علم الأحياء الفلكي
استكشاف الحياة
خارج الأرض
تنتقل إشارة إلكترونية من «مختبر الدفع النفاث» التابع لوكالة ناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا إلى مسبار مثبّت بالقسم الداخلي الجليدي من سماكة قدم واحدة من بحيرة في ألاسكا. ها قد بدأت أنوار المسبار تتوهّج. فيصيح جون ليشتي، مهندس شاب في المختبر، يجلس في مكان قريب داخل خيمة على سطح البحيرة الجليدي، «إنّه يعمل!» وقد لا يبدو هذا الإنجاز عملاً بارعًا وقويًا، غير أنه قد يكون بمنزلة خطوة صغيرة أولى في مسيرة السعي لاستكشاف القمر البعيد.
على بُعد 4 آلاف ميل إلى الجنوب، تخوض عالمة الأحياء الدقيقة الجيولوجية، بينيلوبي بوسطن، الماء العكر الذي يصل إلى مستوى الركبتَين في كهف حالك الظلام في المكسيك، على عمق ما يزيد على 50 قدمًا تحت سطح الأرض. وتمامًا مثل العلماء الآخرين الذين برفقتها، تضع بوسطن جهاز تنفس للبيئات الصناعية وتحمل علبة من الهواء الاحتياطي لتتصدّى لغازات كبريتيد الهيدروجين وغازات أول أكسيد الكربون السامة التي تجتاح الكهف باستمرار. أما الماء المتدفق حول قدمَيها فهو ممزوج بحمض الكبريتيك. ويسلّط مصباحها الأمامي الضوء فجأةً على قطرات من سائل غليظ شبه شفاف تنساب ببطء وتتسرّب من الجدار الكلسي المتفتّت، فتصيح قائلةً: «أليست جميلة هذه القطرات؟»
قد يوفّر هذان الموقعان– البحيرة المتجمدة في منطقة القطب الشمالي والكهف الاستوائي السام– إجابات عن واحد من أقدم الألغاز وأشدّها تعقيدًا على وجه الأرض: هل من حياة بعيدًا عن كوكبنا؟ فمن المحتمل أن توجد الحياة في العوالم الأخرى، سواء في نظامنا الشمسي أو على النجوم المدارية البعيدة، وتحديدًا داخل المحيطات المغطاة بالجليد مثل تلك الموجودة على قمر أوروبا التابع لكوكب المشتري، أو داخل الكهوف المغلقة المليئة بالغاز والتي يحتمل أن توجد بكثرة على كوكب المريخ. وإن نجح العلماء بتحديد أشكال الحياة المزدهرة وسط بيئات متطرفة وقاسية كهذه على الأرض، فسنكون قد تقدمنا خطوة في مسيرة البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض.
ومهمة تحديد أشكال الحياة هذه صعبة لأن البحث عنها على النجوم انتقل من الخيال العلمي إلى العلم البحت، غير أن المؤتمر الذي جمع علماء الفلك وعُقد في نوفمبر تشرين الثاني عام 1961 كان بمنزلة معلم رئيس وخطوة بارزة في هذا السياق. ونظّم هذا المؤتمر فرانك دريك، وهو عالم فلك راديوي شاب استمالته فكرة البحث عن موجات راديوية غير مألوفة.
عندما دعا دريك البالغ حاليًا 84 من العمر زملاءه إلى المشاركة في المؤتمر، كان البحث آنذاك عن الذكاء خارج الأرض، أو ما يُعرف بالسيتي، «أمرًا محظورًا في مجال علم الفلك»، حسبما يذكر. غير أنه بمساعدة مدير المختبر لديه، نجح بجمع حفنة من علماء الفلك وعلماء الأحياء والمهندسين، من بينهم عالم كواكب شاب يدعى كارل ساغان، وذلك من أجل مناقشة ما يُعرف اليوم بعلم الأحياء الفلكي، أي علم الحياة خارج كوكب الأرض. وما أراده دريك فعليًا هو الحصول على بعض المساعدة من الخبراء لتحديد إن كان من العقلانية تكريس الوقت للعمل على المقراب الراديوي من أجل الاستماع إلى بث الأجسام الغريبة والتوصّل كذلك إلى الطريقة الفضلى لإنجاز أعمال البحث هذه. وتساءل عالم الفلك عن عدد الحضارات المرجّح وجودها في الفضاء، ولذلك قبل وصول من دعاهم، دوّن هذا الأخير معادلة على السبّورة.
