فرط الوزن، والتهاب الأنف المزمن، والتدخين، عوامل رئيسة لاضطرابات النوم.
د. أيمن بدر كريّم
استشاري الأمراض الصدرية واضطرابات النوم
تشير إحصاءات مؤسسة النوم الوطنية الأمريكية إلى أن ثلاثة من كل أربعة أشخاص بالغين يستيقظون من النوم بصفة متكررة خلال الليل، أو أنهم مصابون بالشخير. وفي استبيان على عينة من النساء الأمريكيات، اشتكى أكثر من %50 منهن من رداءة النوم في معظم ليالي الأسبوع، ما أثر سلبًا على نشاط %43 منهن في أثناء النهار.
يجمع خبراء اضطرابات النوم على أن الشخير يُعد أهم العوامل التي تسبب خللاً في توافق النوم لدى الأزواج، ويضطر الكثير منهم إلى النوم منفصلين. لكن عوامل أخرى مثل الطبيعة الحرارية للجسم ودرجة الإحساس ببرودة الجو، وتفضيل نوع مرتبة سرير عن أخرى، وأوقات النوم الُمتّبعة وطبيعة النوم (خفيف أم ثقيل) إضافة إلى قابلية الإصابة بالأرق، أو اتباع أي عادات أخرى حول موعد للنوم، يمكن أن تسبب الخلل نفسه بدرجات مختلفة.
من الطبيعي ألا يظهر عدم التوافق في النوم بين الأزواج في بداية الحياة الزوجية. فهناك قدر كبير من الحب، والتضحية، والإثارة، حتى المجاملة في بعض الأحيان، لذا يسهل على كثير من الأزواج التعامل مع مثل هذه الاختلافات في بداية الأمر، أو تجاهلها في معظم الأحيان. لكن عادات النوم ما تلبث أن تستقر، وتزداد حِدّة مع مرور الوقت، نظرًا للتغيرات الحيوية، والاجتماعية، والسلوكية التي تطرأ على الإنسان كفرط الوزن، واشتداد الشخير، وزيادة ضغط الحياة العملية والأسرية، وإرهاق الحمل والولادة، وتربية الأطفال، وغيرها، ما يُضعف من قدرة الزوجين على تحمل مثل تلك الاختلافات في طبيعة النوم بينهما.
بالنسبة لكبار العمر، يضطر الكثير من الأزواج إلى اللجوء للنوم في غرف مستقلة. فعلى سبيل المثال، قد تعاني الزوجة في سن انقطاع الطمث الشعور بالحرارة، وتكون عرضة لتقلبات المزاج والأرق، وتفضل الجو البارد، في مواجهة إزعاج زوجها المصاب بالشخير وانقطاع التنفس في أثناء النوم، والذي يفضل الجو المعتدل.
اضطرابات النوم العضوية والسلوكية | يمكن لاضطرابات النوم- بحد ذاتها- أن تكون سببًا مباشرًا في عدم التوافق بين الأزواج، حيث يُصاب الرجال بنسبة أكبر من النساء «بمتلازمة انقطاع التنفس الانسدادي في أثناء النوم»، إلا أن فرط الوزن، واحتقان الأنف المزمن، وهبوط سقف الحلق، والتدخين، وتقدم العمر، وارتفاع ضغط الدم تُعد من عوامل ارتفاع نسبة التعرض لهذا الاضطراب الخطير.
ونتيجة للشخير المتواصل يعاني المريض التململ المستمر في أثناء النوم، تتخلله نوبات توقف في التنفس كهدوء يسبق العاصفة، ينتهي بصوت «شخير» عال، قد يتسبب في إيقاظ المصاب وشريك حياته. ويمكن أن تؤدي ملاحظة الزوجة لزوجها خلال نوبات توقف النفس إلى خوفها وازدياد توترها، وتفاقم حالة الأرق لديها.
الباراسومنيا | لعل غير ذلك من اضطرابات النوم كالكلام في أثناء النوم، أقل انتشارًا، لكنها يمكن أن تتسبب في إزعاج شريك الفراش ورداءة نومه، في الوقت الذي لا تسبب مشكلة للشخص المصاب بها لعدم إدراكه حدوثها. ويطلق على هذه الظواهر المزعجة اسم «باراسومنيا»، وهي اضطرابات حركية سلوكية تصيب الفرد خلال النوم.
فالكلام في أثناء النوم وصرير الأسنان، قد يزعج شريك الفراش، ويؤدي إلى التململ خلال ساعات النوم تبعًا للنوبات المفاجئة من الكلام غير المفهوم، والمصاحب لحركات الجسم الغريبة. ويؤدي المشي في أثناء النوم إلى أرق أحد الزوجين، تبعًا لتجول الآخر في أرجاء البيت، وعبثه ببعض الأثاث، حتى مشاهدة التلفاز، أو تناول الطعام في منتصف الليل.
