تغزَّل فيها الشعراء على مدى التاريخ، وكانت ممرًا للحضارات.
خالد الشيخ
تصوير: يحيى محمد
اتتهادى دارين حين تغادرها السفن في رحلة غوص بحثًا عن اللؤلؤ، أو جلب الخيرات من دول العالم، أو حين يلقي الصيادون شباكهم لصيد الأسماك. لم يغيِّر التمدن روح أهل دارين الجميلة والعفوية، الأبناء يرثون الطيبة والكرم من آبائهم.
هجر معظم السكان منازلهم القديمة، أو أعادوا ترميمها أو بناءها، لكنهم لم يبتعدوا كثيرًا فقد سكنوا أطراف الجزيرة. سكان دارين كسمك البحر لا يمكنهم العيش بعيدًا عنها هكذا يصف أحدهم عشقه لهذه الجزيرة الجميلة. في دارين تشعر بالهدوء والسلام الداخلي. فرؤية البحر وهدوء المكان يعطيانك بعدًا روحانيًا، وقد يمنحانك جوًا ملهمًا للكتابة والشعر. الذين قرؤوا عن دارين يعرفون أنها لم تكن مجرد جزيرة حالمة تغرق في الأساطير، أو مكانًا آمنًا للسكن، فهي جزيرة أتت قيمتها من موقعها المتميز طوال السنين. فهي ميناء طبيعي تختلف عن بقية ما جاورها من مناطق، حيث يمكن للسفن أن تصل إليها وترسو بأمان بسبب عمق المياه التي تحيط بها، فكانت من أهم موانئ الخليج العربي. كان التجار يجلبون إلى ميناء دارين المسك والعطور، والسيوف، والمنسوجات، والتوابل من الهند، كذلك البخور، والأحجار الكريمة، والعاج، والخشب الفاخر. والمنسوجات الحريرية من الصين. والبضائع العربية كاللبان والمر والعاج من الساحل الشرقي الإفريقي.
ودارين اسم محرف عن كلمة (تيرين) وهو اسم أجنبي ومعناه القديم ويطلق البحارة اسم «جزيرة دارين» لأنها أول ما يقابلهم في أثناء قدومهم في البحر. وتقسم دارين إلى ثلاثة أحياء وهي «الشرق والحوطة» وكانت تجري فيهما المتاجرة بالتوابل، والعطور، والذهب، واللؤلؤ. أما الحي الثالث فهو جزيرة صغيرة تسمى «الحالة» وقد اختفت معالمها عام 1399هـ إذ ردم ما حولها برمال صحراوية لتصبح دارين قطعة واحدة لا يفصل بين أجزائها البحر.
كثير من الأقوام والقبائل العربية عاش في المنطقة منذ أكثر من 2600 قبل الميلاد. يؤكد الباحث علي الدرورة أن دارين كانت من أهم موانئ الخليج العربي في الحضارات القديمة، إلا أنها بدأت تفقد مكانتها التجارية عندما أصبحت «البصرة» ميناء تجاريًا في عام 15 للهجرة حتى نهاية القرن الثالث الهجري لتكون مجرد ميناء بحري غير نشط تجاريًا إلا لتجارها المحليين الذين واصلوا العمل التجاري إلى جانب سفن الملاحة.
يذكر التاريخ سوق دارين التي كانت معروفة في صدر الإسلام. وقد تم العثور على آثار يعود تاريخها إلى أزمنة قديمة. وتعد دارين، جغرافيًا، امتدادًا لجزيرة تاروت.
جهود الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني | عندما تدخل دارين تشعر أنك في قرية قديمة حاصرتها المدنية من خلال الأسفلت والمنازل الإسمنتية التي غيرت من ملامح الجزيرة القديمة. تدخل الأحياء القديمة تشم عبق الماضي لكنه يتهاوى أمامك. تلك البيوت الطينية التي بنيت من طين البحر انهار معظمها وبقي بعضها صامدًا. وتحاول الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني المحافظة على ما بقي من ذلك التاريخ، سواء بالترميم، أو شراء تلك المنازل وتسويرها حفاظًا عليها من الدمار. وتفكر الهيئة في شراء المنطقة الأثرية من الجزيرة وتسويرها. وهي تقوم حاليًا بالتنقيب في تلك المناطق، خصوصًا قصر الشيخ عبدالوهاب الفيحان، وهو أحد تجار اللؤلؤ المشهورين في الخليج. وبني القصر على شكل قلعة دفاعية وتم تجديده عام 1303هـ، إلا أنه لم يبق منه سوى ركام من مواد البناء.
دارين الحديثة | عند الخروج من الحي القديم تفاجأ بالبحر الذي طالما كان مكانًا لوداع المسافرين، ولعب الأطفال، وأغاني الغواصين (يا مال ويا مال).. كورنيش دارين ومرفؤها، ومنظر القوارب والسفن الخشبية من أبرز معالم الجزيرة، يأتي السياح والزوار لمشاهدة هذا التاريخ. هجر السكان الصيد قديمًا ولم يعد البحر لديهم سوى مكان للتأمل والإبحار بالنظر، وبقيت العمالة الوافدة هي التي تقوم بنشاط الصيد، إما عن طريق الإبحار، وإما عن طريق إلقاء الشباك المصنوعة من الأسلاك والتي تسمى «القراقير» وهي تستخدم مرات عدة لحجز الأسماك داخل البحر ومن ثم ترمى وتستبدل بها شباك جديدة وهي تصنع في دارين.
ميناء دارين | هو موقع قديم منذ العصر الإغريقي ويسمى «الفرضة» ترسو به أكثر من 500 سفينة وقارب خشبي يستخدمها الصيادون للصيد والتنقل.