تمور القصيم
سياحة واقتصاد

تتحول بريدة وعنيزة في كل عام إلى سوق مفتوح تعرض فيه أفخم أنواع التمور.النظرة إلى مهرجان التمور الذي يقام سنويًا بمنطقة القصيم في مدينتي بريدة وعنيزة، ستكون نظرة قاصرة إذا ما تم رصد المهرجان من منظور تجاري واستثماري بحت. فهذا المهرجان الذي بدأت نشاطاته في أواخر يوليو الماضي أصبح حاضرًا في ثقافة المنطقة بشكل راسخ، وثبّت حضوره كونه واحدًا من أهم المهرجانات السنوية التي تشهدها المملكة، بوصفها موطنًا من أهم مواطن التمور، ومن أهم حواضنها على مستوى المنطقة، بما تضمه القصيم من ملايين أشجار النخيل المثمرة التي وضعت السعودية بين طليعة الدول إنتاجًا وجودة وتنوعًا للتمور، إذ تحوَّل معها هذا المهرجان من تظاهرة استثمارية وحدث اقتصادي يهدف إلى التسويق والبيع وتحقيق الأرباح، إلى حدث سياحي فريد يقصده المهتمون من أنحاء المملكة والمنطقة.
تحتضن مدينة التمور ببريدة المهرجان لما تتمتع به هذه المدينة التي أنشئت خصيصًا لهذا الحدث من موقع مميز ووسائل عرض مساعدة، إلى جانب اجتذابها جميع المقومات المؤدية لصناعة متفردة للتمور، إذ تربط هذه المدينة بين بريدة كبلدة، وتمورها كمنتج، في صورة مدينة متكاملة تعد معلمًا حضاريًا واقتصاديًا وسياحيًا.
مع الوصول إلى أرض المدينة، وقبل أن يتذوق الزائر ما أتاحه له التجار من تمور، تم تصنيفها وفقًا لجودتها إلى درجات متمايزة، يقف مشدوهًا بالتنظيم الجميل وأسلوب العرض الذي يتقنه بعض التجار، فيحرص على التقاط التشكيلات المميزة بآلة التصوير الخاصة، ومن ثمَّ يتجول في السوق ويسمع ما يتردد في أذنيه من أصوات تطلقها حناجر «الدلالين» تتغنى بأسعار المعروض من التمور، فلا تهدأ أصواتهم بجوار أطنان التمور المعروضة، في مشهد يغلب عليه اللون الأصفر الذهبي المميز لتمور تصنف بين الأفضل عالميًا.
أغلب ما يتم عرضه من التمور هو من نوع السكري، فيما تظهر الأنواع الأخرى من التمور بنسب أقل، وذلك بسبب غزارة إنتاج تمر السكري، وارتفاع الطلب عليه بين المتسوقين الذين يفدون إلى المهرجان من جميع أنحاء المملكة، ودول الخليج العربي.
تبدأ كل أيام المهرجان بغزو السيارات المحملة بالإنتاج إلى السوق، وبعد تصنيفها حسب درجة الجودة، تدخل إلى مواقعها، ويبلغ أعدادها يوميًا أكثر من 1000 سيارة، وتصل إلى ألفي سيارة في أيام الذروة، تحمل ما يربو على 1000 طن من التمور.
الشراء والبيع بالطريقة التقليدية متاحان للمتسوقين الذين يبتاعون بضعة كيلوجرامات من التمور لاحتياجاتهم الشخصية البسيطة، فيما يتاح لمن يرغب في شراء كميات أكبر المشاركة في المزايدات التي تتم على التمور وتتفاوت أسعارها بشكل كبير حسب نوع التمر وجودته، ورغبة المزايدين في الحصول على المعروض، ويدخل بين المزايدين التجار الراغبون في شراء كميات كبيرة تقدر بالأطنان.