والملاحظات هذه التي دوّنها آنذاك، والتي أصبحت تُعرف اليوم بمعادلة دريك، تعرض إجراءً يسمح بتوفير الإجابات عن أسئلته. تبدأ المعادلة بمعدل تكوين النجوم الشبيهة بالشمس في درب التبانة، ويُضرب هذا المعدل بنسبة عدد النجوم التي تمتلك نظامًا كوكبيًا. وتُضرب الحصيلة بدورها بمتوسط عدد الكواكب المؤاتية للحياة في كل نظام أو كوكب بحجم الأرض ويدور على مسافة مناسبة بعيدًا عن نجمه الخاص. وتُضرب النتيجة بعدئذٍ بنسبة عدد الكواكب التي فيها حياة فعليًا، ثم تُضرب بنسبة عدد الكواكب التي تطورت فيها الحياة إلى حياة ذكية ومن ثم تُضرب الحصيلة بنسبة الحضارات التي يمكنها أن تطوّر التقنية لترسل موجات راديوية إلى الكون نستطيع رصدها. تتجسّد الخطوة الأخيرة في ضرب عدد الحضارات المُلمة بالموجات بمتوسط الوقت الذي استمرت خلاله بالبثّ أو صمدت خلاله. وإن قامت مثلاً هذه المجتمعات المتطوّرة بحرق نفسها في محرقة نووية بعد عقود قليلة على تطوير تقنية الراديو، فسيكون على الأرجح العدد المتبقي منها والذي يسعى العلماء إلى الاستماع إليه في أي وقت كان ضئيلاً للغاية.
اتّسمت المعادلة بطابع منطقي، غير أنها طرحت مشكلة. فما من أحد عرف كم هي الأعداد أو النسب، باستثناء المعدل الأول من المعادلة، أي معدل تكوين النجوم الشبيهة بالشمس. أما الأرقام المتبقية فكانت بمنزلة تخمين تامّ. ولكن في حال نجح علماء سيتي بإيجاد إشارة راديوية قادمة من خارج الأرض، فستكون التخمينات بأكملها بالطبع غير مهمة. ولكن إلى أن يتحقّق ذلك، يتوجّب على الخبراء تحديد الأرقام وبدقة لكلّ قسم من المعادلة، وذلك من خلال اكتشاف معدلات ظهور الكواكب حول النجوم الشبيهة بالشمس، أو من خلال محاولة حلّ لغز كيفية تكوّن الحياة على كوكب الأرض.
ستتطلّب المهمة ما يُقارب ثلث قرن قبل أن ينجح العلماء بالمباشرة بوضع تقديرات ابتدائية للمعادلة. في عام 1995، رصد كل من ميشيل مايور وديدييه كويلوز من جامعة جنيف الكوكب الأول الذي يدور حول نجم شبيه بالشمس خارج نظامنا الشمسي. وهذا الكوكب المعروف باسم 51 Pegasi b، والذي يبعد حوالي 50 سنة ضوئية عن الأرض هو كتلة ضخمة وغازية بحجم نصف كوكب المشتري تقريبًا، ويضم مدارًا قصيرًا بحيث تبلغ «سنته» أربعة أيام فقط وتصل حرارة سطحه إلى قرابة 2000 درجة مئوية.
لم يخال لأحد، ولو لوهلة، أن الحياة قد توجد وسط هكذا ظروف جهنمية. غير أن اكتشاف كوكب واحد فقط كان بمنزلة إنجاز ضخم. في وقت مبكر من العام التالي، قام جيفري مارسي، الذي عمل آنذاك في جامعة ولاية سان فرانسيسكو وهو حاليًا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، بترأس طاقم خاص به ونجح في إيجاد كوكب ثانٍ خارج النظام الشمسي، ومن ثم كوكب ثالث، لتكرّ المسبحة بعد ذلك. فحتى يومنا هذا، أكد علماء الفلك وجود حوالي 2000 كوكب خارج المجموعة الشمسية، تتفاوت من حيث حجمها، بعضها أصغر من الأرض وبعضها الآخر أكبر من كوكب المشتري، بينما تنتظر آلاف الكواكب الأخرى التي رُصدت بفضل تلسكوب كيبلر الفضائي الدقيق أن يتم تأكيد وجودها.