أما الإصابة بالكوابيس الليلية (Nightmares) أو الأحلام المزعجة بصورة متكررة لدى (%5) من البالغين، فيمكن أن تؤدي إلى تفاقم معاناة الزوجين معًا نتيجة للتوتر والقلق، وتكرر الاستيقاظ من النوم في حالة من الخوف، مصحوبًا بضيق في التنفس، أو خفقان القلب بسرعة كبيرة، وقد تكون مرتبطة بأعراض الاكتئاب واضطرابات المزاج.
النوم الحالم | من أشد تلك الظواهر وطأة على الأزواج، بالرغم من ندرة حدوثها، الاضطراب السلوكي للنوم الحالم (RBD) وهو سلوك غير طبيعي يحدث حصريًا خلال هذه المرحلة ويتميز بحركات غير طبيعية ولا إرادية مثل: الصراخ، والركل، واللكم، حتى الجري، وقد يصاحبه كلام يمكن فهمه في بعض الحالات، وكأن المصاب يمثل الحلم الذي يمر به في المنام. ويضطر كثير من المرضى الرجال- وهم الفئة الأكثر تعرضًا لهذا الاضطراب- إلى زيارة الطبيب بعد فترة ليست بالقصيرة، بعد إلحاح الزوجة نظرًا لمعاناتها الشخصية من تأثير المشكلة في طبيعة نومها، واضطرارها إلى الاستيقاظ المتكرر، أو تعرضها لإصابات جسدية ومعنوية متكررة في أثناء نوبات اللكم، أو الركل التي تنتاب زوجها.
علاج اضطراب التوافق في النوم | لا شك في أن تفهّم سلوكيات الآخر ومرجعيته النفسية والمزاجية، ومناقشة بعض السلوكيات المختلفة بطريقة هادئة خلال أوقات مناسبة، في جو من الحب والمودّة، من أهم خطوات التوصل إلى التوافق الكامل بين الأزواج بصفة عامة خصوصًا في أثناء النوم. ومن الطبيعي أن يكون للاحترام المتبادل بين الزوجين، والحرص على إعطاء بعضهما الوقت الكافي، والجو المناسب للنوم الهادئ، أكبر الأثر في تحسن مستوى التوافق بصفة عامة. فخفض مستوى صوت التلفاز، وفتح الأبواب بهدوء، وتعديل حرارة الغرفة إلى درجة مناسبة، من الخطوات المساعدة على ذلك.
علاج الشخير وانقطاع التنفس | لابد لاكتمال هذا التوافق، التغلب على اضطرابات النوم كالشخير وانقطاع التنفس في أثناء النوم، بالوسائل السلوكية والتحفظية كتخفيف الوزن، والامتناع عن التدخين، وعلاج حساسية الأنف والجيوب الأنفية بالوسائل الدوائية وغيرها. وللوصول إلى التشخيص السليم، فمن الضروري العرض على طبيب اضطرابات النوم، وإجراء فحوص معملية، أهمها «فحص طبيعة النوم» في أثناء الليل، لتحديد نوعية اضطرابات المشكلة وشدتها، وعلاجها في كثير من الحالات بوساطة أجهزة ضغط الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) التي تضمن استمرار انسياب الهواء خلال مجرى التنفس دون انقطاع.
فقد أظهرت إحدى الدراسات، أن علاج الرجال الذين يعانون اضطرابات التنفس في أثناء النوم بوساطة أجهزة «سي باب»، يختصر عدد مرات التنبه التي تصيب زوجاتهم (من 21 إلى 12) مرة في الساعة، و يزيد من نسبة كفاءة النوم لديهن (من %74 إلى %87)، ويطيل من فترة نومهن الهادئ بمعدل (62) دقيقة.
من شأن علاج ارتجاع حموضة المعدة بالوسائل الغذائية وأدوية مضادات الحموضة، والتحكم في أعراض الرّبو الليلي بمستنشقات الكورتيزول، وموسعات الشعب الهوائية وأدوية الحساسية، والتحكم في معدلات السكر في الدم بمنظمات السكر وحُقن الأنسولين، وعلاج اضطرابات الهرمونات والدورة الشهرية، من شأن ذلك كُلِّه أن يقلل من عدد مرات الاستيقاظ والتململ في أثناء النوم. كما أن علاج الأرق المزمن، واضطرابات المزاج والاكتئاب بالوسائل السلوكية والدوائية، يساعد على التخلص من التوتر المصاحب لهذه المشكلة ويختزل من أثرها السلبي على توافق النوم بين الأزواج.