مدارات

 

رعاية المبتكرين عربيًا

أول الطريق المدرسة

المتفوقون يحتاجون إلى الرعاية الاجتماعية والمادية التي تكفل استمرار التفوق. 

وافية عبدالتواب
مستشار معهد إعداد قادة المستقبل
 

§ عدد من الدول العربية اعتنت بإنشاء مدارس للمتميزين وتشجيعهم

§ البرامج الإثرائية أداة قوية لشحذ عقول المتفوقين نحو الابتكار العلمي

§ مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين وضعت خطة استراتيجية لإثراء عقول الطلبة المتفوقين وشحذها ودفعهم للابتكار

 

بين المدارس المختلفة الحاكمة لعملية الإبداع ثمة فروق على الطريقة التي تتم بها رعاية المخترعين، فهناك عدد منها يبني قواعده على أساس الابتكار موهبة لا اكتسابًا فيما يذهب الفريق الآخر إلى العكس، ويؤيد رأيه بدعمه للمدارس والمؤسسات المتبنية لتدريب المبدعين على الابتكار، وهو اتجاه بات يشهد نموًا متسارعًا في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه.

بدأ الاهتمام ببناء مدارس ومنظمات تعليمية للموهوبين لتنمية وتيرة الابتكار لديهم يتنامى في الدول العربية خلال النصف الأخير من القرن العشرين الميلادي إدراكًا من الدول العربية بأن الموهوبين هم الخامة البشرية التي يجب أن تهتم بها الدولة وترعاها، لأنها ثروة المستقبل وعدته في بناء تقدمه العلمي، ومواجهة تحديات العصر، فقد أخذت تهتم بإعداد هذه الفئة إعدادًا حسنًا وتقدم الرعاية لهم.
ويلاحظ أن ذلك التوجه بدأ مبكرًا في الكويت، حيث أوصى المؤتمر الثالث لوزراء التربية والتعليم العرب، الذي عقد في الكويت عام 1968 بإنشاء فصول أو مدارس خاصة بالطلبة المتفوقين، ووضع مناهج إضافية للمناهج الدراسية العادية، والعناية بفردية كل تلميذ، وإتاحة الفرصة لإشباع ميولهم ورغباتهم، ووضع شروط خاصة لاختيار التلميذ المتفوق، وتجهيز فصول للموهوبين بجميع ما يحتاجون إليه من تجهيزات، وتوفير الرعاية الاجتماعية والمادية التي تكفل لهم الاستمرار في تفوقهم على أن يرتبط التعليم النظري بالتطبيق العملي.
ومن هنا شهد النصف الأول من القرن العشرين ميلاد مدارس للمتفوقين والموهوبين في أكثر من دولة عربية مثل: الكلية العربية في القدس، ومدرسة السلط الثانوية في الأردن. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين أخذت الظاهرة في الانتشار والاتساع في أنحاء مختلفة من الوطن العربي نتيجة للوعي المتزايد بأهمية الاستثمار في برامج رعاية المتفوقين، ولا سيما في مجالات العلوم والتقنية والفنون. ففي مصر أنشئت «مدرسة المتفوقين» بعين شمس 1990، بعد أن تبلور اهتمام المجتمع المصري بالمتفوقين في إنشاء بعض الفصول الخاصة بهم وتشكيل بعض اللجان لرعايتهم، حيث برزت فكرة إنشاء فصول خاصة بالمتفوقين ملحقة بمدرسة المعادي الثانوية عام (1955/1956). وفي الأردن في عام 1977، تم الإعلان عن مشروع مدرسة اليوبيل بالأردن بالتعاون بين وزارة التربية والتعليم الأردنية، ومؤسسة نور الحسين، وباشرت المدرسة عملها في السنة الدراسية (1993/1994) كأول مدرسة متخصصة في تعليم الطلبة المتفوقين في المنطقة العربية. ومدرسة اليوبيل هي مدرسة ثانوية مستقلة حكومية، تقدّم برنامجًا تعليميًا متكاملًا للطلبة المتفوقين أكاديميًا مدته أربع سنوات، ومن أبرز أهدافها: تطوير الاستعداد الأكاديمي والجوانب الشخصية للطلبة، وتنمية مهارات التفكير الناقد الإبداعي، والعمل مع مركز التمييز الإبداعي على تنمية الوعي العام باحتياجات الطلبة المتفوقين وأساليب رعايتهم، وتلبية الاحتياجات الأكاديمية والانفعالية الخاصة بالطلبة المتفوقين.

