القشرة الأمامية الجبهية للمدربين والمسوقين والرؤساء التنفيذيين تنشط وتتوهج.
أندرو هيل Andrew Hill
إذا قرأت كتابًا جديدًا عن التجارة والأعمال، أو دربت رؤساء تنفيذيين، أو حضرت مؤتمرَ قمة للقيادة، فربما شاهدت شريحة توضيحية أو صورة متحركة أو رسمًا بيانيًا للدماغ البشري.
تزداد الإثارة حول العلوم العصبية. وحيثما تتقاطع مع دراسات القيادة، ترفع مستويات نشاط القشرة الأمامية الجبهية للمدربين والمسوقين والرؤساء التنفيذيين، فضلاً عن بعض الدجالين والبائعين المخادعين.
هيمنت علوم الدماغ إلى حد مفرط على الأحاديث التي دارت في المنتدى الاقتصادي العالمي هذه السنة، ما دفع بعض الأكاديميين المختصين بالإدارة إلى التذكير بتلك الأيام التي كان فيها أساتذة التجارة والأعمال، لا العلماء، هم الذين يجذبون الجمهور في ملتقى دافوس. في إحدى الجلسات، كشفت تانيا سينغر، من معهد ماكس بلانك للإدراك البشري وعلوم الدماغ، عن أبحاث تمهيدية تظهر أن التمرينات المكثفة على مهارات التقمص العاطفي، والاهتمام بالآخرين، وتبني منظورهم، يمكن أن تحطم العادات الأنانية وتغير «عتاد الدماغ» بحيث يصبح الناس أكثر غيرية. بينما أبلغ العالم الاقتصادي روبرت شيللر الجمهور ذاته أن مثل هذه النتائج قد تزعزع الركائز التأسيسية لعلم الاقتصاد التقليدي المتزمت. كما أفرزت الأبحاث تبعات ومضامين مهمة للإدارة أيضًا.
ظل الباحثون على مر العقود يدرسون المؤسسات وكأن المديرين يمكن مبادلتهم، مثل «الكائنات الاقتصادية» التي تحداها بحث د. سينغر. ثم بدأ هؤلاء تحديد الأنواع والأنماط والذهنيات المختلفة للمديرين التنفيذيين والتأثير الذي يمارسه سلوكهم على شركاتهم. يقول آبي سميث، من كلية بوث للأعمال في شيكاغو، الذي عاين الفوائد العائدة على الشركات التي تستخدم رؤساء تنفيذيين «مقتصدين»: الآن «أنا أقرأ كل شيء أجده عن علم الأعصاب». ويضيف: «من المسلمات البدهية أن هذه السلوكيات تعبر عن ذهنية. لكن السؤال هو: ما الذي يمكن أن يتغير؟».
يمكن للدماغ ذلك: وهذه حقيقة معروفة تمامًا. أظهر بحث شهير أجري قبل بضعة أعوام أن الحصين (القسم المسؤول عن توطيد الذاكرة الزمانية والمكانية) في أدمغة سائقي سيارات الأجرة السوداء في لندن تضخم على مر السنين التي تطلبها حفظهم لخريطة العاصمة البريطانية عن ظهر قلب – إنها «المعرفة». وإذا جعل العلم الحديث من الأسهل التدرب على تغيير المديرين التنفيذيين من «نوع» إلى آخر (من الأناني إلى الغيري مثلاً)، يمكن لذلك أن يفتح احتمالات جديدة للتدريب والتطوير.
لكن يجب توخي الحذر. فمثلما أشارت الباحثة المختصة بعلم الأعصاب مولي كروكيت في عرض بعنوان Beware Neuro-Bunk («حذار من مشروبات الأعصاب») على قناة TED، يزيد عدد الموافقين على النتائج التي تتوصل إليها المقالة العلمية إذا أرفقت بصورة للدماغ مقارنة بتلك التي لا يدعمها رسم توضيحي. «هل تريد أن تنشر الفكرة؟ ضع صورة الدماغ عليها»، كما قالت في ختام العرض.
حتى حين يؤكد علم الأعصاب معلومة صحيحة وراسخة، فهو يشرح, أحيانًا, أفكارًا فسرت في الدراسات النفسية أو السلوكية. هنالك، أيضًا، قضايا الأخلاق. إذ يمكن للمدير المجرد من المبادئ الأخلاقية أن يستخدم تقنيات تدريب الدماغ ليحسن أداء فريقه في السعي وراء غايات سيئة أو قصيرة الأجل (أشار باحث آخر في دافوس إلى أن تمرين الدماغ يمكن أن ينتج، دون جرعة من القيم، «قناصين متيقظين» يتميزون بدقة قاتلة في التصويب!).
أو يمكن للمدير التنفيذي أن يستعمل سبلاً مباشرة، أشهرها عقاقير المحسنات الإدراكية لتحسين أدائه، دون أي حساب للتأثيرات الجانبية.
على الرغم من ذلك كله، أعتقد أن على القادة اتباع مناهج علمية إيجابية وسليمة لتحسين أداء أدمغتهم، مثلما يجب على المديرين التنفيذيين ممارسة التمرينات الرياضية لتقليص مخاطر الإصابة بالأزمات القلبية.
وجدت باربرا ساهاكيان من جامعة كمبريدج، في معرض عملها على إصابات الدماغ، أن رواد الأعمال من أصحاب الذهنية التجارية المغامرة أكثر تكيفًا وتأهيلاً لاتخاذ قرارات ترتفع فيها نسبة المخاطرة، مثل الاستثمار في مجال خطر، مقارنة بنظرائهم من المديرين. وما نستخلصه بالاستقراء من هذه النتائج أن باستطاعة الشركات تصميم دورات تدريبية لتحسين حالة النفور من المخاطرة في مثل هذه القرارات المهمة. المثال يجسده سائقو سيارات الأجرة في لندن. ومع التقنية التي جعلت السيطرة على «المعرفة» أقل أهمية، والمنافسين الذين اقتحموا سوقهم المغلق، مثل شركة أوبر Uber، ربما يجب عليهم الآن إعادة التدريب بحيث تصبح أدمغتهم أكثر ميلاً إلى المبادرة والمغامرة.
من العقبات الشائعة الزمن. تستخدم الباحثة ساهاكيان الألعاب لتجعل التدريب أكثر متعة. لكن كتابًا جديدًا صدر بعنوان Neuroscience for Leadership («علم الأعصاب للقيادة»)، من تأليف باحث مختص بعلم الأعصاب ومدرب للمديرين التنفيذيين وعالم نفسي، يؤكد أن تطوير بعض هذه المهارات لا يزال «يعتمد على دافع محفز هائل وإرادة عنيدة، فضلاً عن سنوات من الممارسة، والتأمل، والتغذية الراجعة». لا يملك معظم الرؤساء التنفيذيين الحاليين سنوات من الوقت المتاح: على عكس خلفائهم. سوف يأتي يوم يقدم فيه «التصوير العصبي» للمسؤولين عن التوظيف معلومات أكثر دقة وشمولاً عن إمكانيات الرؤساء التنفيذيين، وكيفية تحقيقها، مقارنة بشهاداتهم الجامعية في إدارة الأعمال.