اذكروهم بخير

الحفاظ على العلاقات مع الموظفين الذين يتركون العمل استثمار صغير يجب على الشركات القيام به. ونقطة البداية هي إعادة التفكير في كيفية إدارة المخارج.

غيلز هيلاري*، وفارون ميتال**

بيتر موظف مبيعات. عمل في أربع وظائف في ستة أعوام. تضاعف راتبه مرتين ونصف المرة في المدة نفسها. يرى أن الموظفين يأتون ويذهبون. «نحن مثل فرسان القرون الوسطى. نجلب معنا دروعنا ونعمل عند كل من يحتاج إلينا». ولاؤه الحقيقي ليس لأرباب عمله بل لشبكة معارفه، فأعضاؤها هم الذين يدعمونه وقت الحاجة.
مقاربة المرتزقة للعمل شاعت وانتشرت الآن. تشير دراسة أجريت عام 2013 إلى أن المعدل الوسطي لعمل الموظفين في شركة Massachusetts Mutual Life Insurance (إحدى الشركات المدرجة على قائمة Forbes 500)، يقترب من تسعة أشهر. بينما يرتفع في شركات أخرى، مثل أمازون، وجوجل، ليبلغ السنة تقريبًا. ويبدو أن سرعة المغادرة تزداد مع كل جيل جديد من العاملين. نتيجة لذلك كله، ازداد، أيضًا، بمرور الزمن العدد القياسي للموظفين السابقين في أي شركة. لكن لسوء الحظ، يمثل هؤلاء مصدرًا للمخاطر والأخطار الداهمة للمؤسسة: قانونية (حيث يقاضونها في أحيان كثيرة)، أو تجارية (يأخذون معهم غالبًا بيانات حساسة)، أو مضرة بسمعتها (كثيرًا ما يوجهون اللوم والذم إلى رب العمل السابق)، أو إلكترونية (يتمكنون عادة من نظام تقنية المعلومات السابق)، على سبيل المثال لا الحصر.

أفرغ جيوبك | المقاربة القياسية للتصدي لهذه المخاطر تقنية وتعتمد على «مفاتيح التحكم في المخرج»، مثل التأكد من أن الموظف قد أعاد جميع العتاد والوثائق، أو مطالبته بالتوقيع على وثيقة يعد فيها بعدم منافسة الشركة أو الحط من قدرها أو تشويه سمعتها، أو تسريب أي معلومات سرية. ومع أن ذلك ربما يلعب دورًا في استراتيجية تقليص حجم المخاطرة، إلا أن من المرجح أن تفشل أفضل طرق التحكم والسيطرة (على المخرج) إعدادًا وتصميمًا. على سبيل المثال، أشارت دراسة حديثة إلى أن 45 % من الموظفين السابقين استمروا في الوصول إلى بيانات سرية لشركاتهم، وأن نصف من أجريت عليهم الدراسة اعترفوا بالدخول إلى حسابات تابعة لها بعد ترك العمل فيها. من تنويعات هذه المقاربة الاعتماد على مقابلات شخصية مع الموظفين قبل ترك العمل. ومع أن هذه الوسيلة يمكن أن توفر معلومات ثمينة وتحدد المشكلات المحتملة، إلا أنها كثيرًا ما تستخدم بطريقة بيروقراطية. هل يعد موظف الموارد البشرية (الذي لم يقابل الموظفين إلا عرضًا مع لائحة فحص طويلة) أفضل من يؤدي هذه المهمة؟ ليس من الواضح هل يصلح لها أم لا. في الحقيقة، ربما يمثل ذلك إشارة إلى الموظف بأنه مجرد رقم في «نسق». بكلمات أخرى، المقاربة الدفاعية الخالصة ربما لا تكون كافية، وقد تفرز في الواقع عكس النتائج المرجوة.

