًا منا أننا سنحصل على استمتاع أكبر بكبوات أقل، وهزائم أكثر شرفًا، ونغلق بقوة كل الأبواب المؤدية إلى خارج الحدود التي وضعناها، سواء كانت نتاج معتقدات أو عادات اجتماعية موروثة، تنص بخطأ ما يسكن خارجًا، وتعتمد الخطر المطلق في كل ما يتجول بالشوارع المحيطة بأبنيتنا.
كذاك الحظر الذي فرضه الأستاذ «فيصل الحربي» «37 سنة» يومًا على أبنائه ومنع مخالطتهم لأبناء الجيران معللًا سبب خوفه، بأنه يهتم بإيصال أفكار محددة الهدف إلى عقولهم ويخشى عليها التناثر، فأولئك القابعون في زاوية الحارة يمتلكون صحنًا كبيرًا يعرف هو أنه يجذب قنوات مرئية ربما تكشف ما يمنعه عن بيته، وظلّ في قناعته تلك إلى أن تسللت إليه فكرة وجود قطبي فائدة ومفسدة، وأنه بجهاز تحكم صغير يستطيع أن يدير الأمور لصالحه، فهربت أزمة منع «الستالايت» بمجرد التعرف على كيفية التعامل معه.
وتقول الأستاذة «منى الشدي»، أستاذة علم النفس بجامعة الملك سعود: إن مجتمعنا يواجه مأزقًا حقيقيًا فالأبواب المغلقة تتوالى الضربات عليها من كل جهة! من إنترنت, وسماوات مفتوحة, وعولمة وطوفان تغيير لا يدع لنا فرصة لنلتقط أنفاسنا! ولا شك أننا كثقافة عربية بالإجمال وسعودية بالخصوص ثقافة تقليدية مغلقة ترفض التغيير أو في أحسن الأحوال تأخذ وقتها في تقبله ودمجه في منظومتها!
وتضيف قائلة: إن الأسر تأخذ بالحل الأسهل، وهو منع أبنائها والتشديد والغلق عليهم، مع أن التصرف الصحي وذا النتائج المثمرة والطويلة المدى يقضي بتيسر كل هذه الوسائل بأيدي الأبناء مع توفير الأمان النفسي والملاحظة اليقظة الواعية غير المقيدة والنقاش المستمر معهم وزرع العين الساهرة بداخلهم.
ورغم قناعتنا أن الطير يفرد جناحيه ليحلّق عاليًا، في حين تظل الكائنات المرتعبة منكمشة، متقوقعة على ذاتها، وكلما أرادت الحراك تدحرجت على «كلها» بعناء لتغير مكانها إلى إحدى جهتيها، دون انتقال أو تغيير، ورغم تهدئتنا المستمرة لمشاعرنا المتأهبة، إلا أن إدارة الأقفال على النفيس من عالمنا ما زالت تأخذ حيزها من الاهتمام.
يشير سامي السماري 35 سنة, اختصاصي اجتماعي, إلى أنه يغلبنا استجداء محبي خوض البطولات، ويرهقنا منهم محاولات التسلل، إما من أعلى أسوار الممنوع «مشاهدة واستماعًا أو محاكاة» أو الخروج والانغماس في الزحام وهو سبيلٌ آخر يُسقط ما في أيدينا من أقفال، فنستسلم ونرفع راية الإذعان لكن بطريقة استيراد الخارج وتوطينه الداخل، كتوفير وسائل الترفيه، والاتصال بالعالم الخارجي داخل الغرف «كالإنترنت» مثلًا، وبالتأكيد لن يكفي ذلك حتى ينال الأبناء حق التجربة، ولن يعطي على أي حال صورة الأمان الكامل الذي يسعى إليه المسؤول، والمسلّم به أن الدلال المكثف يصنع من الأفراد «وجبات» سهلة، تلتهمها المفارقات الثقافية والتناقضات الاجتماعية القابعة على أرصفة الحياة.
