عكاظ موروث أصيل

علائق شائقة بين عبق الماضي ومتطلبات الحاضر.

د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري

كان تحديث التراث ضمن الرؤية الحكيمة التي رسمها قادة هذه البلاد، فأسهم ذلك في الإنجازات بإحياء المواقع التراثية, واستجلاب مكوّناتها وأعوامها القديمة في العصر الحديث. من ذلك الحراك الوطني كانت تظاهرة ثقافية احتفائية بسوق عكاظ التي حطت من رحلتها التاسعة فتجلّت هذه الاحتفائية التي أشرقت في زينتها حيث اقتني لها على أرض عكاظ حلة جديدة تكتنز وتسمو.
نبسط شيئًا عن موقع عكاظ الذي هو في مكان جميل في محافظة الطائف, ويذكر الأديب المؤرخ عبدالله بن خميس، رحمه الله، في كتابه (المجاز بين اليمامة والحجاز): «أن سوق عكاظ تقع في متسع من الأرض يحدها من الجنوب ملتقى وادي «شرب» بوادي «العرج الأخيضر» و«العيبلاء», ومن الغرب «جبال الصالح» و «جبال مدسوس» ووادي «المهيد», ومن الشمال «الشظفا» و«مشرفة», ومن الشرق «الدار السوداء» و«الحرة», وفيما بين هذه الأعلام تقع سوق عكاظ وهي تشكل شكلاً مستطيلاً لا يتجاوز طوله من الجنوب إلى الشمال أربعة أكيال, ومن الغرب إلى الشرق كيلين, كما أن هذه المنطقة هي مدفع ثلاثة من الأودية وهي: «العرج» و «الشرب» و«المهيد»». انتهى كلام صاحب المجاز.
عكاظ في قديم تاريخه أعظم معرض في جزيرة العرب للتجارة والصناعة والفن, والرأي والاجتماع, ومنتدى للشعر والخطابة والبلاغة. كثُر له الرواد، وتعددت أهدافه, واستوعبت القبائل حرارة اللقاء به, تؤمه تجارة الفرس والأحباش, وبضائع العراق، وهجر، وبُصرى، وعدن، وبلاد الشام, ومن بضائعه آنذاك البرود، وأنواع الطيب، والسلاح، والحلل، والخيل الأصيلة، ونجائب الإبل, وغير ذلك مما تعددت أجناسه وتنوعت أشكاله.
يقول أبو ذؤيب الهذلي:

وكانت المنابر تنصب لحكماء العرب, ولم يكن العرب يحرصون على شيء أكثر من حرصهم على البيان, حيث كانت تُضرب قبة من أدم يتربع بها نابغة بني ذبيان حكمًا، ينتظم حوله عقد الشعراء من جميع القبائل يعرضون عليه حصاد عامهم مما هذبته القرائح, وأبدعته الأفكار, كما تلتقي اللهجات العربية هناك, وتهذب سوق عكاظ ما بها من هنات علقت جرّتها صلة تجارة أو علاقة جوار.
في عكاظ العصر الحديث عقدت توأمة بين قوانين الأدب المعاصر وأمراء الشعر القديم الذين صنعوا ممالكهم من أطلال وخيل وليل. من خلال البرنامج الثري في الأيام الخمسة التي انعقد فيها السوق, رأينا أن عكاظ اليوم دخلت دوائر الاقتصاد, وقنوات الفن, وضروب السياحة, وكان للمعرفة ودورها في ريادة الأعمال سبق آخر، حيث كان استعراضها مجزيًا في ندوة أقيمت في اليوم التالي للافتتاح, وانبلجت خلالها طموحات الشباب وتدفقت معارفهم التي صنعوا بها صروحهم في مجال الأعمال, فكان الطرح فياضًا, وبالمقابل صار العطاء غزيرًا, فقد رأى الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، أن يُخصص لندوة الريادة المعرفية في الأعمال يوم كامل في برامج عكاظ للعام المقبل, وتوجيهه بجائزة سنوية للريادة المعرفية للأعمال تضاهي جائزة شاعر عكاظ, وتصطف مع الجوائز الأخرى التي منحتها السوق في مجال الحرف اليدوية, وفنون التصوير, والتراث الشعبي، والخط العربي.
هكذا نجحت عكاظ في تحقيق ثقافة عصرية تنطلق من موروث أصيل، حين تستحضر صورته بعلائق شائقة من الربط بين عبق الماضي ومتطلبات الحاضر, ومن مؤشرات ذلك النجاح توسيع دائرة المشاركة من داخل الوطن وخارجه، ما منح السوق انفتاحًا ثقافيًا واقتصاديًا وحضورًا وافرًا للتقنية والابتكار.