لا كوكب من هذه الكواكب مطابق تمامًا للأرض، غير أن العلماء واثقون من أنهم سيجدون واحدًا عمّا قريب. فاستنادًا إلى الاكتشافات المُنجزة حتى يومنا هذا لما يشبه الكواكب الكبيرة، توصّل علماء الفلك مؤخرًا إلى أن ما يزيد على خمسة من النجوم الشبيهة بالشمس تأوي كواكب شبيهة بالأرض وصالحة للسكن. ومن الناحية الإحصائية، قد يبعد أقربها 12 سنة ضوئية فقط، ما يعني عمليًا أنه في الجوار من وجهة نظر كونية.
لعلّها أخبار سارّة لعلماء الأحياء الفلكية. غير أنه في السنوات الأخيرة، أدرك صيادو الكواكب ألا سبب يدفعهم إلى حدّ بحثهم بالنجوم الشبيهة بنظامنا الشمسي. يقول ديفيد شاربونو، عالم فلك في جامعة هارفرد: «عندما كنت في المدرسة الثانوية تعلمنا أن الأرض تدور حول نجم عادي. ولكنّها معلومة خاطئة». في الواقع، حوالي 80 % من النجوم في درب التبانة تتّسم بصغر حجمها وبرودتها وظلامها وأراضيها الحمراء وهي تُعرف بالقزم الأحمر. ففي حال دار كوكب شبيه بالأرض حول قزم أحمر على بُعد مسافة مناسبة، وستكون مسافة أقرب من المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس لتفادي سيطرة البرد عليه، فسيوفّر ذلك موطئ قدم للحياة بكل سهولة، تمامًا كما الحال مع كوكب شبيه بالأرض يدور حول نجم شبيه بالشمس. علاوةً على ذلك، يعتقد العلماء الآن أنه من غير الضروري أن يتمتّع الكوكب بحجم الأرض نفسه ليكون صالحًا للسكن. في هذا السياق، يقول ديميتري ساسيلوف، عالم فلك آخر من جامعة هارفرد: «إن طرحتم السؤال عليَّ فسأقول إن أي مكان آخر يبلغ من واحد إلى خمسة أضعاف حجم كتلة الأرض يُعدّ مكانًا مثاليًا للعيش». باختصار، من المرجح أن تكون مجموعة الكواكب والنجوم الصالحة للسكن والتي تدور هي أكبر بكثير ممّا تصوّره دريك والعلماء في ذاك المؤتمر عام 1961.
لا يقف الأمر عند هذا الحدّ: فدرجات الحرارة والبيئات الكيميائية حيث تنمو على ما يبدو الكائنات المحبة للظروف القاسية، هي أهم مما تخيّله أي من المجتمعين في مؤتمر دريك. ففي سبعينيات القرن الماضي، اكتشف علماء البحار، أمثال المستكشف روبرت بالارد في ناشيونال جيوغرافيك، متدفقات فائقة الحرارة تُعرف بالفتحات الحرارية المائية، تغذّي نظامًا بيئيًا بكتيريًا غنيًا. هذه الميكروبات التي تتغذى على كبريتيد الهيدروجين والمواد الكيميائية الأخرى الذائبة في الماء، تُغذّي بدورها الكائنات الحية الأكبر حجمًا. كما وجد العلماء أشكال حياة تزدهر في الينابيع الحارة، والبحيرات المتجمدة على عمق آلاف الأقدام تحت سطح الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الجنوبية، في مواقع شديدة الحموضة، أو شديدة القلوية، أو شديدة الملوحة، أو ذات نشاطات إشعاعية، حتى داخل تصدعات صغيرة في الصخور الصلبة على عمق ميل أو أكثر تحت الأرض. تقول ليزا كاللتينيغير، التي تتولى وظيفة مشتركة في جامعة هارفرد ومعهد ماكس بلانك في هايدلبرغ في ألمانيا: «على الأرض، تعدّ هذه المواقع بيئات صغيرة ثانوية»، وتُكمل قائلةً: «غير أنها على كواكب أخرى يمكن عدّها بسهولة بمنزلة سيناريوهات مهيمنة».