وقد يمزج الكثير، ممن يدعي امتلاك سفينة فضائية حرة القيادة تتجول حول المجرات دون محاذير، الحق بالباطل فيفضلون الجهة الأخرى من الضفة، ويشجعون على إلغاء وجود الأبواب، ويستشهدون بأن ما ينبت داخل وعاء محكم الغطاء أوهن بكثير من شجرة أورقت أغصانها في العراء، وعصفت بها الرياح، وارتوت بأمطار المتغيرات.
يسمح هؤلاء بمرور الغرباء، ويستقبلون الأفكار كالهدايا حتى تلك التي ليس لها مناسبة، ويفرحون بكل ما لمع مظهره، ومُنع تداوله. إيمانهم بما يأتي من خنادق المختلفين أكبر مما تثمره نخيلهم، لا يرتبون أثاث عالمهم، ولا يعترفون بالأولويات، وينسبون كل سقوط لهم إلى طبيعة جاذبية التمرحل في الحياة، ولا يجدون حرجًا من امتلاء سجلاتهم بالويلات، وتكدس ملفات الخيبات على طاولة أعمالهم. وبالمقابل لا يمكننا إنكار تميزهم بالإدراك لاحقًا، وسرعة فرز الأمور المتشابكة وهذا أكبر فضل لعدم وجود أبواب متحركة في قواميسهم، ولكن نظرية العبثية هي ما تجعل خلطتهم الحياتية غير آمنــة.
وهذا ما أكدته «د.نهى عزام» بعد عودتها من أمريكا، والتي قضت فيها سبع سنوات أثمرت خلالها شهادة تفخر بها، وفتاة مارست معها كل أنواع الانفتاح، وإخلاء السبيل غير المشروط، بعد عودتها للرياض بدأت الحجب تنقشع عن ابنة تجيد الكثير لكنها لا تتكلّم العربية، ولا تحبذ البقاء ضمن عادات لم تعرفها قط، فإذا بالأم تعاني ترميم هدمها الذي ظنته بنيانًا متكاملًا، ونسيت أن كل بناء يحتاج إلى لون أصيل يطلي نوافذه وأبوابه ليميزه عن البقية.

مواربة الأبواب خير حافظًا.. وآمن سبيلاً

«خير الأمور الوسط» منهج ديني ينتشلنا من الحيرة، ويوازن بين كفتي الميزان، يمنح الحرية المحفوفة بالحدود الواسعة، والمحتضنة بسقف مرتفع، يعطي مناعة من الكبت والانعزال. ويقي من براغيث الضياع.
سلسلة الأبواب النفسية والاجتماعية وتلك الاعتبارية، التي صنعها الإنسان عدّها ضرورة حتمية ليحافظ على عقله وروحه، وما تيسر من رغباته، ويمنح حياته فرصة الاكتشاف، وتلوين جدران فكره بما يطوره. ويمنع عنه الخذلان الذي هو أشد البهتان تعسفًا ببقاء هذه الأبواب مغلقة، ويجنبه فقدان النكهة الخاصة، بترك الأبواب مفتوحة على مصارعها.
لا شيء يوازي المواربة.. تظل بها الأنوار متسربة إلى الداخل، وتتمكن قناعاتنا من مواجهة أي عواصف قد تصفق بجدران تربيتنا.
بمواربة الأبواب تخفت حدة التعلق بالمجهول، وتهدأ طواحين الركض خلف البعيد المتوهج بالاختلاف، وتستقيم النفوس، وتموت المعضلات النفسية الناتجة عن فيروس الكبت والمنع.
قال الله تعالى: ‭}‬لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة‭{‬ آية 48 المائدة
الإيمان بهذا التنوع، يفتح لنا آفاقًا منعشة لتجريب الارتحال، والسفر في ملكوت الألوان الإنسانية والتمتع باقتناء صور تذكارية تزين أركان الحـــــياة.