سبع صنايع
والبخت غير ضائع!
يصف كثيرون السبل المهنية كونها مسارًا صاعدًا على الدوام، لكن التحرك باتجاه الطرق الجانبية والفرعية يغدو هذه الأيام أكثر شيوعًا وعقلانية.
بان بان، مؤسسة ومشاركة في إدارة شركة «بانتيرا فينتشرز» Pantéra Ventures
عندما أصبح تيجاني تيام، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «برودنشيال» (درس أيضًا في إنسياد)، رئيسًا تنفيذيًا لمصرف «كريدي سويس»، سئل إذا كان مؤهلاً لأداء المهمة نظرًا لأنه لم يعمل في مصرف استثماري من قبل؟ أجاب: «درست الفيزياء والرياضيات... ولا يوجد شيء لا أفهمه في المصرف الاستثماري».
يجسد مسار تيام السبل المتعرجة والفرعية التي يتخذها المهنيون باطراد هذه الأيام في حياتهم المهنية. حين ننتقل باتجاه اقتصاد المشاركة وتلبية طلب السوق في عالم غدا معولمًا، نجد أن فكرة العمل في وظيفة واحدة مدى الحياة مع مجموعات ثابتة من المهارات تتلاشى وتختفي بسرعة.
كان الناس حتى وقت قريب يعملون في وظيفة واحدة أو صناعة واحدة سنوات عديدة، إن لم يمضوا فيها معظم حياتهم المهنية، واعتاد أرباب العمل البحث عن الموظفين الذين يتمتعون بخبرة راسخة في قطاع محدد ومنحهم قيمة أكبر من أصحاب الخبرات الانتقائية العريضة والتجارب العابرة للقطاعات، حتى وإن جعلتهم سيرتهم المهنية الإجمالية أكثر أهلية وكفاءة ومواءمة.
أما الآن فقد أصبح من الشائع للموظفين تبديل المستخدِمين والصناعات مرارًا وتكرارًا، فضلاً عن تغيير السبل التي يسلكونها في حياتهم المهنية، لتشييد « مستقبل مهني متعدد الوظائف».
ماذا تريد أن تكون؟ | أسعد الحظ بعض الناس بما يكفي لمعرفة المهنة التي يتحمسون لها وما الذي يريدون فعله منذ مرحلة مبكرة من العمر، بحيث يمكنهم أن يسعوا بعزم وطيد لبلوغ هدفهم. لكن ربما يضطر حتى هؤلاء إلى البحث عن خيارات أخرى حين يتوقفون عن العمل في مهنتهم، أو يفشلون في تحقيق طموحاتهم.
من المقاربات المفيدة بناء مجموعة جوهرية من المهارات مع بعض الخبرات في قطاعات معينة بحيث لا تصبح «ملمًا بالحِرَف كلها دون أن تتمكن من أي منها»، لا سيما حين تحقق تقدمًا في مستقبلك المهني. لكني اكتشفت أن المعارف والخبرات التي اكتسبتها من وظيفة واحدة أو صناعة وحيدة تصبح مفيدة وقابلة للتطبيق أيضًا في وظيفة جديدة ضمن قطاع يبدو منفصلاً تمامًا. قال ستيف جوبس إنه استمد الإلهام عند تصميم منتجات «آبل» الثورية من المعرفة التي اكتسبها من دروس فن الخط التي حضرها في الكلية.
الأهم أن المهارات الجوهرية والشخصية (والسياسة غير القابلة للتعلم وغير الخاضعة للتحكم) التي تقرر في نهاية المطاف النجاح الوظيفي مثل تنمية مهارات زملاء العمل وكفاءاتهم (من الرؤساء والمرؤوسين)، والتطوير، والتعامل مع حالات عدم اليقين والارتباك والتشوش، يمكن اكتسابها من الوظائف والقطاعات المتعددة لكنها تتطلب وقتًا وخبرة، ولا توجد طرق مختصرة للحصول عليها.
ارتقاء نماذج الأعمال ونماذج المهن | اضطر معظم الناس، على مدى التاريخ، إلى العمل في وظائف متعددة، أو في «محفظة» من الوظائف إذا جاز التعبير، لمجرد كسب ما يكفي من المال لتلبية الاحتياجات. في العهد الشيوعي، بحث كثير من الموظفين عن عمل في الاقتصاد السري إضافة إلى الوظيفة «الرسمية» لجني المال اللازم للحصول على السلع المقننة أو المحظورة. ولم يتمكن كثير من العاملين من الحصول على وظيفة مستقرة على المدى البعيد وتعوّدها إلا بعد ثورة التصنيع وانتشار الشركات.
لكن مع انتشار «إنترنت الأشياء» واقتصاد المشاركة، الذي قلَّص تكلفة الحصول على المعلومات والتعهدات الخارجية، أصبح من الواجب على نماذج العمل التجاري والعاملين التكيف مع المستجدات. نحن نجبر على الانتقال إلى مقاربة «محفظة» الوظائف والمهن. إذ يمكن للمهارات أن تفقد قيمتها وأهميتها العملية بسرعة أو تصبح عتيقة تجاوزها الزمن، كما أن الشركات تغدو أقل ولاء لموظفيها. حتى لو طبقت الشركات سياسات الاحتفاظ بالعاملين الموهوبين، فقد تطردهم في أي وقت بسبب إعادة الهيكلة، لا سيما أولئك الذين ارتقوا على السلم الإداري، حيث تقل فرص اللجوء إلى الطرق الفرعية والجانبية في الأوقات الصعبة. كلما ارتقى الموظف السلم وتقدّم في العمر، صعب عليه العثور على وظيفة مشابهة في المستوى والأجر حين يترك عمله، خصوصًا حين يسهل تبديل مهاراته أو نقلها إلى عاملين أصغر عمرًا وأقل أجرًا.
لا يكتفي الاقتصاد الجديد بالطلب من الموظفين تعلُّم مهارات جديدة مع تقدمهم في العمر فحسب، بل مراقبة السوق بحثًا عن فرص جديدة. مع انتشار العمل المستند إلى المشروع والعقد جراء منصات التقانة التي تلائم المستشارين والعاملين المستقلين، يتزايد عدد القادرين على إقامة مشروعاتهم الخاصة، وعرض خدماتهم على تشكيلة واسعة من الزبائن، وإدارة شركاتهم بأنفسهم من حيث تولي مهمات ونشاطات مثل المبيعات والتسويق والحسابات التي كان يعهد بها إلى المختصين في الشركات.
يعني ذلك كله قدرًا أقل من الاستقرار والحماية للعاملين، مع أن كثيرًا من الذين يعملون لحسابهم الخاص تعلموا تقدير قيمة الاستقلال الذاتي، والمرونة، والتنويع في العمل، إلى حد الاستعداد لمقايضة الأمان بالاستقلالية. كما أن من المرجح أن يحاولوا إقامة شبكات مهنية ورعايتها لتدوم وتبقى. لأن عليهم أن يكونوا أشد حساسية تجاه تقلبات السوق والتكيف المستمر مع متطلبات زبائنهم، يجب أن يحموا أنفسهم من خطر البطالة أو انقطاع صلة مؤهلاتهم بالواقع. يشير الباحثون إلى أن البلدان والشركات التي تتمتع بثقافات عمل أكثر مرونة تتفوق في الإبداع والابتكار. يجب على مسار المهنة التكيف مع هذا النظام العالمي الجديد. ولن يتمكن من البقاء سوى المتفوق في الابتكار والإبداع.
• بان بان، مؤسسة ومشاركة في إدارة شركة «بانتيرا فينتشرز»، تحمل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية إنسياد.