مدن

غرناطة الجزائر

البُلَيدَة.. مدينة الورود

تعبيرًا عن حب أهل البليدة للورود أطلقوا أسماء: البنفسج، والفل، والياسمين، والورود، على شوارعها، وتفننوا في استعمال الورد زينة واستطبابًا. 

الجزائر: إلياس فضيل
 

§ شهدت البليدة ازدهارًا كبيرًا في عهد العثمانيين، وعُدت مكانًا للاستجمام والاستراحة

§ الورود مفتاح السر لمدينة البليدة، وعلامة مميزة لها، والبليديون يهتمون بها اهتمامهم بأبنائهم

§ البليدة تقع في منطقة سياحية فيها مرتفعات الشريعة المشهورة بالتزلج على الجليد

§ فيها «حمام ملوان» الشهير بملوحة مياهه التي تشفي كثيرًا من الأمراض

 

بحلول فصل الربيع تتفتح الأزهار، وتتسع الآفاق لمشاهدة مناظر جميلة تسحر الوجدان، مع أريج عبق يعطر النفوس، وهواء عليل منعش، ومروج خضر، وأودية ذات زروع يانعة.. هنا يمكنك أن تتلفظ حقيقة بتحية «صباح الورد»، أو «صباح الفل والياسمين»، وتختصر مدينة البليدة بالجزائر تلك المشاهد كلها، وتجعلها محط الاهتمام طوال هذا الفصل الجميل.

طبيعة ثرية

تقع مدينة البليدة في منطقة سياحية مهمة، فيها «مرتفعات الشريعة» الواقعة على ارتفاع 1500 متر، وهي مشهورة بمرافق التزلج على الثلوج خلال فصل الشتاء.. و«التيلفريك» الذي هدم، ويا للأسف، خلال العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر، ويجري الآن العمل على إصلاحه كي يكون مدرجًا سهلاً إلى آفاق «الشريعة».
وفي المنطقة حمّام معدني شهير اسمه «حمام ملوان»، لعذوبة أجوائه وملوحة مياهه التي تشفي كثيرًا من الأمراض، بإذن الله تعالى، وهو اليوم مقصد آلاف السائحين من كل أرجاء الوطن، ويقصدون الشرب من «عين القارسة» التي طبقت شهرتها الآفاق.
وتعتز البليدة بـ«وادي الشفة» الذي يعد من أجمل المناطق في الجزائر، و«مجرى رويسو» الذي يتحول كل يوم جمعة إلى منطقة استجمام، بما يوفره من هواء عليل، ومنظر رائق.
وتشتهر مدينة الورود بمنتجاتها الزراعية، والصناعة الغذائية والكيميائية، وهي محاطة بالحدائق، وكروم البرتقال والزيتون، وأشجار اللوز، وحقول القمح والشعير، وجميع أصناف الفاكهة، وتشتهر بإنتاجها مستخلصات الأزهار.

غرناطة إفريقية

ويحكي الزمان أن حاكم مليانة، سيد أحمد بن يوسف، في أثناء زيارته للبليدة في القرن الـ 16 بهرته الورود والأزهار التي تزين دور المدينة، فقال كلمته المشهورة التي حفظها الشعراء وتغنَّوا بها حين وصف المدينة بـ«غرناطة إفريقية» وقال: سميتموها البُلَيدَة، وأنا أسميها الوُرَيدَة، وهي تصغير للوردة.
منذ ذك الحين أصبحت عاصمة السهول تلقَّب بمدينة الورود، وفي زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر تضاعف حجم بساتين الورود، وأضحى عطرها يفوح في الفضاء على بعد أميال، إنها البليدة حافظة الإرث الأندلسي بالجزائر.

تأسيس.. وتشييد

أما الباحث والفنان محمد بلعربي فيروي أن أهل الأندلس عندما لجؤوا إلى الجزائر، جلبوا معهم كل مقومات الحضارة الإسلامية بالأندلس.
وأقام سيدي أحمد الكبير الأندلسي، باتفاق مع الحاكم العثماني خير الدين باشا، مدينته داخل السور المشهور، بعد أن فوجئ بالطبيعة العذراء التي تشبه إلى حد كبير غرناطة الضائعة. واستقر في سفح جبل «الشريعة»، قرب وادٍ يعرف اليوم باسمه، ويعد سيدي أحمد الكبير المؤسس الفعلي للمدينة، والأب الروحي للبليديين الآن، وهو مدفون بالحيّ الذي يعرف باسمه.
وشهدت البليدة ازدهارًا كبيرًا في عهد العثمانيين، وعُدت مكانًا للاستجمام والاستراحة لحكام الجزائر، فقد كانت وجهتهم المفضلة «قصر الأتراك» بـ«سيدي يعقوب». وأحاط العثمانيون البليدة بسور حصين، ضمّ أبوابًا في كل مدخل من مداخل المدينة، منها: «باب الدزاير»، و«باب الرحبة»، و«باب السبت»، و«باب الزاوية»، و«باب الكويخة».

