من هم النجوم؟

ما هي السمات التي تجعل الموظفين
نجوماً في عملهم؟

كثيرًا ما يمثل نجوم الأداء الناجحون دراسة في التناقضات. لكن ما الذي يجعلهم شخصيات فذة إلى هذا الحد؟ | لاحظت على مر السنين أن النجوم اللامعة في المؤسسات يظهرون عديدًا من الأنماط السلوكية المتناقضة، وأن هذه الطبيعة التناقضية هي التي تجعلهم يحققون هذا القدر من النجاح. إن رصد نجم وليد يمكن أن يشكل تحديًا، على الأقل لأننا لا نستطيع دومًا التأكد من الهدف الذي نبحث عنه. قد يؤثر فينا بعضهم بوصفهم «يرقات ذهبية» لا تكمل أبدًا عملية التحول العضوي، إذا جاز لنا أن نستخدم هذه الاستعارة من العالم الطبيعي، بينما ينمو غيرهم إلى فراشات متألقة كاملة النضج.
ما هي السمات والسجايا التي تحول الأشخاص إلى نجوم متفوقين في الأداء؟ هل وصلوا إلى مواقعهم بفضل صِلاتهم وعلاقاتهم، أم أنهم يتمتعون بالمؤهلات المطلوبة لمكانهم والملائمة لزمانهم؟

الطبع أم التطبّع: ما الذي يصنع النجم؟ | ربما تفيد ملاحظاتي في تفكيك بعض الأساطير الشائعة عن هؤلاء النجوم المتفوقين في الأداء، وتساعد على تمييز سماتهم المحيرة، الموهوبة والمكتسبة. وأود أن أضيف مذكّرًا: يتفاوت المديرون الناجحون تفاوتًا بيّنًا في الأشكال والأحجام. ومع أنهم يتقاسمون كثيرًا من السمات والخصائص، إلا أن السياق عامل بالغ الأهمية. إذ تعتمد النجومية اعتمادًا كبيرًا على وصلات تفاعلية شديدة التعقيد بين النجوم. مثلاً: أنواع الأشخاص الذين يعملون معهم، والسياق (مثل الوضع السياسي في البلد، والثقافة الوطنية والمؤسسية، وطبيعة الصناعة، والدورة الحياتية للمؤسسة، حتى حالة الاقتصاد). ومع أن قادة كثيرين يزعمون امتلاك قدرة حدسية على تحديد السمات المميزة للنجوم، إلا أنهم يفترضون، غالبًا، أن النجومية صفة فطرية موهوبة إلى حدٍّ ما.
بعد أن أصغيت إلى روايات آلاف المديرين الناجحين، لاحظت أن النجومية ليست مسألة حظ فحسب، بل هي خيار، وفيما وراء ذلك، سبب ونتيجة، علة ومعلول. ومع أن المصادفة يمكن أن تمثل عاملاً مؤثرًا، إلا أنها ليست كافية للتفسير. ولا ريب في أن المثل القديم: «كلما زاد جهدي زاد حظي» لا يخلو من الحقيقة. إذ يغلب أن يكون هذا «الحظ» توليفة تجمع الاستعداد، والمثابرة، والفرصة. ومثلما أسرّ إليَّ أحد النجوم: «تطلَّب مني الأمر 20 سنة من العمل الدؤوب لأحقق النجاح بين عشية وضحاها».
لا تعد النجومية مجرد مسألة تتعلق بالصِّلات الصحيحة والعلاقات المفيدة. ومع أن هذه يمكن أن تساعد كثيرًا، لكن تبين أن العديد من الأشخاص الذين يتمتعون بأفضل الصِّلات والعلاقات لم يصادفوا أي قدر من النجاح. لقد بلغ معظم النجوم مرتبة النجومية لأنهم امتلكوا فهمًا بدهيًا لسبل الارتقاء إليها.