مجلس المتفوقين

في عام 1996 تم الإعلان عن تأسيس المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين AC/ GT في حفل اختتام الورشة الإقليمية حول تعليم الموهوبين والمتفوقين التي عقدت في عمان بتنظيم من مدرسة اليوبيل، وبدعم من مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية، وقد تم اختيار عمان مقرًا للمجلس.
وفي عام 1986 واصلت الكويت مشوارها بمشروع كبير لتحديد أفضل السبل للكشف عن الموهوبين، وافتتح فيها عام 1989 مركزان مسائيان لتجربة برنامج إثرائي للمتفوقين في مستوى الصفين الثالث والرابع الابتدائيين.
في البحرين أسست جمعية الموهبة والإبداع البحرينية برئاسة الشيخ فواز بن محمد الخليفة، بهدف زيادة الوعي المجتمعي بالموهوبين والمبدعين بصفتهم ثروة وطنية هناك و الآن يوجد مركز متكامل لرعاية الموهوبين.
في قطر أنشئ المركز القطري للموهوبين والمبدعين بهدف الوصول إلى رؤية واضحة المعالم فيما يتعلق بالموهبة وتنوعها وأساليب رعايتها.
وفي السودان قامت وزارة التربية والتعليم السودانية بتجربة فريدة تمثلت في رعاية الموهوبين منذ مرحلة ما قبل الدراسة النظامية، بحيث انطلق الكشف والرعاية للموهوبين في مرحلة رياض الأطفال.
وفي عام 1977 قامت وزارة التربية بسوريا بإحداث مدارس المتفوقين والموهوبين، ووضعت وزارة التربية التفوق والموهبة والإبداع على سلم أولوياتها، وترجمت ذلك الموضوع إلى واقع عملي بإنشائها دائرة التربية الخاصة داخل الوزارة للاعتناء بذوي الاحتياجات الخاصة من معوقين ومتفوقين وأساليب تنمية تفوقهم ومواهبهم وإبداعهم.
في السعودية أخذ الاهتمام بذلك الأمر منحنى أكبر، وكانت البداية من خلال مدرسة الفهد، التي جعلت من أهدافها التعرف على الفروق الفردية بين الطلاب، واكتشاف الموهوبين والعناية بهم، وتنمية استعداداتهم ومواهبهم، وكان للتعليم الثانوي المطور دور في تنمية التفكير والإبداع وإظهار الموهبة ورعايتها، لأن هذا النوع من التعليم يعطي للطلاب فرصًا أفضل لاختيار ما يناسب قدراتهم واحتياجاتهم.

استراتيجية التثقيف

أما الخطوة الرائدة لرعاية المتفوقين والمتميزين فبدأت مع بداية العام الدراسي (1418/1419)هـ في أول مركز بمجمع الأمير سلطان التعليمي بمدينة الرياض بهدف تأسيس العديد من مراكز الرعاية لتلك الفئة في جميع أنحاء المملكة بقيادة أ.د.عبدالله النافع آل شارع، أستاذ علم النفس التربوي، ويعاونه نخبة ممتازة من الأكفاء الوطنيين من الجامعات وكليات المعلمين بالمملكة، ويوفر هذا المشروع مجموعة من البرامج التعليمية والإثرائية ونشاطات متميزة في المواهب الفنية والأدبية والابتكارات العلمية.
وفي عام (1419/1420)هـ أعلن عن تأسيس مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين، التي بدأت خطة استراتيجية للعمل على عدة محاور منها إقامة برامج إثرائية تعمل على شحذ عقول الطلبة المتفوقين، ودفعهم للابتكار والاختراع على أرضية علمية راسخة، وليس مجرد الاجتهادات الشخصية أو الفردية، كما توجد في وزارة التربية والتعليم خطة بتعميم هذه المراكز التعليمية للموهوبين في المملكة كافة، وفقًا للإمكانات المتاحة، حيث تقوم هذه المراكز بتأهيل معلمي الموهوبين الموزعين على المدارس العادية. كما يقوم المركز بعد تأهيلهم بالتنسيق معهم بإعداد البرامج الإثرائية الصفية واللاصفية في البرامج الصيفية.
بعد ذلك انتشرت حركة البحث العلمي في قضايا الموهبة والتفوق والإبداع، بهدف إعداد المشرفين والخبراء والمعلمين المتخصصين، في هذا المجال لوضع البرامج الإثرائية، حسب احتياجات المبدعين، ورعايتهم نفسيًا وإكسابهم مهارات أساسية وما إلى ذلك. ومن الجامعات التي اهتمت بهذا الموضوع «جامعة الخليج العربي، وجامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الكويت، والجامعة الأردنية، والجامعات المصرية». وغيرها من المؤسسات الحكومية والأهلية في أرجاء الوطن العربي كافة.