أما العنصر الوحيد الذي يزعم علماء الأحياء أنه أساسي من أجل الحياة فهو بالطبع الماء بشكله السائل– هو مذيب قويّ قادر على نقل المغذيات الذائبة إلى جميع أجزاء الكائن الحي. في نظامنا الشمسي، عرفنا منذ مهمة مسبار مارينر 9 على كوكب المريخ في عام 1971 أن الماء تدفق فيما مضى بحرية على الكوكب الأحمر. ومن ثم، فمن المحتمل أن حياةً ما وجدت هناك، أقلّه على شكل ميكروبات، ومن المعقول أن آثار هذه الحياة ما زالت موجودة تحت الأرض، حيث لا يزال الماء السائل بدوره موجودًا هناك. وأظهر قمر أوروبا التابع لكوكب المشتري تصدعات في سطحه غير الناضج المغطى بالجليد، وهو خير دليلٍ على وجود محيط من الماء السائل أسفل طبقة الجليد. أما على بُعد حوالي نصف مليار ميل أو ما شابه عن الشمس، فلا بد للماء على قمر أوروبا أن يكون متجمدًا. غير أن هذا القمر يتحرّك باستمرار جرّاء مدّ كوكب المشتري وجزره، والكثير من الأقمار الأخرى، ما يُنتج حرارة تُبقي الماء في الأسفل في حالة سائلة، ومن الناحية النظرية، قد توجد الحياة أيضًا هناك.
في عام 2005، رصدت المركبة الفضائية كاسيني التابعة لوكالة ناسا تدفقات مائية من قمر إنسيلادوس التابع لكوكب زحل، فأجرت عقب ذلك هذه المركبة الفضائية تحقيقات وقياسات أُعلن عنها في أبريل نيسان من السنة نفسها وأكدت وجود مصدر مائي تحت الأرض على هذا القمر أيضًا. ولا يزال العلماء يجهلون كمية الماء الموجودة تحت سطح إنسيلادوس الجليدي، وإن بقي في حالة سائلة مدة كافية سمحت بتكوّن حياة. ويضم سطح تيتان، أكبر أقمار كوكب زحل، الأنهر، والبحيرات، والأمطار. غير أن دورة الأحوال الجوية فيه تستند إلى الهيدروكاربونات السائلة مثل الميثان والإيثان، عوضًا عن الماء. ومن ثم، قد تكون الحياة موجودة عليه، غير أنه يصعب تحديد شكل هذه الحياة. يعد كوكب المريخ أكثر الكواكب المشابهة للأرض، والأقرب إليها، أكثر من أيٍّ من هذه الأقمار. وبحثت البعثات كافة على الكوكب الأحمر عن آثار الحياة عليه. ويقوم حاليًا مسبار «كيوريوسيتي» التابع لوكالة ناسا باستكشاف فوهة غيل حيث وجدت بحيرة ضخمة منذ مليارات السنين وحيث تُبيّن البيئة الكيميائية الآن أنها كانت ملائمة للميكروبات، هذا في حال وجدت يومًا ما.
كهف المكسيك ليس على كوكب المريخ بالطبع، ولا بحيرة شمال ألاسكا هي على قمر أوروبا، ولكن مهمة البحث عن حياة خارج الأرض هي ما دفعت بعالم الأحياء الفلكية كيفين هاند من مختبر الدفع النفاث وأعضاء طاقمه الآخرين بمن فيهم جون ليشتي، إلى زيارة بحيرة سوكوك التي تبعد 20 ميلاً عن مدينة بارو في ألاسكا. ومهمة البحث نفسها هي ما جذبت بينيلوبي بوسطن وزملاءها مرات عديدة إلى كهف «كويفا دي فيلا لوز» السامّ، على مقربة من تابيخولابا في المكسيك. وسمح الموقعان للباحثين باختبار تقنيات جديدة للبحث عن حياة في بيئات شبيهة عمومًا لتلك التي قد تجدها المسبارات الفضائية. ويبحث هؤلاء العلماء بشكل خاص عن بصمات بيولوجية، كالأدلة البصرية أو الكيميائية، تشير إلى وجود حياة سواء في الماضي أو الحاضر، في أماكن لا يتسنى للعلماء إجراء اختبارات مخبرية متطورة فيها.
ولنأخذ الكهف المكسيكي على سبيل المثال. أظهرت المركبة الفضائية المدارية أن الكهوف موجودة فعليًا على كوكب المريخ، وهي الأمكنة التي قد تكون التجأت إليها الميكروبات عندما خسر الكوكب غلافه الجوي ومياهه السطحية منذ 3 مليارات سنة تقريبًا. ما اضطرّ سكان هذه الكهوف المريخية إلى إيجاد مصادر طاقة غير أشعة الشمس تبقيهم على قيد الحياة، مثل القطرات المنسابة التي بعثت السعادة في نفس بوسطن. يدعو العلماء هذه القطرات الكريهة باسم «سنوتيتوس»، ويصل عددها إلى الآلاف في الكهف، وهي تتفاوت بطولها بدءًا من أجزاء من البوصة وصولاً إلى بضع أقدام، وتبدو شبيهة بالمادة المخاطية. وهي في الواقع غشاء حيوي رقيق، عبارة عن مجموعة من الميكروبات المرتبطة بعضها ببعض في كتلة مخاطية طرية ولزجة.
