الشيخ د. عبدالرحمن عبدالعزيز السديس
إمام وخطيب المسجد الحرام
الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي
وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق هاديًا ونورًا وسراجا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا للمقتفين نبراسًا، وللأمة تاجا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا ثجاجا.
أما بعد,
فإن الله تعالى قد فرض على عباده حجَّ بيته الحرام، ورتّب عليه جزيل الأجر والإنعام، وها قد انتهى هذا الموسم العظيم وودّعه المسلمون، وكم حزنت لفراقه القلوب المؤمنة والنفوس الزاكية، ولا ندري -عباد الله- هل سندركه مرّة أخرى أم لا، لقد كان مضمارًا يتنافس فيه المتنافسون، وميدانًا يتسابق فيه المتسابقون، فكم من أكفٍ ضارعة رُفِعت، ودموع ساخنة ذُرِفت، وعَبَرات حَرَّى قد سُكِبت، وحقّ لها ذلك في موسم المتاجرة مع الله، كان فيه خير أيام الدنيا، العشر الأوائل من ذي الحجة، وفيه خير يوم طلعت فيه الشمس، يوم عرفة، اليوم الذي أتم الله فيه الدين، وقد جاء في فضله كما في صحيح مسلم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة».
ضيوف الرحمن، وفود الملك العلام، الحج موسم عظيم، وفرصة كبرى، ومناسبة عظمى، تتجلى فيها صور المتاجرة مع الله، حيث صفاء الأرواح، ونقاء النفوس، وصقل القلوب، وسلامة الصدور، والتضحية والفداء، والتعاون والتواصي، والتنسيق والتشاور، والإيثار والإخاء، وتَذَكُّر أحوال المرسلين والأنبياء، فيوجب ذلك حبّهم واقتفاء آثارهم، فلنحرص على أن تظل روح الحج وهمته وأخلاقه قائمة بيننا باقي أيام العام.
فيا من أنعم الله عليهم بالحج، لا ترجعوا إلى ما كنتم عليه قبل الحج، واجعلوا أيامكم كلها ذكرًا وتسبيحًا وتهليلًا وتحميدًا واستغفارًا، يا من استجبتم لربكم ولبيتم النداء استجيبوا له في سائر الشهور والأيام، أما آن أن تخشع لذكر الله قلوبنا، وتتوحد على صراط الله دروبنا؟!
إن من علامات قبول الأعمال الصالحة المداومة عليها، وعدم الرجوع إلى ما سبقها من معصية وفتور، قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «كونوا لقبول العمل أشدّ اهتمامًا منكم بالعمل. ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: } إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{ (المائدة 27)، وقال مالك بن دينار، رحمه الله: «الخوف على العمل ألا يُتَقبّل أشد من العمل».
ولتعلموا أنه من الغايات النبيلة في هذا التجمع الإسلامي الكبير، إشعار المسلم بدوره في الأمة، ومكانته في المجتمع، وإدراكه بمسؤوليته في الصلاح والإصلاح، وهو لَبِنَة من لَبِنَات المجتمع، يشاطره آلامه وآماله، ويعايشه أفراحه وأتراحه.
ألا ما أمسَّ حاجة الأمة الإسلامية اليوم، وهي تواجه أعتى التحديات، وأبشع المؤامرات! ما أحوجها أن تأخذ الدروس والعبر من هذه الفريضة العظيمة، وتستيقن يقينًا، لا يعتريه شك ولا مراء بأنه لا يرأب الصدع ويلم الشمل، ويجمع القلوب، ويوحِّد الدروب، إلا الاجتماع على راية واحدة لا ثاني لها، هي راية الإسلام على ضوء الكتاب والسنة، بعيدًا عن البدع والضلالات والشركيات، والشعارات التي تثير الفتن والنعرات.
فلا بد من اتحاد القوى، وتنسيق الخطط، والعمل لكل ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، وإن واجب القادة والعلماء، والدعاة والزعماء، والمعنيين بقضايا التربية والتعليم، من حملة الأقلام، ورجال الإعلام، والمهتمين بالفكر والرأي والإصلاح في ذلك عظيم وكبير، فيا حجاج بيت الله، يا من تجشمتم الصعاب، وركبتم المشاق، اعقدوا العزم على الأخذ بمنافع هذه الفريضة العظيمة، التي تعجز مؤتمرات الدنيا واجتماعاتها ولقاءاتها، أن تحقق شيئًا يسيرًا من منافعها، أو تُقَاربها في أهميتها ومكانتها، زمانًا ومكانًا، فوائد وآثارًا، لأنها لله، وفي الله، وفي سبيل الله، اعقدوا العزم الأكيد على التمسك بدينكم مصدر عزّكم ونصركم وسعادتكم في دنياكم وآخرتكم، اجعلوا دائمًا من مناسبات الإسلام العظيمة نقطة تحول إيجابية في حياتكم، وانطلاقة جادّة لتصحيح أحوالكم وتقويم أوضاعكم، وصفحة جديدة للعمل البَنَّاء المثمر لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
إننا نحمد الله تعالى ونشكره على ما هيأ للحرمين الشريفين من قيادة رشيدة ترعى شؤونهما رعاية جليلة بخدمات فائقة. كما نشكره عز وجل على ما مَنّ على الحجيج من قضاء مناسكهم بيسر وسهولة فللّه الحمد أولًا وأخرًا، ثم الشكر لولاة أمرنا الميامين على ما بذلوا من جهود في خدمة الحرمين وقاصديهما وضيوف الرحمن جعله الله في موازين أعمالهم الصالحة.
كما أسأل المولى في عليائه أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم، وأن يثبتنا على الدين القويم، كما نسأله جلَّ وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا الاستمرار والاستقامة على الأعمال الصالحة، وأن يمنّ علينا بالقبول والتوفيق بمنّه وكرمه.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.