أنغوس ديتون
بين الفقر وعدم المساواة
فاز أنغوس ديتون بجائزة نوبل للاقتصاد هذه السنة لاكتشافه سلسلة من النتائج المهمة فيما يتعلق بدراسة الاستهلاك، صاغت السياسة والدراسات الأكاديمية في شتى أرجاء العالم.
لم يتردد الباحث الأسكتلندي (69 عامًا) في الخوض في المناقشات والمناظرات الحساسة التي ارتبطت بأجندته البحثية على مدى 45 عامًا: بدءًا بعدم المساواة المهيمنة على العالم وانتهاء بالمساعدات الأجنبية.
بعد ساعات من تلقي نبأ الفوز، ناقش ديتون مع صحيفة «فايننشال تايمز» آراءه المثيرة للجدل في بعض الأحيان، حول ثلاثة من أهم الموضوعات التي تناولها بالبحث والدراسة.
عدم المساواة | من نهوض الشعبويين اليساريين، مثل جيرمي كوربين في بريطانيا، إلى النجاح الشعبي غير المتوقع لكتاب توماس بيكيتي «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، أصبحت عدم المساواة واحدة من القضايا المصيرية المحددة في هذا العقد.
يوافق ديتون على أهميتها، لكنه يتبنى رأيًا مختلفًا قليلاً عن آراء عدد من زملائه الذين درسوا، أيضًا، حالات التفاوت الاقتصادي.
وهو يقول في ذلك: «عدم المساواة مسألة على قدر هائل من التعقيد، وهذا أمر جيد وسيء في آن معًا». يعتقد الأكاديمي، الذي يدرِّس في جامعة برينستون، أن الغلو في عدم المساواة يمكن أن ينتج بعض التأثيرات الجانبية السلبية، التي تراوح بين فقدان الخدمات العمومية، وتآكل الديمقراطية. لكن في الوقت ذاته، قد تنتج حالات عدم المساواة، أيضًا، عن النجاح، كما يحدث مثلاً جراء مبادرة تجارية مبتكرة. ويضيف قائلاً: «النجاح يولد عدم المساواة، ولا أحد يريد أن يكبت النجاح».
يعبر ديتون، أيضًا، عن شكوكه في الإجراءات التي تتخذ لكونها ترياقًا لحالات التفاوت المتفاقم في توزيع الثروة، مثل معدلات ضريبة الدخل المرتفعة. وفي ذلك يقول: «طبقنا سياسات إعادة التوزيع. لكن من المستبعد أن نحصل على مزيد من العائدات، حتى إذا بلغت نسبة ضريبة الدخل مثلاً %85».
المساعدات الأجنبية | هيمن على اقتصاد التنمية جدل خلافي حول فاعلية المساعدات الأجنبية، حيث قدم بعضهم، مثل وليم إيسترلي، الباحث الأكاديمي في جامعة نيويورك، الحجة على أن ضررها يفوق نفعها.
يعترف ديتون بأن المساعدات يمكن أن تغل فوائد كبيرة، كحالها حين تساعد مثلاً في تمويل المستشفيات ومعالجة الأطفال الذين قد يواجهون خطر الموت لولاها. وفي ذلك يقول مؤكدًا: «في هذه الحالة، تصبح المساعدات مفيدة وضرورية».
يعرض ديتون، اعتمادًا على كتابه «الهروب الكبير» (2013)، اثنتين من أفكاره المتعينة. أولاً: وضع سقف لحجم المساعدات الخارجية المقدمة لكل بلد، لا يتجاوز مثلاً نسبة %50 من عائداته. ثانيًا: الضغط من أجل تطبيق «أجندة عالمية للمنافع العامة»، تضمن إنفاق مزيد من أموال المساعدات على التصدي للمشكلات المزمنة مثل الأمراض الفتاكة، حتى إن عنى ذلك تمويل مزيد من البحث في البلدان الغنية.
يقول ديتون مكررًا فكرة زميله الباحث جاغديش باغواتي: «أؤيد تقديم المال ليس في إفريقيا فحسب، بل من أجل إفريقيا».
قياس مستوى الفقر | عدَّل البنك الدولي مؤخرًا خط الفقر الرسمي، ليرفعه من معدل 1.25 دولار في اليوم، إلى معدل 1.90 دولار. رأى ديتون، الذي ينتقد مقياس خط الفقر من عهد بعيد، تحسنًا نسبيًا في ذلك، دون أن يتخلى عن شكوكه. وفي هذا يقول: «إن التركيز على عدد الناس الذين يعيشون تحت خط الفقر يشابه مطاردة حيوان اليونيكورن الخرافي في الغابات. لست متأكدًا من حكمة البنك الدولي في التزام مثل هذا المشروع».
يعتقد ديتون أن مشكلة الفقر أكبر وأوسع من مجرد الحديث عن النقد السائل والاستشهاد بالهند بوصفها نموذجًا للبلد الذي حقق نموًا كبيرًا على مستوى دخل الفرد، لكن بقيت النتائج محزنة على صعيد التعليم والصحة. يقول ديتون: «أتبع خط التفكير الذي ينتهجه أمارتيا سن، مع أنني أكثر اهتمامًا منه بقضية القياس»، في إشارة إلى الباحث الاقتصادي في جامعة هارفارد والزميل الفائز بجائزة نوبل، الذي قدم الحجة على ضرورة تجاوز إطار المال لفهم التغيرات في معايير السعادة والرفاهية. يضيف ديتون: «القضية لا تنحصر في قياس الدخل، مع أن بالإمكان طبعًا قياس مؤشرات أخرى».
انتقد ديتون أيضًا «أهداف التنمية المستدامة» السبعة عشر، وهي مجموعة من الأهداف والمبادرات لتخفيف حدة الفقر روجت لها الأمم المتحدة والتزم بها قادة العالم مؤخرًا. «لست من المشجعين المتحمسين لها، إذ لا يوجد سبيل لقياسها. ومعظمها لا يتجاوز محاولة لتحسين الشعور الداخلي فقط».