تشرح بوسطن مخبرةً أن هذه الميكروبات هي كيميائية التغذية. فتقول «إنّها تؤكسد كبريتيد الهيدروجين الذي يُعدّ مصدر طاقتها الوحيد وإنتاجها هذه المادة اللزجة جزء من أسلوب حياتها».
هذه الكائنات هي واحدة من جماعات ميكروبية متعددة أخرى توجد في هذا المكان. تقول بوسطن من معهد نيو ميكسيكو للتعدين والتقنية ومعهد كيف الوطني وبحوث كارست إن الجميع أكد وجود عشرة مجتمعات من الميكروبات في الكهف، وتُكمل: «تتمتّع كل منها بشكل يختلف عن الأخرى وتلجأ كلٌّ منها إلى أنظمة مغذية مختلفة».
واحدة من هذه المجتمعات تثير اهتمام بوسطن وزملائها. وهذه الكائنات لا تُشكّل القطرات أو الكتل، ولكنّها ترسم أنماطًا على جدران الكهف مثل البقع، والخطوط، حتى شبكات خطوط وكأنها كتابة هيروغليفية. يسمّي علماء الأحياء الفلكية هذه الأنماط «تمعجات بيولوجية»، وهي تعني «أنماطًا من الخطوط غير المنتظمة، كما لو أنها آثار تخلّفها الديدان عند تقدّمها».
لا تُحدث هذه الأنماط على ما يبدو الكائنات الحية المجهرية التي تنمو على جدران الكهوف فقط. يقول كيث شوبيرت، مهندس في جامعة بايلور متخصّص في نظم التصوير والذي قدم إلى كهف «كويفا دي فيلا لوز» ليركّب آلات التصوير التي ستتولى مهمة الرصد على المدى الطويل داخل الكهف: «تظهر هذه الأنماط على مستويات مختلفة، عادةً في الأماكن التي تكون الموارد فيها شحيحة». وتُنشئ الأعشاب والأشجار في المناطق القاحلة مثل هذه الأنماط أيضًا، حسبما يقول شوبيرت، وكذلك قشرة التربة التي هي مجتمعات من البكتيريا والطحالب والأشنات التي تغطي الأراضي الصحراوية.
إن كانت هذه الفرضية صحيحة– وهي مجرّد فرضية حتى الآن– فستكون بوسطن وشوبيرت وعلماء آخرين ممن يوثقون هذه الكائنات قد توصلوا إلى اكتشاف غاية في الأهمية. فحتى يومنا هذا، بحث الكثير من علماء الأحياء الفلكية عن آثار حياة مثل الغازات والأكسجين الصادرة عن الكائنات على الأرض. غير أن الكائنات الحية التي تنتج الأكسجين بصفته بصمة بيولوجية متعددة.
تقول بوسطن «ما يثير حماسي حيال هذه الأنماط، هو أنني رأيتها جميعها على المستويات المتعددة من البيئات القاسية المختلفة، ومع ذلك تميّزت بأشكالها المتشابهة رغم الاختلاف كلّه». وتعتقد بوسطن وكذلك شوبيرت بأنه من المنطقي للغاية أن تكون هذه الأنماط فعليًا بصمة عالمية للحياة، استنادًا إلى القاعدة البسيطة للنمو والمنافسة على الموارد. زد على ذلك، أنه حتى عندما تموت المجتمعات الميكروبية في الكهوف، فإنها تُبقي أنماطًا خلفها. وفي حال رصدت مركبة فضائية هكذا أنماط على جدار كهف مريخي، «فسيساعد ذلك على تحديد القسم الذي يتوجّب التركيز عليه»، على حدّ قول شوبيرت.
أما في الطرف المقابل من أمريكا الشمالية، فيتولى العلماء والمهندسون الذين يرتعشون من البرد في بحيرة سوكوك مهمة مماثلة. هم يعملون في موقعَين مختلفَين من البحيرة، أحدهما على مقربة من مجموعة من ثلاث خيم صغيرة أطلق عليها العلماء اسم «ناسافيل»، والآخر على مقربة من خيمة واحدة على بُعد نصف ميل. ولأن غاز الميثان القادم من قعر البحيرة يُحرّك مياه البحيرة باستمرار، فإنه يصعب على الجليد التكوّن في بعض المواقع. ومن ثم، للتنقّل على متن عربات الثلوج من مخيّم إلى آخر، يتوجّب على العلماء سلك مسارات متعرّجة وغير مستقيمة لتفادي الغرق القاتل.