تناقضات تمشي على قدمين! | ما يميز النجوم نهجهم التشغيلي المتسم بالمفارقة. فهم يتمتعون بموهبة فائقة في مصالحة النقائض. اعتاد العالم النفسي كارل يونغ الإشارة إلى «سر الجمع بين الأضداد» –رصف، أو ضم، أو حل للصراع بين الأقطاب أو الثنائيات التي تعرّف البشر- أو القدرة على كبح التوتر بينها.
يمتلك النجوم الحقيقيون قدرة إبداعية على إدارة التوجه على المديين القريب والبعيد، والفعل والتأمل، والانبساط والانطواء، والتفاؤل والركون إلى الواقع، والسيطرة والحرية، والتفكير الشمولي والتفصيلي، والمهارات المهنية والفكرية. فضلاً عن ذلك كله، يميزهم خيال لمَّاح، وذكاء عاطفي وقَّاد، ومهارة متفوقة في ركوب المخاطرة المحسوبة، وجرأة نادرة على تحمل مسؤولية الأفعال، وعزيمة صلبة، وطاقة نشطة، كما يبذلون جهدًا بطوليًا (مع أنه لا ينجح على الأغلب) من أجل تحقيق شكل من أشكال الحياة المتوازنة. يسعى النجوم، أيضًا، وراء غير المألوف وغير المبتذل –نظرًا لأنهم من أصحاب الفضول المعرفي، والمخيلة الواسعة، والرؤية الثاقبة. ويرغبون في التعامل مع الأفكار الجديدة، ويملُّون من المألوف والمعتاد والرتيب، ويولعون بالغموض، وهم على أتم الاستعداد للانعطاف بعيدًا عن المطروق والمجرب، لمجرد أنه مختلف.
يمكن لسلوكهم أن ينتقل بالعدوى إلى الآخرين، ليشكل لهم مصدر إلهام ونموذجًا يحتذى مثاله. ونظرًا للذهنية التي تميز النجوم، فهم أكثر ميلاً إلى منح العاملين معهم فرصة التجريب والاختبار. يتخذون القرارات بسرعة ودون تردد، لكن ربما يأخذون، أيضًا، جانب الحيطة والحذر إلى أقصى درجة. وهم في آن معًا متمردون ومحافظون، ويجمعون بين الجد والهزل، والتأمل المتروي والمبادرة الاستباقية. يحبون العِشْرة والتواصل مع الناس، لكنهم بحاجة، أيضًا، إلى الوحدة والعزلة عنهم، يتمتعون بخيال واسع، لكنهم يحافظون على شعور راسخ بالواقع. ويعدون من المفكرين المتفوقين، أيضًا، في التحليل والتركيب والتشعيب والتجميع. يتمتع نجوم الأداء بالقدرة على الانتقال دون جهد من وضعية إلى أخرى.

