أبو الفرج ابن الجوزي

التربوي الواعظ

يمكنك إخفاء ألبوم صورك عن الآخرين والسماح لهم بمشاهدة ألبومات محددة.الفكر التربوي الإسلامي من أهم الوسائل التي يُحتاج إليها في كل عصر، خصوصًا في زمننا هذا، لما يرتكز عليه من الثوابت الدينية، والقيم السامية النبيلة، فهو يمتاز بأصالته، وقدرته على استيعاب المجالات كافة، ومواجهة مختلف المشكلات والعقبات.
من أبرز الشخصيات التي عنيت بالتأصيل للفكر التربوي الإسلامي الإمام العلاّمة أبو الفرج عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي المولود في بغداد (510هـ، 1116م), وقد حظي بمكانة عالية ومنزلة راقية بين بني عصره، ونال شهرة واسعة لتميّزه في مجالات الوعظ والتأليف والخطابة والتوجيه، وبرز في علوم متنوعة كالتاريخ، والفقه، والحديث، وعلم الرجال، وغير ذلك من الفنون التي أضفت على شخصيته مهابة علمية كبرى جعلته مقصدًا لطلاب العلم الذين توافدوا على حلقاته العلمية المتعددة من كل البلدان، ونجح في استمالة القلوب بأسلوبه المميز، فتزاحموا على مجالسه الوعظية. وكتب الله له القبول ومحبة الناس له، حتى إن مجالسه كان يحضرها مختلف فئات المجتمع من الخلفاء والعلماء، والوزراء والأعيان والوجهاء، مع ما عُرِف عنه من الزهد في الدنيا، والبعد عن زخارفها وملذّاتها.
يقول عن نفسه: «إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة، فتشاغلت به، ثم لم يحبب إليّ فنٌ واحد، بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فنٍّ على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيّق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات».
وَوَصَفَ مجالسَ وعظه الرّحالةُ ابنُ جُبير فقال: إذا وعظ اختلس القلوب، وتشققت النفوس دون الجيوب، وأقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وأوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، وسمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلد، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني.
ونهج ابن الجوزي، رحمه الله، منهجًا فريدًا في التربية والوعظ، فكانت له أساليبه الخاصة، وطريقته التي تميزت، بشمولية التربية، وبيان الأهداف، ووضوح المعالم، وتنوّع الموضوعات، ويظهر ذلك جليًّا متناثرًا من خلال مؤلفاته العديدة.
يقول عنه الإمام الذهبي، رحمه الله: وكان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهًا، ويُسهب ويُعجب, ويُطرب ويُطنِب، لم يأت قبله ولا بعده مثله، فهو حاملُ لواءِ الوعظ القيّم بفنونه، مع الشكل والحسن، والصوت الطيّب، والوقع في النفوس وحسن السيرة، ولا أعرف أحدًا له تصانيف موجودة أكثر من ابن الجوزي في فنون العلم.
ومن جميل كلامه ومواعظه، قوله:
«النظرَ النظرَ إلى العواقب، فإن اللبيب لها يراقب، أين تعب من صام الهواجر؟ وأين لذة العاصي الفاجر؟ فكأن لم يتعبْ مَن صابَر اللذات، وكأن لم يلتذّ من نال الشهوات.
يا طالب الجنة! بذنبٍ واحد، أُخرِج أبوك منها، أتطمع في دخولها بذنوبٍ لم تتب عنها! إن امرأً تنقضي بالجهل ساعاتُه، وتذهب بالمعاصي أوقاته، لخليقٌ أن تجري دائمًا دموعُه، وحقيقٌ أن يقِلّ في الدُجى هجوعُه.
لا يطمعنّ البطّالُ في منازل الأبطال، إن لذة الراحة لا تُنال بالراحة، من زرع حصد ومن جد وجد، فالمال لا يحصل إلا بالتعب، والعلم لا يُدرك إلا بالنصب، واسمُ الجوادِ لا يناله بخيل، ولقبُ الشجاعِ لا يحصل إلا بعد تعبٍ طويل.
الكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحبّ الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك, والهمّة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثّت سارت، ومتى رأيتَ في نفسك عجزًا فَسَلِ المنعم، أو كسلاً فالجأ إلى الموفِّق».
وبعد حياة مليئة بالعلم والتربية والتعليم، حافلة بالتأليف والكتابة والتصنيف, توفي الإمامُ ابنُ الجوزيّ ليلة الجمعة (13/رمضان/597هـ، الموافق 16/6/1200م) في بغداد، وقدّم للمكتبة الإسلامية أكثر من ثلاث مئة مُصَنَّف في مختلف العلوم والمعارف, رحمه الله رحمةً واسعة.