عنصر الميثان هو ما جذب أولاً العلماء إلى بحيرة سوكوك وموقع آخر على مقربة من بحيرات ألاسكا في عام 2009. وتنتج الميكروبات هذا الغاز الهيدروكربوني الشائع، وهي تُعرف إجمالاً بالميثانوجين، فتقوم بتحليل المواد العضوية، ما يجعل منها بصمة بيولوجية محتملة أخرى يبحث عنها علماء الأحياء الفلكية في العوالم الأخرى. غير أن الميثان يصدر، أيضًا، من الانفجارات البركانية والمصادر غير البيولوجية الأخرى، ويتكوّن طبيعيًا في الغلاف الجوي للكواكب العملاقة مثل كوكب المشتري وقمر تيتان التابع لكوكب زحل. ولذلك فمن الضروري أن ينجح العلماء بالتمييز بين الميثان البيولوجي والميثان غير البيولوجي. أما العلماء المهتمون بقمر أوروبا المغطى بالجليد، كما يفعل كيفين هاند، فستكون بحيرة سوكوك المغطاة بالثلج والغنية بالميثان بمنزلة مكانٍ ممتاز لاختبار تجربة جديدة وغير مسبوقة.
يفضّل هاند، المستكشف الصاعد في ناشيونال جيوغرافيك، قمر أوروبا على كوكب المريخ مكانًا يجري فيه أبحاث علم الأحياء الفلكي وذلك لسبب رئيس واحد. فلنفترض أننا قصدنا كوكب المريخ، على حدّ قوله، ووجدنا كائنات حيّة قائمة على الحمض النووي DNA في الطبقة الجوفية، تمامًا كالأحياء على الأرض، فقد يدلّ ذلك على أن الحمض النووي هو جزيء حياتي كوني وهو أمر ممكن بكل تأكيد. وقد يعني ذلك، أيضًا، أن الحياة على الأرض وعلى كوكب المريخ تنشأ من أصل مشترك. إننا على يقين بأن الصخور التي انسلخت من المريخ نتيجة تأثير الكويكبات انتهى بها المطاف على سطح الأرض. ومن المرجّح، أيضًا، أن تكون صخور الأرض قد انتقلت بدورها إلى كوكب المريخ. وفي حال كانت الميكروبات الحية محاصرة داخل هكذا صخور متوجّهة إلى الفضاء ونجحت بالصمود خلال الرحلة، وهو أمر معقول، فستعيش على الكوكب الذي حطّت عليه. يقول هاند: «إذا ما كانت الحياة على كوكب المريخ قائمة على الحمض النووي فسنواجه التباسًا بشأن تحديد ما إذا كان أصل الحمض النووي مشتركًا أم مختلفًا». ولكنّ قمر أوروبا بعيد للغاية، ومن ثم إذا ما وجدت الحياة هناك، حتّى إن كانت قائمة على الحمض النووي، فسيشير ذلك إلى وجود أصل ثانٍ ومستقلّ.
على ما يبدو، يضمّ قمر أوروبا بلا شك، مقوّمات الحياة الأساسية. فالماء بشكله السائل وفير، وقد يحتوي قاع المحيط فتحات حرارية مائية شبيهة بتلك الموجودة على الأرض، والتي قد توفّر مواد مغذية لأي شكل من أشكال الحياة الموجودة هناك. أما على السطح، فترتطم المذنبات بانتظام بقمر أوروبا، مخلفةً مواد كيميائية عضوية قد تؤدّي دور لبنات البناء الأساسية للحياة. وتُفكّك الجسيمات من الحزام الإشعاعي الخاص بكوكب المشتري كل من الهيدروجين والأكسجين اللذين يشكلان الجليد فتتكوّن مجموعة كاملة من الجزيئات التي يمكن للكائنات الحية أن تستخدمها لتؤيّض المغذيات الكيميائية الصادرة عن الفتحات.