الموظفون الذين يتركون العمل هم أصدقاؤك | ثمة مقاربة أفضل لتحويل المخاطرة إلى فرصة. يلاحظ بيتر أن «الموظفين السابقين هم أفضل من يؤثر فيك. لأنهم يعرفون نقاط ضعفك، ويستطيعون تقديم توصيات معقولة تمامًا». وفقًا لتجربته، لا تفهم الشركات هذه العلاقة على الدوام. حين استقال من إحدى الشركات الكبرى، مر بعملية اتسمت بالتحفظ والفجائية وجرى التعامل معه بأسلوب مبالغ في البيروقراطية. حدث ذلك في وقت زادت فيه الشركة الأرباح لحملة الأسهم. «من الواضح أنني لن أحصل على شيء». بالمقابل، استبق الأمر مدير آخر (في شركة أخرى). قال لبيتر إنه يدرك ضرورة أن تدفع الشركة أكثر، لكنه اعتذر لأن الميزانية لا تسمح. بعد وقت قصير، ترك بيتر العمل لكنه لاحظ: «تعاملوا معي باحترام. وبقيت العلاقة بيننا طيبة. وأنا أقدم لهم المساعدة بين حين وآخر».
يجب أن تكون إدارة الموظفين السابقين أكثر منهجية. في كثير من الشركات، هنالك برامج لتعريف الموظفين الجدد بالمؤسسة، لكن قلة قليلة منها تطبق برامج مخصصة للموظفين المغادرين. يمكن لهذه البرامج أن تشمل عنصرًا دفاعيًا. على سبيل المثال، لا تتردد شركة WPP الرائدة عالميًا في خدمات التسويق، في مقاضاة الموظفين السابقين لتقديم اعتذار علني إذا ما وقع سوء سلوك منهم. ما يجعل التحذير أكثر وضوحًا للموظفين السابقين في المستقبل.
إلا أن الفكرة المهمة هي جعل الموظفين السابقين جزءًا من جماعة مشتركة متلاحمة على الدوام، بدلاً من تخويفهم. صحيح أن رئيسك السابق لم يكن مثاليًا في اللطف وحسن المعاملة، لكن بدلاً من معاداة شبكة الشركة واستعدائها برمتها، فلماذا لا تتمتع بالفوائد والمنافع؟ يتطلب ذلك بالطبع وجود منافع وفوائد تستمتع بها. تتبنى بعض شركات مقاربة تفاعلية للتصدي لهذه المسألة. على سبيل المثال، لشركة الاستشارات الشهيرة ماكنزي McKinsey موقع على شبكة الإنترنت مخصص لموظفيها السابقين. الأمر الذي سمح لها بتطوير قاعدة بيانات على الشبكة الإلكترونية لنحو 27 ألفًا من المستشارين السابقين. يوفر الموقع خدمات متعددة، مثل حضور المناسبات التي ترعاها الشركة، والحصول على أخبار المكاتب المختلفة، ومعرفة الوظائف المعروضة على المستشارين السابقين. إضافة إلى التقليل من حجم المخاطر، تعرض مقاربة الجماعة المشتركة تشكيلة من الأشخاص المؤثرين الذين يساعدون الشركة في المستقبل.
تستخدم شركات أخرى مقاربات هجينة. على سبيل المثال، أسست شبكة الموظفين السابقين في شركة بروكتر أند غامبل P&G بوساطة أحدهم. صحيح أنها غير مرتبطة رسميًا بالشركة، لكنها (الشركة) تدعم مساعيها. توسعت الشبكة وامتدت لتضم 35 ألف عضو في شتى أرجاء العالم، لتشكل واحدة من أضخم شبكات الموظفين السابقين.
بغض النظر عن المقاربة، من المهم الابتعاد عن علاقة التصافق، وإيجاد رابطة وشيجة، شخصية ووجدانية، بين الموظفين السابقين وشركتهم. ومقابل استثمار مالي متواضع، يمكن للشركات أن تجد نفسها في موقع فريد لتحويل خطر محتمل يتهددها إلى واحد من أعظم مصادر قوتها إذا استطاعت تجنب العمل في صوامع معزولة. وربما تساعد العلاقات مع الموظفين السابقين على تحقيق ذلك.

• غيلز هيلاري: أستاذ المحاسبة والرقابة في كلية إنسياد، وأستاذ كرسي شركة «مبادلة» في حوكمة الشركات والاستراتيجية. وهو عضو مساهم في «مبادرة إنسياد لحوكمة الشركات».
فارون ميتال: مدرب «إدارة العلامات التجارية المهنية والشخصية».