رمز متوارَث

ونقل هذا الأندلسي خبرته إلى المدينة الناشئة، فشق السواقي، وغرس الورود، وبنى المساكن على النمط الأندلسي، إلى أن تحولت الطبيعة البكر إلى جنة ساحرة، وصورة مطابقة لمدينة غرناطة.
وصارت الورود مفتاح السر لمدينة البليدة، وعلامة مميزة لها، فهي تزين الأحياء بشوارعها وأبنيتها، وانتشرت بساتين الورود خارج أسوار المدينة، وأصبح الياسمين، والعطرشة، وورد المسكي، من أنواع الورود والأزهار، تمثل إحدى رموز البليديين، التي توارثها السكان.
وتقول السيدة بشيرة، وهي تجلس أمام نافورة تقذف المياه في فناء البيت، إنها غرست نبتة «الحبق» منذ سبع سنوات، لتفوح بريح ذكية، وتطرد البعوض والحشرات. وتصنع بالأزهار المحيطة بالنافورة لوحة فنية ساحرة، مع نباتات مشهورة بالجزائر مثل: «حواشبي العروسة»، والفل، والخديوجة، ونوارة عيشة.
وبحسب محدثتنا، فإن اهتمام البليديين بالورود كاهتمامهم بأبنائهم، إذ يستحيل أن تلج بيتًا بليديًا ليس فيه الورود وشجر الليمون، بل إن صفحات كثيرة لا تكفي لإحصاء أنواع الزهور والنباتات التي تزين بيوت المدينة.

بأسماء الأزاهير

وتعبيرًا عن حبهم للورود أطلق سكان البليدة أسماء: البنفسج، والفل، والياسمين، والورود، على شوارعها، وتفننوا في استعمال الورد زينة واستطبابًا.
ويقول العم يوسف: إن أنواع الورد مثل: «ياسمين بن الترك»، و«نوارة عيشة»، و«الورد المسكي»، و«الورد النسري»، هي ذاكرة البليدة، وهي من أصول مشرقية، من دمشق، وفارس، وتركيا.
وهناك أنواع كثيرة من الورد أضحت جزءًا من حياة المدينة وتاريخها، مثل: القرنفل، والخديوجة، ومسك الليل، والحبق، والعطرشة، والفل.. التي يضرب بها المثل في المحافظة على الأصل، والحرص على النظافة.

لاستحمام المولود

وتقول السيدة حميدة، وهي مدرسة: إن ثقافة الورد في الجزائر، وبالبليدة خاصة، دخلت عالم الأفراح، وعادة ما تقوم نسوة البليدة بوضع الماء المعطر في ماء يغلي لاستحمام المولود الجديد في أسبوعه الأول، وهي عادة تتفاءل بها النساء، ليكون المولود فواحًا مثل رائحة الورد.
أما في الأعراس والأفراح، وقبل أسبوع من إقامة العرس، فتخرج قريبات العروسين وهن يحملن الورد لدعوة الأقارب والجيران إلى حضور حفل الزِّفاف. وكلما دخلن بيتًا تقدم إليهن القهوة معطرة بماء الزهر أو الورد، لتمنحها مذاقًا ونكهة خاصة، ويخرجن محمَّلات بأصناف من الزهر العبق.

تضاهي الفرنسية

ويقول الباحث محمد بلعربي: في بداية القرن الماضي أقيمت مخابر لاستخلاص عصارة الياسمين، والعطرشة، والمسكي، لاستعمالها عطورًا بأهم المصانع في فرنسا.
أما حكيم فيسة، الصحفي المقيم بمدينة الشفة، فيؤكد أن الورود والأزهار هي متنفس كل بليدي، وهي عشق يحاكي يومياته، فيزيل الهموم، وينعش الصدر، ويعطي لكل فرد جرعة من النشاط والطاقة.
ويمني حكيم نفسه بإعادة إحياء يوم الورود بالبليدة، وإنشاء مصانع محلية لإنتاج العطور، إذ عادة ما تسوَّق عصارة العطور الأصلية إلى البلدان الأوروبية، لاستنساخ روائح وعطور ذكية أصيلة، بدلاً من تلك العطور المقلَّدة التي تنفر النفوس.
وفي البليدة تتزايد محالُّ بيع الزهور، خصوصًا في فصل الربيع ومواسم الأفراح، وعادة ما تفتتح الحقول المتخصصة في زراعة الورد متاجر على حافات الطرق، تعرض أجمل الأصناف التي تزيَّن بطريقة تغري كل مارٍّ باقتناء طاقات منه.

معركة الورود

وكان الفرنسيون قد أقاموا عيدًا خاصًا للورود سنويًا في شهر مايو، سمي بـ«معركة الورود»، فيه تمر الشاحنات المزينة بالورد في وسط المدينة، ويتراشق المارة فيما بينهم بالورود.
بيد أن هذا الإرث بدأ في الاندثار، بحسب الأستاذ بلعربي، بل إن كثيرًا من العادات بدأت في الذوبان، وتقلصت المساحات الخضر بعد زحف الأسمنت والأبنية على المدينة.
ويتساءل المؤرخون، والكتّاب، والباحثون: هل تزعزعت هوية البليدة التاريخية واضمحلت على مر السنين، وأضحى تاريخها العطر لا يزيد على أن يكون حبرًا على ورق؟!
بل إن مهرجان الربيع البليدي أضحى صبغة إدارية وتجارية، أكثر من كونه رمزًا حضاريًا لعاصمة الورود، التي لم يحافظ أبناؤها، ويا للأسف، على إرث الأجداد، خصوصًا بعد أن تحولت المدينة إلى قطب صناعي وتجاري.