أما المعلومة المجهولة فتجسّدت في كيفية نجاح هذه المواد الكيميائية باختراق الجليد الذي تبلغ سماكته من 10 أميال إلى 15 ميلاً للوصول إلى الأسفل. غير أن مهمات المركبتَين الفضائيتَين «فوياجير» و«جاليليو» زوّدت العلماء بالإجابة، وهي أن الجليد مليء بالتصدعات. فعند بداية عام 2013، استخدم كل من هاند وكالتيك تلسكوب كيك II لإظهار أن ملح محيط قمر أوروبا شقّ طريقه على الأرجح إلى السطح، ربما من خلال بعض هذه التصدعات. وفي أواخر عام 2013، أفاد طاقم آخر من المراقبين الذين يستخدمون تلسكوب هابل الفضائي، بوجود تجمعات من الماء السائل تنبع من القطب الجنوبي لقمر أوروبا. ولذلك فمن الواضح أن جليد قمر أوروبا غير منيع، ما يجعل من فكرة إرسال مسبار إلى مدار أوروبا مهمة أكثر إلحاحًا. ولكن للأسف، هذه المهمة التي قيّمها مجلس البحث الوطني في تقريره لعام 2011 بالسليمة علميًا اتّسمت بتكلفتها الباهظة التي وصلت إلى 4.7 مليار دولار أمريكي. ما دفع بطاقم «مختبر الدفع النفاث» الذي يترأسه روبيرت بابالاردو إلى الرجوع إلى لوح الرسم لإعادة تصوّر المهمة التي سيدور خلالها مسبارهم المسمى «كليبر» حول كوكب المشتري عوضًا عن قمر أوروبا، ما يستلزم وقود دفعي أقل ومن ثم يخفّف التكلفة. ولكنّه سينجز حوالي 45 مهمة طيران على مقربة من القمر في محاولة لفهم سطحه والتركيبة الكيميائية لغلافه الجوي، ومعرفة التركيبة الكيميائية للمحيط بشكل غير مباشر.
يُخبر بابالاردو أن تكلفة المهمة المُعاد تصميمها كاملة متكاملة، ستصل إلى مليارَي دولار أمريكي طوال مدة المهمة. وإذا ما تمّ المضي قدمًا بها، فيتوقّع هذا الأخير «إطلاق المهمة بين أوائل عام 2020 ومنتصفه». وإذا ما جرى هذا الإطلاق على متن الصاروخ الحامل «أطلس 5»، فستحتاج الرحلة إلى قمر أوروبا نحو 6 سنوات. ويضيف «لكنّه من الممكن أيضًا أن ننجز عملية الإطلاق على متن صاروخ نظام الإطلاق الفضائي الذي تطوّره وكالة ناسا حاليًا. وهو صاروخ كبير وسيسمح بالوصول إلى هناك في غضون سنتَين وسبعة أشهر».
لن يجد بالطبع مسبار «كليبر» الحياة على قمر أوروبا، ولكنّه سيقدّم فرصة إلى المركبات الفضائية التالية التي ستحفر في السطح وتدرس تركيبته الكيميائية كما فعلت المسبارات على سطح كوكب المريخ. كما يمكن للمسبار أن يحدّد أفضل الأماكن التي قد تستقرّ فيها المركبات الفضائية. والخطوة المنطقية التالية بعد إرسال مركبة فضائية ترسل بدورها مسبارًا يستكشف محيط أوروبا، هي أشدّ صعوبة ومنوطة بسماكة الجليد. وبديلاً لذلك، قد يحاول العلماء القيّمين على المهمة الوصول إلى بحيرة داخل الجليد على مقربة من السطح. يقول هاند: «عندما تُثمر أعمال استكشاف قاع الماء في نهاية المطاف فستكون من ناحية التطوّر شبيهة بقصة ظهور الإنسان العاقل بعد القردة الجنوبية التي يُجرى عليها دراسة في ألاسكا».
المسبار الذي يختبره هاند برفقة طاقمه في بحيرة سوكوك يتقدّم تحت جليد من سماكة قدم واحدة، وتبقيه ميزة القابلية للطفو مثبتًا بإحكام على الطبقة الجوفية الجليدية، وتقيس أجهزة الاستشعار فيه درجات الحرارة والملوحة والحموضة وغيرها من خصائص الماء. ولكنّه لا يبحث عن الكائنات الحيّة مباشرةً، بل هي مهمة يتولاها العلماء الذين يعملون على جانب آخر من مشروع هاند في البحيرة، ومن بينهم جون بريسكو من جامعة ولاية مونتانا، والذي استخرج السنة الفائتة بكتيريا حيّة من بحيرة ويلانز، على بُعد نصف ميل تحت الطبقة الجليدية في القطب الجنوبي الغربي. ويقوم بريسكو مع عالمة البيولوجيا الأرضية أليسون موراي من معهد أبحاث الصحراء في رينو، نيفادا، وطالبتها الخريجة بولا ماثيوس، بالتحقيق في الخصائص التي تجعل من البيئات الباردة مؤاتية للحياة وتبحث عن أنواع الكائنات الحيّة التي تعيش هناك.