صُنَّاع النجوم | الخبر السار لكل من يطمح إلى النجومية، أو من يحدق إلى النجوم، أن من الممكن صناعة المتفوقين في الأداء. ودون التقليل من أهمية الطبع الموهوب، يلعب التطبُّع المكتسب دورًا بالغ الأهمية. فالنجوم لا يولدون نجومًا. ويمكن تعلُّم الكثير من عناصرهم النفسية وسماتهم السلوكية، بدءًا من سن مبكرة حينما تكون الشخصية لينة مطواعة. فإذا وضعت الركيزة المؤسسة في المكان الصحيح عند هذه المرحلة من العمر، تميل الأنشطة النمائية اللاحقة إلى الانطلاق بالرحلة الطويلة نحو إبداع النجوم.
أدرِّس نجوم الأداء المتميزين منذ أربعين عامًا. وعلى مدى عشرين عامًا منها أدير ندوة للرؤساء التنفيذيين تمتد سنة كاملة، وتوفر صورًا نفسية متعمقة وشمولية للمتفوقين في الأداء. قدمت هذه الندوات ثروة من البيانات والمعطيات، فضلاً عن الفرصة لمراقبة النجوم عن قرب في بيئة حميمة. واستُمدت المعلومات المتعلقة بهم من مجموعة متكاملة من أدوات التغذية الراجعة التي تجمع (وتقارن) ملاحظات واسعة النطاق من زملائهم، وأقاربهم، وأصدقائهم، الأمر الذي ساعدني على فهم الطبيعة التناقضية لسلوك هؤلاء الأشخاص.
بعد أن يُرصد النجم المحتمل ويحدد، يتلقى تطوره الشخصي أفضل الرعاية الفاعلة عبر استراتيجية تركز بؤرة الاهتمام على تقييم الذات، والتعلم بالعمل، والنموذج الذي يحتذى مثاله، ومن المفضل جمع المناهج الثلاثة معًا.
إيجاد الوعي بالذات:
تبدأ الرحلة إلى النجومية من الذات الجوانية. إذ يعد الوعي بها من أهم العوامل في بناء التقدير الذاتي والثقة بالنفس. ويساعدنا الوعي بالذات على فهم ما الذي يدفعنا، ويكبحنا، ويسعدنا، ويحمسنا. كما أنه يعيننا على توضيح ما الذي نحتاج إليه لتحسين شخصيتنا. يفيدنا المزيد من الوعي بالذات في اكتساب إحساس أكثر واقعية بقدراتنا. وبوعي أكبر بالذات نتمكن من توسيع خيالنا، وإبداعنا، وحدسنا، وإرادتنا، وهدفنا. من المناهج المثالية لإطلاق الوعي بالذات استخدام التغذية الراجعة متعددة المصادر المذكورة آنفًا.
التعلم بالعمل:
هو جمع عدد من الموظفين على مستويات مختلفة من المهارات والتجارب لتحليل مشكلة واقعية في مكان العمل وتطوير خطة عمل، باستخدام وظائفهم ركيزة أساسية للتعلم. وعبر هذا النوع من عمليات التعلم، يعرف المديرون المزيد عن طرائقهم وطرائق غيرهم في حل المشكلات.
النموذج الذي يحتذى مثاله
يتعلم كثير منا بالاقتداء بالنماذج، ونأخذ الكثير من معارفنا من تجاربنا الوظيفية السابقة. نتذكر في هذه المرحلة المبكرة من حياتنا المهنية المديرين الذين عملنا تحت قيادتهم. من الواضح أننا أكثر انجذابًا وافتتانًا بالتعلم من الأكْفَاء والمتفوقين منهم، لكن كثيرًا من نجوم المستقبل تعلموا، أيضًا، من أخطاء الفاشلين والسيئين. وربما تعلمهم هذه التجارب المؤسفة كيف يتجنبون المقاربات السلبية في القيادة– ما هي الأشياء التي يجب تحاشي فعلها مع الآخرين.
أصغيت على مر السنين إلى روايات عديد من النجوم، وتعلمت أن الفشل الحقيقي الوحيد هو عدم محاولة القيام برحلة التطوير الشخصي. أما الطريقة الوحيدة لاكتشاف حدود الممكن فهي المغامرة باجتيازها إلى المجهول. والامتياز ليس حدثًا عابرًا –بل يحتاج إلى أن يصبح ذهنية مستدامة. إنه أداء المهمات الشائعة بأساليب فريدة والرغبة دومًا في تحسين الأداء. ولكي نكون ناجحين، يجب أن نتحرر من أسر المنطقة المريحة ونتعلم الشعور بالارتياح مع غير المألوف وغير المعروف، ونمتلك القدرة على كبح التوتر بين الأضداد.

• مانفريد كيتس دي فريس، أستاذ مميز في تطوير القيادة والتغيير التنظيمي في كلية إنسياد للأعمال، وأستاذ شرف كرسي راؤول دي فيتري دافوكور لتطوير القيادة. وهو مؤسس مركز القيادة العالمي في الكلية، ومدير برنامج «تحدي القيادة»، أحد برامج تطوير كبار المديرين التنفيذيين في إنسياد.