تستأثر منطقة القصيم بما يزيد على 6 ملايين نخلة توزع إنتاجها على أسواق المحافظات، ويفوز مهرجان بريدة بأغلبها، بوصفه أهم مهرجانات التمور، ليس على مستوى المملكة فحسب، بل على مستوى العالم أيضًا، لما يضمه من إنتاج متنوع ومعروض وفير، يتم تصديره إلى أكثر من 20 دولة أوروبية وآسيوية وأفريقية. وعلى الرغم من ذلك تظل الصادرات السعودية في التمور ضئيلة جدًا ولا تتجاوز 10% من حجم الإنتاج الكلي، إذ إن الطلب المحلي على التمور يدفع كثيرًا من التجار والمستثمرين في مجال التمور إلى تسويق إنتاجهم محليًا.
يعايش الزوار تجربة مميزة عبر النشاطات المصاحبة للمهرجان من خلال زيارة قرية التمور التي توفر أجواء تحاكي الحياة الريفية القديمة التي تربط الإنسان بماضيه مثل الزراعة والحرث بالطرق التقليدية القديمة التي اعتاد أن يستخدمها الأجداد، بينما بنيت القرية بالنمط المعماري القديم بالطين واللبن، مع بئر في وسط القرية تحاكي عملية السواني القديمة لاستخراج المياه للسقيا والزراعة.
تمكنت الأسر المنتجة من خلال ركنها المخصص داخل القرية من إعداد الفطور الصباحي الطازج وتقديمه لزوار المهرجان من الباعة والمتسوقين، إلى جانب الأدوات والمقتنيات المشتقة بالكامل من النخيل والمعدة يدويًا، وذلك بهدف دعمهم اقتصاديًا كأحد النشاطات التي تندرج في إطار المسؤولية الاجتماعية للمهرجان.
المهرجان الذي يبدأ عادة مع نضج التمور في المنطقة في شهر أغسطس ويستمر لأكثر من شهرين يعرض عشرات الأصناف من التمور، ويتم تداول مبالغ طائلة في التجارة من خلاله تزيد على 20 مليون ريال يوميًا، بإجمالي قد يصل إلى ملياري ريال.
على الرغم من الزخم الكبير الذي يتمتع به مهرجان بريدة للتمور محليًا ودوليًا، فثمة مهرجانات أخرى للتمور تشهدها مناطق أخرى في المملكة العربية السعودية. من ذلك مهرجان عنيزة للتمور الذي يعد من المهرجانات المهمة التي تشهدها المملكة العربية السعودية أيضًا، إذ يقام بالتوازي مع مهرجان بريدة، وله كثير من مريديه من أبناء محافظة عنيزة، حيث يخضع المهرجان للمعايير نفسها المتعلقة بالمراقبة الصحية والجودة للتمور قبل دخولها إلى أرض المزاد الذي يشارك فيه العامة.
وأطلق مهرجان عنيزة أول مشروع وطني لتوطين أعمال التمور، إلى جانب مشروع تسويق التمور إلكترونيًا، ما جعل المهرجان جاذبًا بشكل كبير للمشترين من كل دول المنطقة، خصوصًا مع إقامته في فترة إقامة مهرجان بريدة، ما يشكل دافعًا للزوار لاغتنام الفرصة لحضور أكثر من مهرجان في آن واحد.
ومن بريدة، إلى محافظات منطقة القصيم الأخرى، استلهمت فكرة مهرجانات التمور، التي تنتشر في كل أرجاء المنطقة، فتستعد كثير من المحافظات التابعة لمنطقة القصيم قبل موعد نضج التمور، باستعدادات خاصة لتنظيم المهرجان الخاص بها، ويتم تجهيز الأسواق بالصورة الملائمة لاستقبال سكان كل محافظة ممن يتوافدون على السوق لابتياع مبتغاهم من التمور الطازجة ذات الجودة العالية. ومن بين هذه المهرجانات التي تشهدها مدن أخرى في القصيم، غير بريدة وعنيزة، مهرجان البكيرية للتمور، ومهرجان رياض الخبراء، ومهرجان التمور في البدائع، وتمور المذنب، إلى جانب مهرجانات وأسواق المحافظات الأخرى
. . .