هذه المهمة أساسية ومهمّة بقدر أهمية دراسة الكائنات المحبة للظروف القاسية من أجل التطرّق إلى طبيعة الحياة خارج الأرض، ولكنّها توفّر فقط تلميحات أرضية للغز فضائي أكبر. وعمّا قريب، ستصبح في متناول اليد وسائل أخرى لملء الأجزاء المفقودة من معادلة دريك. ذلك لأن وكالة ناسا وافقت على تصنيع تلسكوب جديد يرصد الكواكب ويُعرف بالقمر الصناعي العابر والماسح للكواكب. من المقرّر إطلاق هذا التلسكوب الفضائي عام 2017، وسيبحث عن الكواكب الموجودة حول أقرب النجوم المجاورة لنا، فيجد الأهداف المناسبة لعلماء الفيزياء الفلكية الذين يبحثون عن بيئات كوكبية للبصمات البيولوجية كالغازات. أما تلسكوب جيمس ويب الفضائي والمُقرّر إطلاقه عام 2018، فسيجعل من أعمال البحث هذه أسهل ممّا هي عليه اليوم، رغم أن أعمال الرصد الأخيرة التي أجريت من طريق تلسكوب هابل، بما فيها اكتشاف الغيوم على الكوكب الخارجي جي جيه 1214 بي، بيّنت ألا أحد يجلس مكتوف اليدَين منتظرًا انتهاء تلسكوب ويب.
حتى إن بعض علماء الأحياء الفلكية راحوا يتحققون من احتمال أقرب إلى الخيال العلمي مما هو للعلم. فيفترض التركيز على البصمات البيولوجية والكائنات المحبة للظروف القاسية أن الحياة في العوالم الأخرى، مثل الحياة على الأرض، تنشأ من جزيئات معقّدة تتضمّن الكربون جزءًا أساسيًا من هياكلها، وتستخدم الماء مذيبًا. وأحد الأسباب الكامنة خلف ذلك هو كون الكربون والماء عنصرَين موجودَين بوفرة في درب التبانة. والسبب الآخر هو أننا نجهل كيفية البحث عن حياة غير كربونية بما أننا لا نعرف ما قد تخلّفه من بصمات بيولوجية.
يقول ساسيلوف من جامعة هارفرد: «إن قمنا بحدّ بحثنا بهذه الطريقة، فمن المحتمل أن نفشل»، ويضيف: «علينا أن نبذل جهدًا لنفهم أقلّه بعض البدائل وما هي البصمات الجوية المحتملة الخاصة بها». ولذلك، يبحث طاقم ساسيلوف في جامعة هارفرد عن خصائص بيولوجية قد توجد في العوالم البعيدة، حيث تحلّ دورة الكبريت مثلاً محلّ دورة الكربون التي تهيمن على البيولوجيا الأرضية.
في خلفية هذا البحث بأكمله يكمن المشروع الذي جعل علم الأحياء الفلكية يبصر النور منذ ما يزيد على نصف قرن مضى. وبالرغم من أن فرانك دريك تقاعد تقنيًا، غير أنه لا يزال في طور البحث عن إشارات فضائية، وهو اكتشاف من شأنه دحض الفرضيات الأخرى كافة. ومع أن دريك محبط لكون احتمال إيجاد ذكاء خارج الأرض تقلص، إلا أنه متحمّس حيال مشروع جديد يرمي إلى رصد ومضات من الضوء عوضًا عن الموجات الراديوية القادمة من الحضارات الخارجية. فيقول في هذا الصدد: «من الحكمة أن نختبر كل مقاربة ممكنة»، ويُردف قائلاً: «لأننا لسنا ماهرين في معرفة ما الذي تفعله الكائنات الفضائية».
(كتاب مايكل لومونيك الأخير معنون «الأرض المرآة: البحث عن توأم كوكبنا» Mirror Earth: The Search for Our Planet’s Twin. وصوّر مارك تييسين قصتنا عن النظام الشمسي لعدد يوليو تموز 2013 من ناشيونال جيوغرافيك).